المعكرونة تفاجئ الإيرانيين... هل ‏سينزل الشعب للشوارع من جديد؟

السبت 7 مايو 202206:00 م

يمر قطار الغلاء في إيران بقيادة حكومة المحافظين بسرعة دون توقف، ‏على مدى 48 يوماً من بداية العام الإيراني الجديد حتى الآن. وقد توقع الشعب الإيراني ‏أنه سيواجه عاماً تنهار فيه قدرته الشرائية، وترتفع الضريبة القاسية ‏على جيبه المرهق، لكنه لم يمر يوماً إلا وفوجئ بزيادات في ‏الأسعار‎.‎‏ ‏

ومع حلول عيد الفطر، جاءت المفاجأة بزيادة أسعار المعكرونة بنسبة ‏‏200 بالمئة. فبعد غلاء في قطاع السكن والسيارات وارتفاع حكومي ‏لأسعار شبكة الإنترنت، كانت زيادة سعر المعكرونة أشبه بالعاصفة التي ‏حيرت الجميع، خاصة وأن الأمر جاء بمصادقة من جمعية حماية ‏المستهلك والمنتج في البلاد!

‏8 آلاف بضاعة إيرانية في دوامة الغلاء

ليس السباغيتي والمعكرونة فحسب، بل يبدو أن الحكومة الإيرانية قادمة على زيادة أسعار نحو 8 ‏آلاف من البضائع بنسبة 40 بالمئة، تزامناً مع بدء ثاني أشهر العام ‏الإيراني (أبريل/مايو)، ولكن يبدو أن الأسعار لم تتوقف عند حدودها ‏الحكومية، بل ذهبت بطريقها الحر دون رقابة، كما حال المعكرونة‎.‎‏ 

ومع أزمة المعكرونة التي أوعز أصحاب المصانع ارتفاع أسعارها نتيجة ‏توقف دعم أسعار القمح الحكومية، برزت أنباء عن زيادة أسعار الخبز ‏العصري والكعك بنسبة تزيد عن 30 بالمئة، بينما تبدو الأسعار متواصلة في الارتفاع ‏في ظل عدم تزويد المخابز العصرية بالدقيّق المدعوم حكومياً‎.‎‏

رغيف الخبز یطلب القفز دون إذن الحكومة

يتجه الزيت والمعكرونة والخبز العصري على رفوف المتاجر الإيرانية ‏نحو نقصان حاد أو أسعار خيالية بلا أي رقابة صارمة، مما جعل ‏المواطنين يستشعرون أن ما يحدث في الأسواق فاق توقعاتهم المسبقة، وعليهم ‏الاستعداد للغوص في المزيد من عمق الأزمة الذي لا يعرف أحد ‏حدودها‎.‎

مع حلول عيد الفطر، جاءت المفاجأة بزيادة أسعار المعكرونة بنسبة ‏‏200 بالمئة. فبعد غلاء في قطاع السكن والسيارات وارتفاع حكومي ‏لأسعار شبكة الإنترنت، كانت زيادة سعر المعكرونة أشبه بالعاصفة التي ‏حيرت الجميع

رغيف الخبز هو الآخر استعد لرفع ثمن شرائه علی قرار غلاء القمح في ‏البلاد. ووفق تصريح رئيس اتحاد المخابز في العاصمة طهران، بيجن ‏نوروزي ‌مقدم، إن "إنتاج الخبز لا يعتمد على القمح فحسب، فهناك ‏مصاريف عديدة أخرى تشهد زيادة وارتفاعاً منذ سنوات، كالكهرباء ‏ورواتب العمال، ومصاريف استيجار المحلات، ومتطلبات المنتوج في حد ‏ذاته كالملح والماء والخميرة وغيرها".‏

أنصار الحكومة يشعلون منصات التواصل بالنقد اللاذع ‏

أما السلطات الإيرانية فعلى عادتها في الأعوام الماضية، نفذت سياستها، ‏ثم أتت تشرح خطتها للشعب، حيث لم تستفد من تجربة عام 2019 ‏عندما رفعت الحكومة سعر البنزين دون توجيه المواطنين قبلها، فنزل ‏الشعب بغضبه رافضاً تلك الإجراءات، أو انتفاضة البيض عام 2016 ‏الذي ضربت المدن خلالها احتجاجات شعبية ضد قرار ارتفاع أسعار البيض ‏والنقصان الحاد في المتاجر.‏

وارتفعت هذه المرة أيضاً أصوات المنتقدين لهذه السياسة الخاطئة، وتعالت ‏إنذارات الخبراء والمعنيين من امتداد ابتعاد صفوف الشعب عن نظام ‏الثورة الإسلامية، خاصة بين صفوف أنصارها، وتأجيج أزمة ‏الاحتجاجات التي طالت البلاد منذ فترة حول الرواتب بين أصناف ‏المجتمع. أما الفارق هنا فهو أن هذه الأصوات الناقدة لم تأت من المعارضة ‏الداخلية أو الخارجية، بل من داخل صفوف الحكومة وإعلامها الرسمي، ‏فالمعكرونة فاجأت الکل.

وقد نشرت اليوم صحيفة "جمهوري إسلامي" الأصولية مقالاً يخاطب رئيس الجمهورية الإيرانية إبراهيم رئيسي، يطالبه بالانسحاب طالما أنه فشل في تدبّر أمور البلد. وجاء في هذا المقال: الآن وبعد أن اتضح أنه لا يمكنك حل المشاكل ، تنحى بشجاعة واترك العمل لأصحاب المهارة لإنقاذ الشعب والبلد من هذه الدوامة الخطيرة".

حجب الإنترنت تحسباً لاحتجاجات شعبية جديدة

تم في بعض المدن الإيرانية حجب شبكة الإنترنت تحسباً لأي احتجاجات ‏شعبية ضد الغلاء الذي أثقل كاهل المواطنين، حيث توالت في الأيام الأخيرة ‏بيانات منددةٌ بالوضع المعيشي ومطالبةٌ الشعبَ بالنزول للشوارع والتنديد ‏بخطط الحكومة الاقتصادية التي لم تصب في صالح المواطنين. ‏

ولم يسلم التيار المحافظ المسيطر على مفاصل الدولة، وحكومة إبراهيم رئيسي ‏التي تتمتع بأعلى نسب الدعم من مكتب المرشد الأعلى إلى صفوف ‏العسكر وديوان القضاء وقبة البرلمان، من نقد محبيها وحلفائها ‏حول ضرورة تبيين أي سياسة حكومية وإقناع الشعب والإنصات إلی ‏آرائه قبل بدء الخطط الاقتصادية التي تستهدف جيوب المواطنين مباشرة. ‏

وبعثت قوات "بسيج الطلاب" رسالة إلى الرئيس الإيراني، حذرت فيها من عواقب اجتماعية واحتجاجات على خلفية ‏الزيادة المفاجئة في أسعار المواد الغذائية، وأكدت إن "المجتمع ليس مستعدًا لمثل هذه الزيادة المفاجئة ‏في الأسعار والرأي العام لم يتلق استجابة مقنعة تفسر هذه الزيادة"‏.

وقال عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجيد أنصاري: "إذا لم يتم تحديد سبب ارتفاع ‏الأسعار بدقة فسينتقل بشكل متسلسل إلى قطاعات أخرى وسیسحق ظهر المواطنين وخاصة ‏الشرائح الضعيفة من المجتمع تحت عبء هذا الغلاء".

السلطات تنفذ السياسات ثم تبرر للشعب

بعد توسعة رقعة الانتقادات في مواقع التواصل الاجتماعي من تصرفات ‏الحكومة في الأسواق وزيادة أسعار البضائع الأساسية للمواطنين دون ‏شرح مسبق أو تهيئة الأجواء العامة، بادرت الحكومة بخطاباتها الموجهة ‏للشعب عن أسباب غلاء الدقيق.‏

وتهريب نحو 250 ألف طن من القمح في العام الماضي وتصدير 250 ‏ألف طن من منتجات القمح، إلى جانب رمي 20 بالمئة من إنتاج الخبز ‏سنوياً، والذي يزيد ما مقداره 10 ملايين طن؛  وغيرها ‏كنقص في إنتاج القمح والحرب الروسية الأوكرانية، هي أسباب رفع ‏أسعار القمح في البلاد، حسب إحصائيات الإعلام الحكومي‎.‎

تنفيذ تجريبي لخطة رغيف الخبز ‏

واعلنت وزارة الاقتصاد بدورها عن خطتها في استمرار الدعم الحكومي ‏من رغيف الخبز حتى نهاية العام، مؤكدةً أن الطريقة ستتحول من اختصاص ‏قمح بأسعار حكومية لمصانع الدقيق إلى تزويد المخابز مباشرة بالدقيق ‏المدعم حكومياً، وفق إحصاء كمية بيع رغيف الخبز إلكترونياً، مما يعني ‏أن رغيف الخبز سوف يشهد أسعاراً جديدة لكن‎ ‎السلطة ستدفع الفارق ‏لأصحاب المخابز حتی نهاية العام الإيراني (20 آذار/مارس ‏‏2023).

ها هي حكومة المحافظين تجرب حظوظها في اختبار ‏الاقتصاد دون الاتكاء على السياسة والأسواق التجارية الحرة، أحد أبرز ‏شعاراتها الانتخابية التي رفعته في وجه خصومها. فهل تنجح بتمرير ‏مشاريعها أم ستواجه تجربة احتجاجات 2019 و2016؟ 

ولتنفيذ هذه الخطة اتخذت الحكومة من محافظة زنجان في شمال غربي ‏البلاد، موقعاً لبدئها تجريبياً عبر إلزام المخابز التقليدية ببيع الخبز وفق ‏أجهزة نقاط البيع المصرفي حصرياً، كي تتمكن وزارتا الزراعة ‏والصناعة من الإشراف على كمية الدقيق المطلوب لكل مخبز. ‏

توزيع بطاقة الخبز ‏

ومن شأنها أن تساعد هذه الخطة بالحد من تهريب القمح إلى خارج البلاد ‏وإسراف الدقيق من قبل المخابز أو المواطنين. وكما أعلنت وزارة الاقتصاد ‏لا تشمل الخطة المخابز العصرية وإعداد خبز الباغيت والكعك ‏والبسكويت والمعكرونة، مما يعني رفع الدعم الحكومي من دقيق هذه ‏المصانع والمخابز، فارتفاع أسعار هذه البضائع بات أمراً محتوماً علی ‏الشعب.‏

وفور نجاح التجربة في محافظة زنجان سوف تعمّم هذه الخطة في أرجاء ‏البلاد، كما عجت مواقع التواصل الاجتماعي بأنباء عن اصدار "بطاقة ‏الخبز" للمواطنين دون مزيد من التفاصيل حكومياً.‏

إيران بين فشل العودة للاتفاق النووي والتراجع من الاکتفاء الذاتي ‏لإنتاج القمح

وفي ظل عدم الاتفاق للعودة إلى الاتفاق النووي، واستمرار مئات من ‏العقوبات الأمريكية على طهران، وزيادة التضخم، وتقلیص الناتج المحلي ‏الإجمالي، وانشغال إيران ببرنامجها الصاروخي، ودعم حلفائها في المنطقة، ‏وتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي، سيكون القادم علی المواطنين الإيرانيين ‏أصعب بكثير مما عليه الآن‎.‎

وعن القمح فكانت قد أعلنت إيران في السنوات الماضية عن الوصول إلی ‏الاکتفاء الذاتي وإنتاج مایزید عن 14 مليون طن من القمح، لكن‎ ‎‏ سوء ‏الإدارة وشراء القمح من المزارعين بأسعار زهيدة، إضافة إلی الجفاف ‏واستهلاك‎ ‎القمح في قطاعات صناعية أخری، قلص الإنتاج إلی نحو 5 ‏ملايين طن سنوياً، مما أجبر وزارة الزراعة علی استيراد 6 ملايين طن ‏من القمح الروسي وغیره، وفق رئيس جمعية الصناعات الغذائية ‏الإيرانية، محمد رضا مرتضوي. ‏

وبعد فشلها في الاختبار السياسي المتمثل بالعودة للاتفاق النووي خلال 8 ‏أشهر من بداية مهامها، ها هي حكومة المحافظين تجرب حظوظها في اختبار ‏الاقتصاد دون الاتكاء على السياسة والأسواق التجارية الحرة، أحد أبرز ‏شعاراتها الانتخابية التي رفعته في وجه خصومها. فهل تنجح بتمرير ‏مشاريعها أم ستواجه تجربة احتجاجات 2019 و2016؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard