"برحمة حبايبك مشيلي الورقة"... طوابير لامتناهية أمام القنصليّة السورية في اسطنبول

الثلاثاء 24 مايو 202210:35 ص

شارع طويل، على أحد جانبيه مبنى من عدة طوابق. في الطابق الثالث قنصلية النظام السوري في اسطنبول. يمكنك بسهولة معرفة مكانها لدى وصولك، ليس من خلال العلم المرفوع ولا من خلال أي علامة مميزة أخرى، بل من طابور طويل من السوريين المنتظرين ساعات، على اختلاف خلفياتهم الثقافية والدينية والمذهبية والاجتماعية والمادية. حالة نادرة من المساواة السورية لم تشهدها البلاد خلال خمسين عاماً  باستثناء أصحاب الملايين القابعين في قصورهم في اسطنبول ومن شابههم.  

من البديهي أن ينتظر المراجعون طويلاً ليأتي دور كل منهم. وذلك بهدف استخراج أوراق رسمية مفروضة عليهم باعتبارهم مصابين بلعنة "أن تكون سورياً"، سواء داخل سوريا أو خارجها. إنّ المتمعن في أحوال السوريين في تركيا والبلاد المجاورة لسوريا إضافةً إلى داخل المدن السورية نفسها، يدرك أن حالة الانتظار لا تتعلق بورقة رسمية فقط، بل بأمل غائب وموجع! 

إنّ المتمعن في أحوال السوريين في تركيا والبلاد المجاورة لسوريا إضافةً إلى داخل المدن السورية نفسها، يدرك أن حالة الانتظار لا تتعلق بورقة رسمية فقط، بل بأمل غائب وموجع!

اضطرتني الإجراءات الإدارية الخاصة بتجديد إقامتي في تركيا لزيارة القنصلية بعد غياب عامين تقريباً من آخر زيارة إليها. وقفت في الطابور أراقب وجوه الناس، لا يوجد أي داعٍ للتلصص والاستماع إلى أحاديثهم الشخصية، فهي ذاتها تسمعها في أي مكان من أفواه السوريين في تركيا والأردن ولبنان وبلاد أخرى. ونظرات التعب والحزن والألم هي ذاتها كذلك. ويكفي ببساطة أن تنظر في عيني رجل سبعيني يقف ساعة كاملة على الأقل في انتظار دوره لفهم ما يجري. 

 لكنني لاحظت أنّ السؤال الأبرز الذي يطرحه السوريون أمام أبواب القنصلية هو: "كيف ينظرون إلينا الأتراك والأجانب أثناء وقوفنا هنا؟ كيف لا يفهمون هذا الذُلّ الذي نتعرض له؟"  

إنّ فكرة تعمّد القنصلية السورية في اسطنبول إذلال مراجعيها ليست جديدة، ولو قلّت قليلاً لأسباب سياسية بحتة. إذ كان حراس المبنى السابقون، أي المسؤولون عن إدخال المراجعين، يتعاملون مع المراجعين بمنتهى القسوة واللؤم. وقد كان التعالي السمة الأساسية للموظفين في مكتب القنصلية نفسها. ولا أعلم إذا كان النظام قد أصدر أوامره بتخفيف هذه الحدة طمعاً باللعب على وتر العاطفة لدى المستضعفين تحت شعار "عودوا فنحن بانتظاركم"، وخاصةً مع التوجه العالمي الواضح للتخلص من اللاجئين السوريين. فتغيَّر الحرّاس وعيّنوا مكانهم شخصاً لطيفاً. والموظف المسؤول عن تصديق الأوراق الرسمية يبتسم في وجوه المراجعين ويمزح معهم، ولعلّني أستعير هنا مصطلحات أجدادنا: "لعمري أن هذا الأمر لضرب من ضروب الخيال!".  

وكما تعلمون، فإنني، كسوري حلّت عليه لعنة لا يعرف سببها ولا مصدرها، فلا بلد يستقبلني، بما في ذلك فرنسا - بلد الحريات والصحافة...

بكل الأحوال، فإنّ حالة الانتظار لا تتعلق فقط بورقة رسمية من القنصلية أو الوقوف في صف طويل يظن من يدخله أنه دخل "الثقب الأسود" دون مجال للهروب أو الخروج، بل تتعلق بالحالة نفسها، والمرتبطة بآلاف التفاصيل اليومية. تتعلق بالأمل. 

عندما صعدت إلى الأعلى، كانت أمامي صبية في العشرين من عمرها، ترتجف خوفاً، وأنا هنا لا أبالغ. أكلَها الارتباك والتوتر والخوف بمجرد أن فكرتْ أن الموظف المبتسم أمامها قد يرفض طلبها لأي سبب كان. 

هذا الخوف ليس ناتجاً عن معرفتها المسبقة بالنظام ودوائر الدولة في سوريا وتعقيدات الأوراق الرسمية والبيروقراطية والروتين فقط، بل لأن كلمة "لا" من الموظف ستنسف أحلامها كاملة في تركيا، وهو ختم واحد، بضع قطرات من الحبر على ورقة تؤكد هويتها.  

وقفت "الصبية" أمام الشبّاك وهي ترتجف. وحاولت الابتسام في وجه الموظف وقدّمت له الأوراق. نظر إليها قليلاً وطلب منها أي إثبات آخر لهويتها، أي بطاقة الهوية السورية، جواز سفر... إلخ. وبعدما أخبرته أنها لا تملك أي ورقة أخرى، سألها: "كيف أتأكد أنك الصبية نفسها؟" 

أجابت بعفوية مع ابتسامة مرتبكة: "والله العظيم أنا يا أستاذ!". 

وتابعت قبل أن يجيبها: "أنا صايمة ما رح احلف كذب، برحمة حبايبك مشيلي الورقة". وسرعان ما انفجر الموظف ضحكاً.

عندما صعدت إلى الأعلى، كانت أمامي صبية في العشرين من عمرها، ترتجف خوفاً، وأنا هنا لا أبالغ. أكلَها الارتباك والتوتر والخوف بمجرد أن فكرتْ أن الموظف المبتسم أمامها قد يرفض طلبها لأي سبب كان

الغريب أنّ الموظف وافق على منحها ما تريد بعد أن تأكد من صحة "حلفانها" بسبب حفظها للمعلومات المذكورة في الورقة، لتتنفس الصعداء وهي تكاد تنفجر. ولولا أنّ "حلفاني الشخصي" لن يقدّم أو يؤخر في تأكيد صحة الواقعة، لأقسمت أنني، كما غيري، سمعت دقات قلبها وهو يكاد ينفجر من فرط الخوف والتوتر. 

أيّ لعنة تلك التي فُرضت على السوريين وأوصلتهم لمرحلة التعرض لخطر الأزمة القلبية أو هبوط الدورة الدموية أو الجلطة الدماغية لمجرد حصولهم على ورقة من واجب دولتهم منحهم إياها وتسهيل أمورهم؟ هل أخفى المؤرخون والعارفون ببواطن الأمور والأساطير عن الجمهور العام ارتكاب أجدادنا خطيئة ما فحلّت علينا اللعنة؟ لا أعلم! 

خرجتُ من القنصلية أركض كما غيري، في منظر أشبه بالماراثون باتجاه دائرة الهجرة التركية لتسليم الأوراق الناقصة في موعدها، لأن عواقب عدم تسليمها يعني إلغاء إقامتي. وبالتالي، سيُطلب مني مغادرة البلاد. وكما تعلمون، فإنني، كسوري حلّت عليه لعنة لا يعرف سببها ولا مصدرها، فلا بلد يستقبلني، بما في ذلك فرنسا - بلد الحريات والصحافة... من الصفات المكررة والتي لا تساوي سوى الحبر المُسال على الورق. 

لكنّنا في النهاية، ولسبب ما، أحياء، ونعرف الحقيقة. نعرف، كسوريين، لمَ وصلنا إلى ما وصلنا إليه ومن هم المسؤولون عنه. نعرفهم جميعاً بأسمائهم وصفاتهم وأموالهم وتسلقهم على الأكتاف

يتكرر هذا الطابور أمام القنصلية، كما تتكرر قصة "الصبية" آلاف المرات داخل سوريا وخارجها. ويتكرر كذلك في بلدان العالم الذي يضيق بالسوريين. وجميعنا بانتظار أمل ما، وحل ما، لا نعرف ما هو ولا شكله ولا كيف ولا من أين سيأتي. ولكننا نعيش تعبنا اليومي المتخم بتفاصيل الخوف والتوتر من كل شيء وتجاه كل شيء.

ولكنّنا في النهاية، ولسبب ما، أحياء، ونعرف الحقيقة. نعرف، كسوريين، لمَ وصلنا إلى ما وصلنا إليه ومن هم المسؤولون عنه. نعرفهم جميعاً بأسمائهم وصفاتهم وأموالهم وتسلقهم على الأكتاف. ينقصنا فقط أن نعرف الحل ومحاسبتهم حتى تنتهي مسرحية يمكن أن يُطلق عليها ببساطة اسم: "مأساة سوري تعب من الانتظار". وحتى الوصول إلى هذه النهاية وحل المشكلة، سنبقى واقفين في طابور الانتظار الطويل. وكلّما تأخرنا في العمل لحل ينهي مأساتنا بأيدينا، سنبقى واقفين. وبدلاً من أن يسير الطابور إلى الأمام، سنستمر بالعودة إلى الوراء ما دمنا ننتظر نتائج اجتماعات منظمات دولية وسياسيين يأكلون من لحمنا. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard