السر الحقيقي في سلطنة عمان بلغة الحب والحرب

الخميس 12 مايو 202201:00 م

يقال إن للشعراء ألف حبيبة وألف مدينة، وأن أعمار المدن لا تقاس بأعداد القصائد، وأعمار المعلقات يسبق وجودها الكلمة.

وللمدن حكايات مختلفة، بعضها نسكنها، وأخرى تسكننا، مدن تشكل ثقافتنا، ومدن كالسيل تفتح مدارك الوعي فينا، مدن نهرب منها وأخرى نلجأ إليها. وهناك بلاد بكل تناقضاتها وتقلب فصولها لا نستطيع إلا أن نغرق عشقاً في تفاصيلها، ونتماهى معها.

هي تلك البلاد التي يعد أقدم ذكر لاسمها بالآرامية في العهد السلوقي قبل الميلاد، أشار إليها السومريون في ألواحهم المسمارية الطينية، ورسمت موانئها في خرائط الروماني كلوديوس بطليموس، وكانت الوطن في أشعار مالك بن فهم، ملك عُمان وتنوخ، وقائد معركة سلوت الشهيرة بين العرب والفرس، في القرن الأول الميلادي. 

نزار قباني

تأخر الشاعر السوري نزار قباني ثلاثة عقود حتى قرر زيارة مسقط العاصمة العمانية عام 1993، كان حضوراً استثنائياً ونادراً، كسبته عمان، وعبر عن ذلك اللقاء في افتتاحية أمسيته الشعرية بالنادي الثقافي، قائلاً: "يا أحبائي، تأخرت عليكم ثلاثين عاماً/ ثلاثين جرحاً/ ثلاثين دمعاً/ انتظرتكم حتى آخر التوقع/ وآخر الانتظار/ كما تنتظر الشفاه من يقبلها/ والعين من يكحلها/ والضفيرة من يضفرها/ وكما تنتظر رسالة حب/ تأخرت في صندوق البريد ثلاثين عاماً قبل أن تصل.

من يقرأ أشعار نزار قباني ويشاهد لقاءاته المرئية، يعي تماماً أنه تجاوز لقب "شاعر المرأة"، فهو كان كما يطلق على نفسه "شاعر الإنسان"، ومثلما أعطى المرأة حيزاً من أدبه، كذلك "الوطن"، ومدن قلبه، دمشق وبيروت وبغداد.

في الأبيات التالية يكشف بلغته الشاعرية عن مدى جهلنا كعرب ببعض، قائلاً: "أليس عجيباً أنني أسكن في هذا البيت العربي الكبير/ منذ نصف قرن/ لكنني لا أعرف حتى الآن/ عدد غرفه ولا عدد أبوابه ونوافذه/ ولا لون حيطانه ولا أسماء سكانه"."نزوى" المدينة والمجلّة

يتبنى الشاعر والأديب العماني، سيف الرحبي، مقولة : "إذا أردت أن تعرف الشاعر جيداً فاذهب إلى بلاده"، لذلك رغم تنقله بين بلاد ومدن عربية وغربية عدة، فإنه حينما قرر إصدار مجلة ثقافية عام 1994، اختار اسم "نزوى"، إحدى أهم المدن العمانية تاريخياً، والتي تعد المجلة اليوم ضمن أهم المطبوعات الثقافية.

يعود الشاعر العماني بالذاكرة إلى المكان الأول الذي عرفه إلى قرية سرور، في سمائل التي شكلت جزءاً هاماً من تكوينه، يقول في إحدى حواراته: "ولدت في قرية سرور، القرية المحاطة بجبال جرداء أسطورية، درست في الكتاتيب التقليدية، وعرفت بيئتها البرية الصادحة بأصوات الذئاب وبنات آوى والطيور".

"في البيت الأول، كانت مكتبة والدي، التي لم تضم سوى كتب التراث والفقه واللغة والتاريخ القديم، كانت المكتبات معدومة في المنطقة، لكن الطبيعة كانت بحد ذاتها أسطورة، فسرور ليست بعيدة عن مشارف الربع الخالي، هذه الصحراء المروّعة، التي وصفها الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر، بأمّ الصحارى، لكن بالنسبة لي، مكانياً ورمزياً، تتحول في الكتابة والنص إلى صحراء كونية، ورمزٍ وجودي للوحشة والعدم".

"أليس عجيباً أنني أسكن في هذا البيت العربي الكبير/ منذ نصف قرن/ لكنني لا أعرف حتى الآن/ عدد غرفه ولا عدد أبوابه ونوافذه/ ولا لون حيطانه ولا أسماء سكانه"، من قصيدة لنزار قباني في سلطنة عمان... تعرفوا على الوجود الشاعري للبلاد، وكتاباتهم عنها

كانت عمان الملجأ الآمن للشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي، والهارب من ويلات الحرب، تنقّل بين المدن العربية إلى أن استقر في عُمان، وتزوج منها، وأخذ جنسيتها، وبعد أكثر من عشرين سنة على إقامته فيها، يقول في برنامج "بيت القصيد" : "هناك جملة لـواسيني الأعرج يقول فيها: وطنك هو الذي يُقدِّرك ويمنحك حبّه. عُمان قدّرتني كثيراً، ومنحتني حبّها، وشرّفتني بالجنسية، وصرت جزءاً من نسيجها الثقافي. نحن تشكّلت ذواتنا في أماكن أُخرى، وبنينا علاقات، وأصبحتُ بدلاً من أن أحنّ إلى بغداد أحنّ إلى مسقط، لأنّ لي فيها ذكريات كثيرة، سنوات طويلة".

كان الغزو الأمريكي للعراق 2003 الحرب الوحيدة، التي عاشها الربيعي، وهو خارج العراق، يقول: "كنت في مسقط، فأحسست بالرعب وليس بالأمن، بالرُعب الشديد، لأنني حين كنت في بغداد كانت الطائرات الأميركية تقصف علينا، وكنت أعرف أنّ صاروخاً وقع في المكان الفلاني، لكن عندما كنت في مسقط بعيداً ولا أعرِف أين وقعت، هل وقعت على مدرستي؟ هل وقعت على بيتنا؟ وقعت على المسرح الوطني؟ لا أعرف أين وقعت".

في عام 2013، غادر الشاعر الأردني إسلام سمحان مدينته عمّان، متوجهاً للإقامة والعمل في الصحافة العُمانية، وخلال أشهر كان قد وقع في غرام مسقط، التي سامر بحرها وصاحب نوارسه، حينها كتب نصاً يقول فيه: "مسقط مدينة جميلة كسيدة خجولة... لا أشعر بالغربة هنا، كأنني عشت فيها قبل الآن، تمشيت اليوم في شوارعها، ضحكت مع السكان، تناولت الغداء على أرصفتها، ضعت في سوق مطرح، شربت ماء بحرها ولم أشبع... تحدثت مع شعبها العريق الحضاري، فعجزت أمام لغتهم العظيمة".

بعد خمس سنوات، في عام 2017، سافر صاحب ديوان "هي لا تجلس وحيدة"، من عُمان، تاركاً جزءاً من روحه تهيم فوق مدنها، محتفظاً في غرف الذاكرة بأماكن وشخوص كزوادة من بلد أحبه، وعندما عاد إلى مدينته عمّان، وجلس وحيداً، كتب إلى حبيبته مسقط، قائلاً: "يا إلهي أنا غارق في حب مدينة، أتعشق المدن؟ أليست من حجارة وأسفلت وأرصفة وبناء شاهق! كيف يغرم الواحد في بلاد ويحلم فيها ويبكي على فراقها، ماذا تفعل مسقط الآن، أسأل نفسي، أكتب دون أية اعتبارات لفذلكة اللغة وتقاسيمها، أكتب ما يخطر في بالي... ومسقط الأن كل ما يخطر فيها".

 كانت مقالته الأول في عمود "بصراحة" حول عمان وعنونها بـ " السر الحقيقي في مشكلة عُمان"، ورأى هيكل حينها أن الوجه الآخر للصراع في عمان نزاع النفوذ بين شركات البترول البريطانية والأمريكية

عن ذلك الارتباط الوجداني، يقول الشاعر إسلام سمحان لرصيف22: "وكأنها الأرض التي كنت أبحث عنها في أحلامي، بلاد هادئة، وطبيعة ساحرة، وشعب طيب لا يعرف الضغينة ولا السواد، دولة تسعى للسلام في العالم، بلاد منتجة للكتاب والمثقفين، ولا تجد بين مثقفيها نزعة الاستعراض والتباهي، والكاتب العماني هو كاتب بحق، مثقف حقيقي يقرأ ويجتهد".

ويضيف صاحب ديوان "برشاقة ظل" قائلاً: "إنها بلادي التي الآن أشعر بأني اغتربت عنها، يشدني حنين لم أشعر به من قبل، كأنها حبيبتي، كأنني حبيبها، ولا بد من يوم أن نلتقي مرة أخرى".

"السر الحقيقي"

لم تكن لغة الشعر وحدها التي جمعت الكتاب العرب بعُمان، فتفاعلت العديد من الأسماء الفكرية، وكتبت عن الحروب في عُمان، البلاد التي شهدت عبر تاريخها الكثير من الصراعات الداخلية، وخيم الغيم الأسود طويلاً على سمائها، ومع صعوبة وصول الأخبار، وعدم دقة المعلومات احتار العديد من المؤرخين والمفكرين في حقيقية ما يحدث على أرضها.

عندما تولى المؤرخ والصحفي المصري محمد حسنين هيكل، رئاسة جريدة الأهرام عام 1957، كانت مقالته الأول في عمود "بصراحة" حول عمان وعنونها بـ " السر الحقيقي في مشكلة عُمان"، ورأى هيكل حينها أن الوجه الآخر للصراع في عمان نزاع النفوذ بين شركات البترول البريطانية والأمريكية.

لم تغب الأحداث العمانية عن كتابات الروائية السورية غادة السمان، فكتبت مقالة عام 1965 ضمتها لاحقاً لمجموعة مقالات في كتاب "الجسد حقيبة سفر"، تقول فيها: "تذكرت الشعب العربي في عُمان، وتذكرت مئات الناس الذين يموتون في كل يوم بصمت بعد أن يمنحوا كل ما لديهم ليعيش من يظل حياً من قومهم في ظل الكرامة... تذكرت آلاف الناس يموتون في كل يوم بسبب شيء اسمه (الاستعمار) ، ترى لو عرف الشعب الإنكليزي بما يجري في عُمان، وعلى حقيقته، أي جنازة علنية كان سيقيمها؟ أم أن قلبه كجزيرته، مغلق على ما بداخله، ولا يفجعه الموت إلا إذا تم على أرضه؟".

بالعودة إلى الشعر، ونزار قباني الذي لم تنته رحلته في عُمان بزيارة مسقط، بل امتدت إلى جنوب البلاد، والعاصمة السياحية صلالة، فتجول في شاطئ الحافة، وجلس، وشاهد عن كثب مراكب الصيادين، المهنة الأصلية لسكان عُمان، والتقط الصور مع صديقه محمد الشنفري، ووقف بين أشجار جوز الهند الاستوائية، وربما تحت ظلها خط بقلمه الأسود على الورق الأبيض، كاتباً: "يا أحبائي/ قالوا لي عن صلالة كلاماً جميلاً/ قالوا إنها قصيدة وقالوا إنها قمر/ وقالوا إنها حورية تسبح في مياه بحر العرب/ وأضافوا أن من لا يزورها/ يقرأ نصف القصيدة/ ويرى نصف القمر/ ولأنني لا أؤمن بأنصاف الحلول لا مع المدن ولا النساء/ قررت أن أزوركم في صلالة/ حتى أقرأ القصيدة كاملة/ وأرى القمر بكامل استدارته".

كتب على الشعراء الحب ولا عجب، إذا ما تعددت المدن في قلوبهم، وأصبحت تسبح في دوراتهم الدموية، فللمدن قدرة عجيبة على الاحتضان، ولمسقط الرأس خصوصية، فمهما غسلت أمطار الغربة المرء، ومهما سافر وأحب وبدلها بعشيقات جدد، ولعنها في العلن ستجد المدينة في كل ليلة تتسلل إلى أحلامه، لتكشف عن ذلك الحنين المختبئ بداخله. من الظلم أن نصبغ على بعض المدن صفة القسوة، والجحود فتلك صفات البشر لا المدن. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard