متشددون سنة وشيعة في سباق الإنجاب، ووعود مغرية إزاءه...هل ستشيخ إيران قريباً؟

الأحد 22 مايو 202206:39 م

لم تشهد الذاكرة الإيرانية موقفاً من المرشد الأعلى علي خامنئي كهذا الذي أعلنه قبل سنوات أمام ساسة البلاد في ذم نفسه، حيث طلب الاستغفار لموافقته على سياسة تحديد النسل قبل ذلك بعقود.

الجمهورية الإسلامية التي خططت لتقليص النمو السکاني خلال تسعينيات القرن الماضي، في السنوات العشر الأولى من القرن الجاري أقبلت علی استنزاف سکاني سريع، فغيرت المسار نحو سياسة معاکسة وباتت تروج لكثافة سكانية عالية تطمح بالوصول إلى 150 مليون نسمة، حسب ما دعا إليه خامنئي في إطار السياسات السكانية العامة.

آيات وروايات تتحدث عن ما تشتهيه الدولة

وعلی هذا الأساس تبدلت الشعارات الإيرانية بحسب الظروف من "أبناء أقل، حياة أفضل" (في الفارسية: فرزند کمتر، زندگی بهتر)، إلى شعار "فرزند بیشتر، زندگی شادتر" ما يعني: "أبناء أكثر، حياة أسعد".


وفي كلا القرارين كان الدين سلاح الدولة في إقناع الشعب؛ فتارة تتحدث الروايات عن حقوق المرأة والراحة وجودة الحياة، وتارة أخرى تحث الآيات والروايات الأسرَ على الإنجاب وكثرة نفوس الأمة الإسلامية، كما يقول خامنئي.

واليوم لا تبتعد بلاد فارس سوى ثلاثة عقود عن "مجتمع كهل" في ظل عزوف الجيل الجديد من الزواج، والاقتصاد الهش، وطلب اللجوء إلى الغرب، وقلة المواليد، والإجهاض، والمزيد من حالات الوفيات إثر حوادث السير.


معدل المواليد 1.3 بالمئة

تشير الإحصائيات الصادرة من مركز أبحاث السكان في إيران إلى أن معدل المواليد خلال ثمانينيات القرن الماضي كان 4 بالمئة، لكن العدد تقلص في عام 2020 إلى 1.3 بالمئة.

أكدت وزارة الصحة بدورها علی حدوث ما لا يقلّ عن 400 ألف حالة إجهاض سنوياً في عموم البلاد. أما عن نسبة الشيخوخة فسوف تبلغ 30 بالمئة من نسبة السكان خلال الثلاثة العقود المقبلة.

في كلا القرارين كان الدين سلاح الدولة في إقناع الشعب؛ فتارة تتحدث الروايات عن حقوق المرأة والراحة وجودة الحياة، وتارة أخرى تحث الآيات والروايات الأسرَ على الإنجاب وكثرة نفوس الأمة الإسلامية

دق ناقوس الخطر خبراء معنيون، وحذر منه رجال الدين، فأصبح تعزیز النسل أمام موجة الاستنزاف السريع، فريضةً واجبة تهتم بها السلطات بشتى الطرق القهرية والتشجيعية حتى وإن خالفت حقوق الإنسان، مما أثار حفيظة خبراء وناشطين حقوقيين ومدنيّين عن كيفية التعاطي مع هذه المعضلة البشرية.

متشددون في سباق الإنجاب

زينب في عامها الـ35 تنجب طفلتها الرابعة من زوجها رجل الدين في مدينة قُم، معقل الفكر الشيعي، وتصرح لنا: "إذا اقتضى الأمر في إنجاب أطفال أكثر تلبية لوصايا المرشد الأعلى فلن أمانع".

ففي ظل احتفاظ المدن السنية، كمحافظة بلوشِستان وخُراسان الجنوبية وغيرها من المدن ذات الأغلبية السنيّة، بنسبة خصوبة جيدة، وتراجع المؤشر ذاته في المدن الشيعية، لم تتوقف الماكينة الإعلامية لعلماء الدين الشيعة على حثّ أتباع المذهب في تكاثر النسل، كيلا تتغير الأغلبية الشيعية في دموغرافية البلد في المستقبل.

الأسباب الکامنة في الزيادة السکانية تتعدد ولکن يبدو أن معركة الإنجاب وتزايد المواليد من منظار الدين، قائم بين أتباع المذهب الرسمي (الشيعة) وبين أنصار المذهب السني الذين يشكلون 20 بالمئة من سكان البلد، حسب الزعيم الروحي لأهل السنة في إيران مولوي عبد الحميد.

حظر وسائل منع الحمل

سنّ البرلمان الإيراني الذي يخضع لسيطرة المعسكر المحافظ والمتشدّد دينياً، قانوناً عام 2020 تحت عنوان "تجديد شباب السكان ودعم الأسرة"، والذي یحظی بدعم المرشد ورئيس الجمهورية. ووفقاً لهذا القانون يتم تقديم مزايا مالية وسيارات ومنح أراضٍ ومساعدات للأسر التي تنجب أطفالاً أكثر، إضافة إلى الحدّ من توزيع وسائل منع الحمل في المراكز الصحية وتقييد استفادة النساء من بعض خدمات الرعاية الصحية الإنجابية خشية الإجهاض.

تشير الإحصائيات إلی رغبة 88 بالمئة من أصل 12 مليون أعزب بالزواج، لكن البطالة والسكن والخدمة العسكرية الإلزامية للشباب تقف مانعاً أمام ذلك

حسن رحيمي (اسم مستعار)، موظف في الحرس الثوري، كشف لنا عن إملاء استمارة في مكتب المرشد الأعلى في الحرس الثوري حول أسباب عدم زواجه، كما وتعهد لهم كتابةً بخصوص الإسراع بمهمة البحث عن الزوجة الصالحة، وقال: "أبدى مكتب خامنئي استعداده لمساعدتي في هذا المجال من بين اختيار الفتيات اللواتي يتواصل معهن الحرس".

لكن للرجل رأياً آخر عن أمر الزواج يختلف مع الحرس، فيريد رحيمي مزيداً من الوقت لاختيار شريكة حياته، غير أنه من غير المسموح له الإفصاح بذلك، بل جلّ ما عليه أن يفعله اليوم هو الإسراع في الزواج ما دام موظفاً هناك.

ويبدو أن هناك تعليمات من وزارة الصحة لمراکزها في أنحاء البلد لحث النساء على الإنجاب عبر الاتصال بالأمهات اللاتي لديهن طفل واحد فقط.أشكال الضغط على الزواج المبكر لدى الشباب والفتيات، وزيادة الإنجاب لدى الأسر بات يأخذ منحى آخر، فكشف الناشط المدني علي غُبيشاوي في تويتر، عن اتصال المركز الصحي في المدينة التي يقطنها، بزوجته، وحثها على إنجاب طفل آخر.

12 مليون أعزب

ورغم ممارسة سياسة التشجيع والبروباغاندا الإعلامية، وإقامة عشرات المؤتمرات والملتقيات في هذا المجال، واختصاص ميزانية ضخمة لتقديم المنح والمساعدات للإنجاب إلا أن الحكومة أعلنت عن نسبة تأثير قليلة لهذه السياسة، حيث صرح مجيد أحمدي، أحد المسؤولين في وزارة الصحة أن "تقديم المنح أثر على 22 بالمئة من العوائل المتعففة في زيادة المواليد فحسب".


وتشير الإحصائيات إلی رغبة 88 بالمئة من أصل 12 مليون أعزب في إيران بالزواج، لكن البطالة والسكن والخدمة العسكرية الإلزامية للشباب تقف مانعاً أمام ذلك، مما أخذ رئيس مركز أبحاث السكان، مسعود عالمي نيسي، يطالب بأن تتركز المهمة علی إزالة هذه العقبات، والاهتمام بشؤون اقتصاد البلد ومستقبله، بدلاً من منح قروض ومساندات مالية مؤقتة.

قيودات النظام للحريات الفردية وضياع المستقبل في ظل الصراع الدائم مع الدول الکبری وأزمات اقتصادية لم تتخلص منها الحكومات، أسباب أخری یذکرها المواطن أحمد یزدي لعدم إنجاب طفل آخر

لا يختلف اثنان في أوساط النخب والناشطين علی أهمية تعزيز شبابية السكان، ولكن في طريقة الأداء تتعالی الأصوات بالنقد الحاد. "هناك نقصان في الخصوبة، وزيادة في الوفيات، وموجات الهجرة. من المهم أن تكون خطة حكومية شفافة لاحتواء الأزمة، كتوفير اقتصاد رصين، وفرص عمل مناسبة، وتقديم خدمات تعليم وصحة مقبولة للأجيال، کي تزداد نسبة آمال الأسر بمستقبل واعد لأطفالهم"؛ هکذا أبدی الباحث الاجتماعي عباس عبدي، رأیه واعتبر حذف خدمة فحص سلامة الجنين التي كانت تقدَّم للحوامل بالمجان في المراكز الصحية، علی غرار قانون البرلمان الجديد، أمراً يخالف حقوق الطفل والأسرة.

10 ملايين تحت خط الفقر المدقع

أما الناشط والصحفي، مهرداد خدير، أكد أن أحد أهم أسباب هجرة الإيرانيين هو تعليم أبنائهم، وهذا يشكل هاجساً لدی معظم الإيرانيين، ما يعني أن علی الحكومة توفير البيئة اللازمة لمستقبل الشعب بدل التوظيف علی أساس الالتزام بمبادئ الثورة، وحرمان جزء مهم من الشعب من الوصول إلی المناصب، ثم أن تقوم الجامعات علی أساس العلم لا الأيديولوجيات.

قيودات النظام للحريات الفردية، وضياع المستقبل في ظل الصراع الدائم مع الدول الکبری، وأزمات اقتصادية لم تتخلص منها الحكومات، أسباب أخری یذکرها المواطن أحمد یزدي، لعدم إنجاب طفل آخر.

ما يهم السلطات الإيرانية هو النمو السکاني مهما کلف الثمن، ولکن ما یؤکد عليه الآکاديميون والخبراء هو نمو سکاني طبيعي دون تدخل مباشر من الحکومة بالأمر، وذلك من أجل درء المخاطر الاقتصادية المترتبة على الزيادة السكانية في ظل الاقتصاد الذي يعاني في أساسه من تدهور وتراجع النمو، حيث يعيش نحو 10 ملايين إيراني من أصل 85 مليون نسمة تحت خط الفقر المدقع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard