"أبو وسيم" والعناصر... "جيش الصين الإلكتروني" في العالم العربي

الجمعة 20 مايو 202203:36 م

في الآونة الأخيرة، نشط بشكل لافت صحافيون وإعلاميون صينيون ناطقون باللغة العربية على مواقع التواصل الاجتماعي، في جهد يبدو وكأنه منسَّق بهدف الترويج للصين في مختلف المجالات، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الفنية وحتى الدينية والعسكرية.

وتركّز تدويناتهم وروايتهم على نفي وجود انتهاكات في منطقة شينجيانغ، حيث تقول منظمات حقوقية إن الصين احتجزت ما لا يقل عن مليون مسلم رغماً عنهم، ووصفوا المزاعم بأنها "أكاذيب ملفقة من قبل الولايات المتحدة والغرب".

وقال باحثون إن الصينيين يعملون على جمع بيانات ومعرفة السلوك الاستهلاكي الاقتصادي للمواطن العربي، فضلاً عن التوجيه السياسي، وليس مجرد حملات لتحسين الصورة أو مواجهة الدعاية الغربية.

نشط بشكل لافت صحافيون وإعلاميون صينيون ناطقون باللغة العربية على مواقع التواصل الاجتماعي، في جهد يبدو وكأنه منسَّق بهدف الترويج للصين في مختلف المجالات

"القائد" ورفاقه

فيما تظل شبكات التواصل الاجتماعي، مثل تويتر و فيسبوك، محظورةً في الصين، يركّز الصينيون على هذه الشبكات نفسها لنشر المعلومات في الخارج. بداية الخيط هو دبلوماسي في السفارة الصينية في العاصمة اللبنانية بيروت، اختار لنفسه لقباً عربياً وهو "أبو وسيم"، وقد وفّر الكثير من الجهد في البحث إذ وضع أبرز حسابات هؤلاء الإعلاميين في تغريدة واحدة ودعا الجمهور العربي إلى متابعتهم.

لطالما غرّد أبو وسيم بصور لممثلات أو جنديات في الجيش من قومية الإيغور المسلمة، لنفي فكرة اضطهادهم، كذلك نفي هدم المساجد للمسلمين في الصين. في مقدمة هؤلاء الإعلاميين، شخص يُدعى لي قانغ، وهو معلّق سياسي يتحدث باللغة العربية بطلاقة، ونشر العديد من الفيديوهات في الفترة الأخيرة للهجوم على الولايات المتحدة، لكن اللافت أنه نشر مقطعاً بعنوان: "ما السبب الرئيسي المؤدي إلى تهميش القضية الفلسطينية؟".

أُنشئ حساب لي في عام 2020، ولديه 12 ألف متابع على تويتر، ويقدّم نفسه كإعلامي ومؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقول إنه مقيم في العاصمة الصينية بكين.

الشخص الثاني البارز بين هؤلاء، يحمل اسماً عربياً وهو إلهام لي، ويقدّم نفسه كإعلامي صيني مقيم في الرياض مهتم بالشؤون الخليجية والعربية، وتم إنشاء حسابه في 2021، ولديه حتى الآن حوالي خمسة آلاف متابع ويضع صورته مع وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، كغلاف لحسابه، وينشط بالاسم نفسه في المحطات الفضائية العربية للتعليق على الأحداث التي ترتبط بالصين.

يبدو أبو وسيم وكأنه المسؤول عن الترويج للحسابات التي تروّج للصين في العالم العربي وتحاول نفي التقارير التي تتحدث عن قمعهم للمسلمين في بلادهم فضلاً عن الحديث عن تطور الصين في المجالات كافة

الشخصية الثالثة هي سيدة صينية اختارت لنفسها اسم فيحاء وانغ شين، وتقدّم نفسها على حساباتها كإعلامية مقيمة في بكين. تمتلك فيحاء مليون متابع على فيسبوك الذي يصنفها كحساب يقع تحت سيطرة الدولة الصينية. وتم انشاء حساب فيحاء على تويتر في عام 2020، ولديها أكثر من أربعة آلاف متابع.

‏أما الشخصية الرابعة، فهي شياو ران وانغ الذي يقدّم نفسه كإعلامي صيني، وأنشأ حسابه على تويتر باسم "باسم وانغ" في 2019، ولديه أكثر من ألفي متابع. والحساب الخامس يعود لشخص يحمل اسم "وديان في الشرق الأوسط" وتم إنشاؤه في 2022، ولديه أكثر من ألف متابع.

وتحمل الشخصية السادسة اسم فاتن دونغ، وتقول عن نفسها إنها صحافية صينية مهتمة بالأخبار الصينية والعربية، وتم إنشاء حسابها على تويتر في 2022، ولديها أكثر من ألفي متابع.

العنصر السابع، موي ديما، وهي إعلامية صينية تركز على المجتمع الصيني والثقافة الصينية والتعاون بين الصين والدول العربية، وتم إنشاء حسابها على تويتر في 2021. أما الثامن فهو زهو شوان (Zhou Xuan)، ويقدّم نفسه كصحافي وخبير في الشؤون الدولية، ويعمل في مجموعة الصين للإعلام. وتم إنشاء حسابه في عام 2011، وهو الوحيد الذي يظهر أن حسابه قديم.

قوّة ناعمة

ترتكز أهداف هؤلاء الإعلاميين في الدفاع عن الصين ضد السياسة الأمريكية، سواء في ما يتعلق باضطهاد المسلمين الإيغور أو تايوان أو حتى مسألة الديمقراطية وتعامل واشنطن مع القضايا الدولية، ويساهمون بقدر كبير في نشر الموجة الثقافية الصينية، عبر فيديوهات عن مهارات صينيين في الفن والغناء والتمثيل والرسم والنحت، وكرة القدم وحتى في الطهي، وحضور الدين الإسلامي في بلادهم.

ينشط إلهام لي، الذي يقيم في السعودية، كمحلل سياسي، متخصص في التحليل لصالح بلاده، أو في مهاجمة سياسات الولايات المتحدة الأمريكية.

في 11 أيار/ مايو الحالي، نشر لي قانغ في تغريدة قصيدةً أمر أحد حكام الصين قديماً بكتابتها في مدح النبي محمد (ص)، الذي وصفه الإعلامي الصيني بـ"خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وسلم". يصف لي، أيضاً، إسرائيل بأنها دولة احتلال، وعدّ جريمة اغتيال الصحافية في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، جريمةً وحشيةً. وغرّد قائلاً: "لن تنجحوا في إسكات الصوت الداعم لفلسطين. قتلتم شيرين ستنهض ألف شيرين جديدة".

يغرد قانغ أيضاً في الكثير من الأوقات مخاطباً وسائل الإعلام العربية، ويقوم بتصحيح عناوينها الصحافية حول تايوان. كتب مخاطباً أحد المواقع الناطقة العربية: "قل إعادة التوحيد أو استعادة تايوان، مش ‘ضم’ لو تعرفون شيئاً من التاريخ الصيني والشكر".

في الجانب السياسي والاقتصاد، ينشط إلهام لي، الذي يقيم في السعودية، كمحلل سياسي، متخصص في التحليل لصالح بلاده، أو في مهاجمة سياسات الولايات المتحدة الأمريكية.

وغرد إلهام في 24 شباط/ فبراير الماضي، مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، قائلاً: "تعرّضت أوكرانيا للخيانة. فمن خانها؟ من الذي ظل يقول إنه سيدعم أوكرانيا بشكل كامل؟ من الذي ظل يقول إنه سيوفر حمايةً أمنيةً لأوكرانيا؟ من الذي كان يدفع أوكرانيا إلى المواجهة المباشرة مع روسيا؟ هذه الدروس من اللازم أن تتعلم جميع دول العالم منها".

وتنشط فاتن دونغ، في التسويق للمشاريع الضخمة والتطورات التكنولوجية داخل الصين، كذلك الترويج للمشاريع التي يجري بناؤها في دول الشرق الأوسط، على سبيل المثال نشرت تغريدةً في 2 أيار/ مايو الحالي، عن "مشروع أعمال بناء المعهد الوطني اللبناني العالي للموسيقى".

كذلك، نشرت فاتن تغريدات عدة في نيسان/ أبريل الماضي، عن مشاريع في الدول العربية كالأعمال الإنشائية الصينية لمجمع التبريد اللوجستي وحفظ اللقاحات والأمصال بـ"فاكسيرا" في مصر، كذلك إنشاء محطة جديدة في مطار الجزائر.

وتركز فيحاء على الأمور الثقافية وإبراز جمال الطبيعة في الصين، لكن من بين تغريداتها هناك تدوينات سياسية من حين إلى آخر. ويظهر من مواقع التواصل الاجتماعي أنها تركز على شمال إفريقيا وخاصةً مصر التي تقول إنها بلدها الثاني. وتشارك بتعليقات في وسائل الإعلام المصرية، وتحرص في كل يوم جمعة على نشر فيديو أو تغريدة تحت عنوان "جمعة مباركة".

من جهته، يصف وانغ شياو رنغ، تغريداته بأنها نافذة للعرب على الصين، إذ يركز على الاقتصاد والزراعة والصناعة وعلوم الفضاء في الصين، لكن من بين تدويناته تركيزاً على الترويج للجيش الصيني ومناوراته وأسلحته.

إستراتيجية الصين

تناولت تقارير صحافية غربية عدة أن الحكومة الصينية أطلقت العنان لحملة عالمية على الإنترنت، والعالم العربي جزء منها، لتلميع صورتها وتقويض الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان. وتركز في حملتها العالمية على تشكيل روايات إيجابية عنها خاصةً حول دورها في الاقتصاد، لا سيما في البلدان المرتبطة مباشرةً بمشاريع البنى التحتية، مثل مبادرة الحزام والطريق.

في تقرير في صحيفة الغارديان البريطانية، كتبت الصحافيتان لويزا ليم وجوليا بيرجين في عام 2018، عن حملة الصين العالمية: "إنه صراع أيديولوجي وسياسي، حيث تصمم الصين على محاربة ما تعتبره عقوداً من إمبريالية وسائل الإعلام الغربية من دون منازع".

وأنفقت الصين نحو 6.6 مليارات دولار أمريكي منذ عام 2009، في تعزيز حضورها الإعلامي العالمي. وتجري بانتظام برامج تبادل للصحافيين الأجانب من دول عدة، وتنظم تدريباً للصحافيين في المدن الصينية، وتعقد مناقشات منتظمةً مع الصحافيين الأجانب ونقابات الإعلام الصينية.

أنفقت الصين نحو 6.6 مليارات دولار أمريكي منذ عام 2009، في تعزيز حضورها الإعلامي العالمي. وتجري بانتظام برامج تبادل للصحافيين الأجانب من دول عدة

توفر الصين لهؤلاء الإعلاميين كما يظهر في حسابات الناطقين بالعربية، حصولهم على محتوى إعلامي حكومي مجاناً وعالي الجودة، وملاحق كاملة في الصحف الأجنبية المرموقة، وإطلاق اتفاقيات تعاون ثنائية مع وسائل الإعلام المحلية.

في عام 2017، زارت مسؤولة صينية مصر، وبحثت مع المسؤولين تطبيق نظام لتبادل المعلومات بين وسائل إعلام البلدين، والتعاون في مجال تبادل المواد الفيلمية السينمائية والتلفزيونية، ودعت إلى انضمام الجانب المصرى إلى اتحاد "الحزام والطريق". وفي 2018، وقّعت مديرية البرامج والإنتاج في "تلفزيون لبنان"، اتفاقية تعاون بين "تلفزيون لبنان" والتلفزيون الصيني بعنوان "شهر الأفلام الصينية" في لبنان لعام 2018.

الضبط والمراقبة

تقول أستاذة العلوم السياسية والباحثة المتخصصة في الشؤون السياسية الصينية والآسيوية، نادية حلمي، إن "الصين نجحت في بناء بنية تحتية رقمية واسعة تسمح لها بضبط كافة المنصات الاجتماعية ومراقبتها، وعرض وجهات النظر الرسمية للدولة الصينية وحزبها الشيوعي الحاكم".

وتضيف في حديثها إلى رصيف22: "تعتمد وسائل الدعاية الصينية الرسمية الإلكترونية الجديدة على برامج متطورة، وفقاً لوثائق مشتريات الحكومة الصينية، وتسمح هذه البرامج للسلطات الصينية بإجراء بحوث متقدمة حول السجلات العامة والبيانات المتعلقة بكافة المعلومات الشخصية عن المستهدفين وأماكن تواجدهم".

وتمثل الدعاية الصينية الرقمية جزءاً من حملة بكين الواسعة لمواجهة الصور السلبية عنها، كما نجح برنامج الإعلام الحكومي الصيني في إنشاء قاعدة بيانات للصحافيين والأكاديميين الأجانب عبر موقعَي تويتر وفيسبوك للتواصل الاجتماعي عالمياً وعرض وجهات النظر الصينية، وفقاً للباحثة.

تستعين السلطات الصينية بأكثر من 200 مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي عالمياً، للترويج لها بأكثر من 40 لغةً مختلفةً، يتبعهم أكثر من 60 مليون شخص للترويج للسياحة والثقافة ومواقف الحكومة الصينية المختلفة

تشير حلمي إلى "وجود ما يعادل أكثر من 500 حساب رسمي على شبكات التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر مرتبطة بالدبلوماسيين الصينيين في 120 دولةً، مكلفة بإعادة التغريد والنشر أو الإعجاب بمنشوراتهم عن طريقها أو من خلال متابعين آخرين، مما يؤدى في النهاية إلى نشر وجهة نظر بكين والتعبير عنها عالمياً في كافة القضايا".

وبحسب الأكاديمية المصرية، "تستعين السلطات الصينية بأكثر من 200 مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي عالمياً، للترويج لها بأكثر من 40 لغةً مختلفةً، يتبعهم أكثر من 60 مليون شخص للترويج للسياحة والثقافة ومواقف الحكومة الصينية المختلفة. ويتراوح نشاط هؤلاء المؤثرين بين الغناء والطهي والسفر والسياحة والصداقة بين الصين وبلدان العالم".

قوّة مناهضة

هناك ما يعادل أكثر من 500 حساب رسمي على شبكات التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر مرتبطة بالدبلوماسيين الصينيين في 120 دولةً

تعمل الصين على تكوين قوّة مناهضة لمواجهة كل ما يُكتب عنها. لذلك، تنفق مبالغ كبيرةً جداً لدعوة العديد من الصحافيين لزيارة بكين وتكوين نظرة عن المجتمع الصيني، لعرض وجهات نظر الدولة الصينية إزاء مختلف القضايا علناً، مثل قضية مسلمي الإيغور، وغيرها، وفقاً للباحثة.

من جانبه، يرى الباحث والمحاضر في العلاقات الدولية والسياسات الدفاعية المقارنة وقضايا الأمن الدولي والإستراتيجي، أنس القصاص، أن "الدخول الصيني إلى المجتمع العربي في العامين الماضيين جاء متأخراً، لأن ‘العمل القاعدي’ الذي يستهدف القاعدية الشعبية يحتاج إلى وقت طويل، حتى يأتي بنتائج، لكن منافسيهم الأمريكيين سيكونون قد حسموا المعركة قبل أن تحقق بكين أهدافها".

ويقول لرصيف22: "لو قامت الصين بهذا الجهد منذ عام 2013 أو 2014، لكانت الآن تجني مكاسبها في مواجهة واشنطن. هذه خطوة متأخرة ولن تفيد". وبرأيه، فإن "ما يجري الآن أن الصينيين يجمعون بيانات من خلال نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا تحدٍ أمني. بيانات العرب أصبحت منتهكةً من الولايات المتحدة والصين".

"هم أيضاً يحاولون ليس معرفة مزاج المستهلك العربي ومعرفة سلوكه اقتصادياً فحسب، بل أيضاً هناك محاولة لتوجيه السلوك السياسي وجمع بيانات عنه"، يختم القصاص.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard