حرب الأفيون والبغاء والفقر... ثقوب الصين كما رأتها رحالة سودانية

الخميس 16 ديسمبر 202110:36 ص

"عندما ندق الأرض بأرجلنا ترتجف الأرض، وعندما نستنشق الهواء يُفسح النهر بعيداً لنا درباً، وعندما نرفع أيدينا يرتعب الجبل الجبار. وعندما نصعد قدماً لا يجرؤ أحد على اعتراض طريقنا". ذلك هو نشيد العمال، الذي أنصتت إليه الرحالة والباحثة السودانية خديجة صفوت، أثناء رحلتها إلى الصين، في منتصف أكتوبر عام 1956، حيث كانت الباحثة، ضمن عشر فتيات سودانيات، قمن برحلة إلى جمهورية الصين الشعبية، بدعوة من الاتحاد النسائي الديمقراطي الصيني، وفي ذلك الزمن كان "نشيد العمال" هو الأكثر تعبيراً عن الروح الصينية الجديدة، التي بدأت في التشكل بعد الثورة الشيوعية الصينية 1949، أو ما عُرفت إعلامياً بـ"حرب التحرير".

وخديجة صفوت هي واحدة من أبرز الباحثات في حقل الاقتصاد السياسي والتنمية والقضايا النسوية، ولها في هذا الشأن العديد من الإصدارات باللغات الإنكليزية والفرنسية والبرتغالية، ومن أعمالها اللافتة للاهتمام، كتابها "الإسلام السياسي ورأس المال الهارب". وفي أواسط الستينيات، عنيت الباحثة بكتابة أدب الرحلات، حيث وثقت رحلتها إلى الصين في كتاب بعنوان "أفراح آسيا"، صدرت الطبعة الأولى منه عام 1966، أما الطبعة الثانية فقد صدرت، ضمن سلسلة "رحالات شرقيات" التي تنشر بالتعاون بين "المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق" في أبوظبي، و"المركز الأفرو آسيوي للمرأة والثقافة" في أكسفورد، ويشرف عليها الشاعر والكاتب السوري نوري الجراح.


جندي بريطاني يتأبط فتاة مخمورة... البغاء في هونغ كونغ

على تخوم الحد الفاصل بين ذلك التاريخ 1949، وما قبله، وقفت الباحثة الشهيرة، راصدة مخلفات الاستعمار، والحروب المتوالية التي خاضتها الصين، والاستبداد والفقر، الذي عانى منه الشعب وتحديداً الفلاح والمرأة، محاولة تفكيك ذلك الميراث الصعب، وجذوره الخبيثة المتفشية في طبقات المجتمع الصيني. لكنها مقابل ذلك، شاهدت وجهاً جديداً في بدايات التشكل، فهناك صيحة العمال، ونظام الكميونات أو "المزارع الجماعية" التي عن طريقها، استطاع الفلاح الصيني الوارث لأكبر تركة من الغبن، أن يجد قوت يومه، ويرتدي ما يستر جسده، بعد أن كان في مهب الريح، وكذلك هناك القوانين الجديدة الخاصة بوضعية المرأة، والاهتمام الكبير بالتعليم والصحة والأطفال، فثمة طريق جديد، شقه الصينيون بدمائهم، نحو عالم أكثر إنسانية وعدالة.

في هونغ كونغ "فالفلاح يزرع الخضروات والفاكهة ومحاصيل المناطق الحارة، ويربي حول كوخه الدواجن والخنازير، غير أن كل نتاج هذه المزارع، يذهب إلى القصر الأبيض الذي يقع على الربوة المطلة على الوادي"

في هونغ كونغ المحطة الأولى للباحثة، كانت ملامح العالم القديم، مازالت راسخة على وجه المدينة، تقول صفوت: ؛إن المهن الرائجة والمشروعة في هونغ كونغ، هي التسول والدعارة والاحتيال، ومستوى الأخلاقيات واطئ إن لم يكن منحطاً؛ فالفتيات، لكي يجارين الوضع، ينجرفن عن الطريق القويم، كوسيلة سهلة إلى الترف والحياة الرغدة. ومن المناظر المألوفة تأبط جندي بريطاني لفتاة مخمورة وتأرجحهما في عناق على قارعة الطريق".

والشعب في هونغ كونغ بحسب الباحثة ينقسم إلى طبقتين؛ طبقة تعاني الفقر المدقع، وتكدح ليل نهار من أجل لقمة العيش البائس، وهؤلاء الأغلبية، وطبقة التجار وأصحاب الحانات. والمدينة مزدحمة، يغلفها الذوق الإنكليزي الذي يطغى على عراقة الفن الصيني، والمباني بها فخمة، والبضائع كثيرة، فهي مدينة سياحية.

وفي القرى تتجسد الفوارق الطبقية، ويطغى الاستبداد الذي عاني ويعاني منه الفلاح في هونغ كونغ، "فالفلاح يزرع الخضروات والفاكهة ومحاصيل المناطق الحارة، ويربي حول كوخه الدواجن والخنازير، غير أن كل نتاج هذه المزارع، يذهب إلى القصر الأبيض الذي يقع على الربوة المطلة على الوادي. أما الفيلات المتناثرة في الريف، فتحكي بوضوح قصة الفوارق الطبقية، والاغتصاب السافر لحقوق الإنسان المشروعة".

نهر اللؤلؤ... شاهد على الحرب الدامية

ومن هونغ كونغ" اتجهت خديجة صفوت إلى كانتون، وهي عاصمة الجنوب، وتقع على الضفة الشمالية لنهر اللؤلؤ، وقد أكسبها موقعها هذا أهميةً تاريخية وإستراتيجية بالغة، وترجع الأهمية التاريخية لكانتون إلى القرن الثامن عشر، مع بداية تجارة بريطانيا إلى الصين، وقد تعرضت هذه العاصمة لهجمات القراصنة الأوروبيين والمقامرين، وعن طريق هؤلاء القراصنة، دخلت تجارة الأفيون إلى الصين، وهي التجارة التي جرت على الصين حروباً كثيرة، وعلى إثرها وقعت البلاد تحت سيطرة الاستعمار الطويل.

أوردت صفوت في كتابها بعض الوقائع التاريخية، الخاصة بهذه الحرب التي عُرفت بـ"حرب الأفيون" حيث ذكرت أنه مع انهزام قوات كانتون في حرب الأفيون الأولى، فرضت معاهدة "نانكين" 1842، وكانت أولى المعاهدات المجحفة التي وقعتها الصين مع دول أجنبية وكان من أخطر بنودها أن تعوض الصين بريطانيا بواحد وعشرين مليون جنيه، وأن تُسلم هونغ كونغ لبريطانيا.

وبعد 15 عاماً من حرب الأفيون الأولى، أعلنت بريطانيا الحرب بسبب استيلاء حكومة "مانشو" على سفينة صينية تحمل علماً بريطانياً وقد انضمت فرنسا إلى جانب بريطانيا في حرب الأفيون الثانية 1856–1860. ومن هذه الحروب المتوالية، خرجت الصين بسلسلة معاهدات مهينة عرفت بمعاهدات "تين نسن"، بموجبها دفعت الصين تعويضات باهظة، تم إعطاء الأجانب حق استيطان بكين، وغيرها من الامتيازات الأخرى، التي ورطت البلاد في أزمات مهولة، وأصبحت الصين بكل تاريخها العريق، لقمة سائغة أمام جحافل الاستعمار.

خديجة صفوت المتبحرة في تاريخ الصين، استعادت هذه الذكريات القاتمة، لحرب الأفيون، وهي واقفة في شرفة الفندق، الذي يطل على نهر اللؤلؤ؛ هذا النهر الذي كان شاهداً على هذه الحرب الدامية: "كانت نافذة فندقنا في كانتون على ضفة النهر الهادئ العريض التي تحمل ذكريات قاتمة بدخان الحرائق وعمليات التدمير العسكرية، وما زالت حيطان كلسية تقف بوجه مداخن وقمم مهدمة". وأضافت الكاتبة أن أهل كانتون ما زالوا يمتهنون حرفهم القديمة، وهي الحرف الخاصة بصناعة السكر والحديد، وإنتاج الفاكهة والأرز والشاي والتبغ، هذا بالإضافة إلى الأعمال الأخرى المستجدة التي احترفوها مع ازدهار الصناعة والزراعة وانتشار التعليم وارتفاع نسبة الوعي، وكل ذلك كان من النتائج المباشرة لثورة التحرير عام 1949.

القفزة الكبرى للعملاق الأصفر

وكباحثة بارزة في حقل الاقتصاد السياسي، استفاضت خديجة صفوت عبر صفحات كتابها في الحديث عن نظام الكوميون، هذا النظام الذي نبعت فكرته من الجماهير نفسها، أي أنه لم يصدر بأمر حكومي، فقد أدرك الفلاحون أن العمل الجماعي، يحقق مكاسب كبيرة، ويعود بالنفع على الجميع، وكان من نتائج هذا النظام "المزارع الجماعية"، تحرر الفلاح، وارتفاع مستوى دخله، وكذلك مستوى الوعي.

الثورة –وفقاً لما روته الكاتبة- قد أخذت على عاتقها القضاء على أسباب البغاء الأولى وهي الفقر، كما تم إغلاق جميع المواخير في بكين في بداية الخمسينيات، ثم تم تجنيد عدد كبير من النساء الواعيات، لتعليم البغايا، ثم علاجهن من الأمراض السرية التي كانت متفشية بينهن بنسبة 96%

ورأت صفوت أن نظام الكوميون، قد خطا بالاقتصاد الصيني خطوات عظمى إلى الأمام، ولعب دوراً حاسماً في ما يسمى بالقفزة الكبرى: "إن نظام الكميونات، يعني تدفق الصناعات الصينية إلى الأسواق العالمية بأسعار زهيدة، وهذا يؤلف منافساً خطيراً للبضائع الأمريكية التي يضطرون أحياناً إلى إلقاء فائضها في المحيط، حفاظاً على مستوى العرض والطلب والسعر الذي تحتفظ الولايات المتحدة بتحديده. إن (العملاق الأصفر)، في طريقه القصير إلى ابتلاغ (الغول الأصفر) والذهاب ببريقه الزائف إلى الأبد والأعوام القادمة تختزن لنا أحداثاً مذهلة". تلك كانت نبوءات خديجة صفوت للمستقبل المزهر للصين، وهذه النبوءة ارتفعت إلى حد اليقين، خلال رحلتها إلى قلاع المدن الصناعية.

شهيدة الصين العظيمة "هسيانغ تشنغ"

ومن كانتون، عاصمة الجنوب، اتجهت صفوت برفقة الوفد إلى ووهان "المدينة المثلثة"، حيث تضم ثلاث مدن: ووتساغ، ووهان، وهانكاو. وتقع ووهان على نهر اليانجس الجبار، وكان هذا النهر يمثل رعباً كبيراً للسكان بسبب فيضه الطوفاني. أما الأمر الذي يُمثل فخراً كبيراً لهذه المدينة كما روت صفوت هو أنها المدينة التي شهدت كفاح شهيدة الصين العظيمة هسيانغ تشنغ، والتي شكل كفاحها ونشاطها خطراً على البوليس الفرنسي، حتى اعتقلت في ربيع عام 1918، وأعدمت في أول آذار/مايو من العام نفسه "ففي أول مايو يوم العمال العالمي، استدعت هسيانج من غرفتها الضيقة الرطبة إلى ساحة الإعدام، ونفذ فيها الحكم وهي في الثلاثين، وكانت آخر كلماتها (يسقط الاستعمار وتحيا الصين السوفياتية)".

ووهان هي مركز تعليمي ثقافي، بها أكاديميات للتمثيل المسرحي، كما أنها مسقط رأس الكثير من المجاهدات اللواتي ساهمن في قيادة الثورة؛ "في وهان قوبلنا بمظاهرة صاخبة، كما في كل مكان ذهبنا إليه، ثم عبرنا نهر اليانجس أكبر أنهار الصين، ومن أكبر أنهار العالم على الإطلاق، إذ يبلغ عرضه كيلو متراً وأكثر، وطوله 5500 كيلو متر".

المواخير والأمراض السرية

وفي بكين أقدم وأعرق مدن الصين، التي عُرفت قديماً بعاصمة الأباطرة، زارت صفوت معهد الأقليات القومية، ففي بكين 8 معاهد للأقليات، تستوعب الاختلافات العرقية التي تمتاز بها الصين، ثم اتجهت إلى فندق السلام وجامعة بكين، كما رصدت التطور الكبير في مستوى الوعي لدى النساء، فجميعهن مثقفات، يتحدثن عن التحديات الجديدة التي تواجه الصين، وعن إنجازات الحزب الشيوعي.

ومن بكين اتجهت صفوت إلى الشمال الشرقي، وهي المنطقة الصناعية والتجارية، التي تقوم فيها صناعات الحديد والصلب والنسيج والفحم. وفي تحليلها لوضعية الطبقة العمالية في الصين في سياق التطور الاجتماعي، رأت صفوت أن هذه الطبقة "العمالية"، هي أرق وأقدم من البورجوازية الصينية، لأنها – وفقاً لقولها- قد نشأت قبل وجود هذه الفئة، وتحديداً في أعقاب "حرب الأفيون"» فهذه الحرب المدمرة، كانت حسنتها الوحيدة "خلق طبقة من العمال للمصانع التي أنشأها المستعمرون أصحاب الامتيازات في شنغهاي والمدن الأخرى".

"أكلت بيضاً سلق مطموراً في الأرض 15 عاماً، وشربت نخب الصداقة السوفيتية الصينية"

لكن الثورة –وفقاً لما روته الكاتبة- قد أخذت على عاتقها القضاء على أسباب البغاء الأولى وهي الفقر، كما تم إغلاق جميع المواخير في بكين في بداية الخمسينيات، ثم تم تجنيد عدد كبير من النساء الواعيات، لتعليم البغايا، ثم علاجهن من الأمراض السرية التي كانت متفشية بينهن بنسبة 96%.وفي شنغهاي، اهتمت الكاتبة برصد أوضاع النساء، وقد لا حظت أن وضع المرأة هناك كما هو الحال في هونغ كونغ، حيث تقول: "إن أتعس مشكلات المرأة في الصين عموماً وفي شانغهاي بدرجة حادة هي مشكلة البغاء. وكان الفقر هو أصل جميع المشكلات، فقد دفع الناس إلى بيع بناتهم الصبايا واللواتي حول الخامسة للمواخير، وكانت هذه المواخير تربي هؤلاء التعيسات حتى يبلغن الثالثة عشرة، فتقوم بدورها بتوريد البضاعة إلى بيوت الدعارة في المدن الكبرى".

ووسط هذا الزخم التاريخي والمعلوماتي، لم تنس خديجة صفوت أن تدون في كتابها، الأكلات العجائبية التي تشتهر بها الصين، والتي اضطرت لتناولها، لتنقل على إثر ذلك إلى المستشفى، وبجوارها إحدى السودانيات تعدد وهي واقفة بجوار سريرها؛ "يا يمة انحن الغربة ما لينا فيها تربة". "أكلت بيضاً سلق مطموراً في الأرض 15 عاماً، وشربت نخب الصداقة السوفيتية الصينية، وشربت حساء الخراطين، وهي دود أحمر طويل يعيش في الأرض الرطبة، ويُستخدم عندنا طُعماً لصيد السمك، وأكلت طحلب البحر، ومخ قرد ولحم حمار. وقد خرج هذا النخب من عيني وأذني وأنفي، وعلى إثره نُقلت إلى المستشفى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard