استهداف إبراهيم عيسى... حلقة في الحرب المقدسة التي يشنها الأصوليون ضد المستقبل

الثلاثاء 9 نوفمبر 202110:43 ص

لا بد أن نسأل أنفسنا ونحن نتابع فصول "الهوجة" التي انطلقت في وجه الإعلامي إبراهيم عيسى في اليومين الأخيرين: هل هي رد فعل عفوي تلقائي لحظي؟ هل كون "الخصم" هو شخصية إبراهيم عيسى دون سواه ساهم في تشكيل حجم الهجوم ونوعيته؟

بمعنى أنه لو صدر نفس الكلام عن شخص آخر، هل كنّا سنرى رد الفعل نفسه؟ والأهم: ماذا لو قيل الكلام نفسه في دولة أخرى مثل السعودية أو تونس؟ هل السياق السياسي والثقافي والتعليمي المصري ساهم في تشكيل هذا المشهد؟ وأخيراً: ما دلالة هذا الذي يدور؟ وأين يقف المثقفون بالضبط؟ مع التنوير أم مع السلفية الجهادية؟

لماذا إبراهيم عيسى؟

البداية كانت مع نشر جريدة "المصري اليوم" عنواناً منسوباً لإبراهيم عيسى يقول: "ليه أدخل أجزخانة ألاقي صيدلي بيقرأ قرآن بدل ما يقرأ مرجع أدوية؟". انهالت التعليقات التي تنال من عيسى، ومن كل مَن يدافع عنه، وشارك في الحملة عدد كبير ممّن يفترض أنهم مثقفون، وبعضهم لم يُخفِ كراهيته لعيسى أو اشمئزازه مما يراه تغيُّراً في مواقفه بحسب تغير الأنظمة السياسية وتوجهاتها، وطالته اتهامات بالعمل مع الأجهزة الأمنية واستذكر البعض شهادته الشهيرة في المحكمة التي قال فيها إنه غير متأكد من أن الرئيس الأسبق حسني مبارك أمر بضرب المتظاهرين بالرصاص، ويستبعد حدوث ذلك.

الغالبية الكاسحة من المعلقين لم يشاهدوا الفيديو ولم يتأكدوا من صحة التصريح، باعترافاتهم، مع العلم أن كثيرين يعرفون أن المواقع الصحافية تضع لمساتها على الأخبار لتزيد أعداد متابعيها، وهذا يقدّم لنا إجابة عن السؤال الثاني، فإبراهيم عيسى مستهدف بذاته، بصرف النظر عما يقوله. غالبية المعلقين ينتظرون أي هفوة منه لكي يبدأوا الهجوم عليه بشراسة، وتأليب الرأي العام ضده، وهو ما يجيب عن السؤال الأول: الأمر ليس عفويّاً بالكامل، ولا يحتاج المتابع إلى جهد كبير ليرى أصابع تنظيمات الإسلام السياسي وهي تحرك المشهد.

عدد لا يستهان به ممَّن يحسبون أنفسهم على المثقفين التنويريين تناولوا الأمر من زاوية الاعتداء على خصوصية الصيدلي، باعتبار أن قراءة القرآن اختياره الحر، كما أن اختيارك هو مشاهدة مسلسل على نتفلكس مثلاً، ثم إن الصيدلية منشأة خاصة في النهاية يجوز لصاحبها أن يفعل بها ما يشاء، ومَن أدراك أنه لم يكن يقرأ مراجع الأدوية قبل قراءته للقرآن؟

وهذا خطاب ظاهرة منفتح وباطنه رجعي، لأن هؤلاء أنفسهم لم يدافعوا عن حرية "سيدة السلام"، مثلاً، في استقبال مَن تريد في شقتها، طالما لا تعتدي على حريات جيرانها وصاحب العمارة والبواب وزوجتيهما في أن يفعلوا ما يشاؤون، وهؤلاء أيضاً لا يدافعون عن حريات الفتيات في ارتداء الملابس التي تعجبهن، ضيقة أو قصيرة، أو خلع الحجاب، ولم يدافعوا عن حق المفطرين في نهارات رمضان -وغير المسلمين بالطبع- بأن يأكلوا ويشربوا في الشارع! نغمة "الحريات الشخصية" تلك لا تظهر إلا في ما يخص مظاهر التدين دون غيرها.

"المثقفون" الذين يصورون أنفسهم بمظهر "الأكثر عمقاً" اتهموا إبراهيم عيسى بالضحالة، وأنه غير ملمٍّ بـ"علوم الدين"، وبالتالي فهو ليس مؤهلاً للحديث فيه، وامتد الأمر إلى اتهامه بأنه كاره لله ولرسوله وللإسلام، وأنه يريد ويسعى ويعمل على "هدم الدين"!

الحالة الدينية المصرية

من الصعب أن ترى هذا المشهد بتلك التفاصيل في دولة أخرى، حتى لو كانت محافظة مثل السعودية، فـ"الحالة الدينية" طاغية ومتغلغلة في بنية الإنسان المصري، وفي بنية المؤسسات، وفي عمق السجالات اليومية التي تدور في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي على الإنترنت، وفي الشارع ومقار العمل، وفي المواصلات العامة والمقاهي والنوادي، إلخ.

كما أن هذه الحالة تحكم مجمل تصرفات الفرد في يومه العادي، وليس أدل على ذلك من حجم ونوعية الأسئلة التي يوجهها المصريون يوميّاً لدار الإفتاء المصرية عبر موقعها الإلكتروني، أو بالزيارة المباشرة لمقرها الرئيسي في طريق صلاح سالم أو فروعها في المحافظات، بل إن الأمر تطور إلى إنشاء "أكشاك فتوى" في محطات المترو! فالناس العاديون يسألون في أبسط الأمور التي لا تحتاج إلى فتاوى ولا تتصل بـ"الدين" كعقيدة من الأساس، وهو ما أتصور أنه "حالة مصرية" فريدة تنفرد بها مصر عن كل الدول الإسلامية.

"المصريون يعتبرون أنفسهم ‘أصحاب الدين’، مع أنهم لم يدخلوا الإسلام إلا بعد الغزو العربي لمصر بنصف قرن تقريباً، يعتبرون أنفسهم كذلك لأن عددهم كبير، ولأن ‘الأزهر’ خرَّج علماء للأمة الإسلامية كلها..."

لكن من الضروري القول إنه اهتمام بالمظهر الديني فقط دون جوهر الإيمان والعقيدة، فالأديان عموماً -ومنها الدين الإسلامي- تحض على مكارم الأخلاق، وتنهى عن كل الرذائل مثل السرقة والرشوة ومراقبة الناس ودس الأنف في ما لا يعني الشخص المتدين، بينما الواقع يقول إن هؤلاء المتزاحمين على بوابة دار الإفتاء يرتكبون كل ذلك وأكثر، بل يحرمون المرأة من ميراثها، ويكذبون ليترقوا في وظائفهم أو يحصلوا على علاوة ويسرقون ويغتابون الناس، ووصل الأمر إلى اقتحام الشقق الخاصة والاعتداء على الآمنين باسم الفضيلة، والأكثر وبالاً أنهم يظنون أن هذا يزيدهم قرباً من الله، ويرفعم درجة في درجات الجنة!

المصريون يعتبرون أنفسهم "أصحاب الدين"، مع أنهم لم يدخلوا الإسلام إلا بعد الغزو العربي لمصر بنصف قرن تقريباً، يعتبرون أنفسهم كذلك لأن عددهم كبير، ولأن "الأزهر" خرَّج علماء للأمة الإسلامية كلها، ولأنه يحمي الدين ويحرس الوسطية، إلى آخر الدعاية الأزهرية، لذلك فالمصري البسيط العادي ينصّب نفسه حارساً للدين ولرسوله وكتابه، القرآن الكريم.

مراقبة نشاط المؤسسات الثقافية نفسها سيرشدك إلى أن الثقافة هي الدين في تفكير المثقفين المصريين، فمديرو قصور وبيوت الثقافة المنتشرة في كل محافظات مصر ينشرون -بفخر- صور فعاليات دينية يقيمونها باسم الثقافة، ويدعون الشيوخ للتحدث فيها بخطابات ماضوية متطرفة نصف متعلمة، تستقي معلوماتها من كتب صفراء تدعو إلى الإرهاب في الأساس. واتحاد الكتاب الذي من المفترض أنه يضم كتاباً وشعراء راسخين، تفاخر مؤخراً بأنه استضاف "أصغر داعية"، طفل عمره ست سنوات وأخته الأصغر منه، والتقط رئيس الاتحاد صوراً لنفسه وهو يكرمهما ويهديهما درع الاتحاد، في مشهد عبثي يخلط بين ما لا يختلط!

إعادة قراءة التراث

الجانب الآخر من الصورة، الذي يكمل المشهد ويجلي غموضه، ويجيب عن سؤاله الرئيسي: لماذا يتخذون إبراهيم عيسى دون سواه هدفاً لنيرانهم؟

أسباب عديدة تجمعت -في الوقت ذاته- لتتم عملية مراجعة واسعة للتراث الإسلامي: السيرة والفقه والحديث، بل والقرآن ذاته، أولها الفشل الذريع لجماعة الإخوان في حكم مصر، فحين صعدت إلى السلطة طفح من داخلها أسوأ مظاهر الجهل والعنجهية والاستعلاء والعنف، واكتشف المصريون أن شعاراتها فارغة، وأن هدفها هو الوصول إلى الحكم والتنعم بأبهته، وأنها لا تملك الكوادر المؤهلة في المجالات المختلفة، ولا الرؤية الواضحة لإدارة المؤسسات، ولا الخطط للحاضر والمستقبل، وهذا هزَّ يقين جماعات من الشباب المتعلمين في "الفكرة الدينية" ذاتها وصلاحيتها للتطبيق على ظروف متطورة مختلفة عن ظروف نزول الرسالة ومكانها، خاصة خريجي المدارس والجامعات الأجنبية والشرائح العليا من الطبقة المتوسطة عموماً.

"يعتبر الأصوليون أن معركتهم مع إبراهيم عيسى هي أم المعارك، كونه لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل تياراً كبيراً قادماً بقوة، يريدون إرهابه بكل الطرق حتى لا تقوى شوكته ويتمدد"

السبب الثاني أن إطلاق شبكة الإنترنت وتطورها السريع، سهَّل الحصول على المعلومات الدينية من مصادرها التراثية ببساطة من خلال البحث على غوغل، فلم يعد يلزمك قراءة "البداية والنهاية" لابن كثير -مثلاً- كاملاً لتعرف أن أم إبراهيم طلبت منه أن يكلم الله كي تدخل معه النار لأنه أوحشها! والكثير من القصص الغريبة أمثالها، ولم يعد شرطاً أن تحصل على دكتوراه في علم الحديث لتعرف أن أبا هريرة أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يلازم النبي سوى عامين وبضعة أشهر، ومع ذلك روى ثلث الأحاديث التي نأخذ منها عقيدتنا، وأن عمر بن الخطاب نهاه عن رواية الأحاديث وهدده بقطع رقبته، وأنه كان يستخدم رواياته في مناصرة معاوية في الفتنة، إلخ. كل هذا شكك كثيرين في صحة هذا التراث وأظهر عوار معظم الروايات التي وصلتنا.

السبب الثالث والأخير هو إتاحة موقع يوتيوب مساحات لتقديم برامج من خلاله، اجتذبت نسبة هائلة من مشاهدي التلفزيون، إذ رأوا أنها أكثر حرية وأكثر جرأة، خاصة أن كثيرين من نجومها يعيشون خارج الشرق الأوسط وبالتالي يتمتعون بحرية أكبر ويأمنون عقاب الجماعات الإرهابية التي قتلت فرج فودة، وطعنت نجيب محفوظ، وهددت سيد القمني، وفرّقت بين نصر حامد أبو زيد وزوجته، واضطرتهما للهجرة إلى هولندا... وغيرهم كثيرون.

والآن يتقدم تطبيق Clubhouse على الطريق ذاته، ويتيح مساحات واسعة للنقاش الحر خارج أطر الدولة ومؤسساتها الرسمية.

إبراهيم عيسى موضوع على رأس القائمة في مواجهة سهام الأصوليين الذين يدافعون عن عرش يحسّون أنه بدأ في الاهتزاز تحت أقدامهم، لأن خصوماته السياسية تكشف ظهره. هو الوحيد تقريباً بين التنويريين الذي كان طرفاً في المعادلة السياسية منذ ترأسه لتحرير جريدة "الدستور" الأولى عام 1994، وكان عمره 29 عاماً فقط، واقترب وابتعد من صانعي القرار حتى أعلى المستويات، وهذا عرّضه لحملات صحافية وإعلامية ممنهجة برعاية الدولة نفسها.

وإذا عرفنا أنه أجرأ مّن تناول الخطاب الديني القديم وكشف عوار كثيرِهِ، وأنه أصدر جريدة "المقال" عام 2013 وخصصها -تقريباً- لهذا الموضوع، بالإضافة إلى برامجه التلفزيونية التي يتناول فيها الموضوع نفسه، ويستضيف فيها التنويريين المصريين والعرب، ساعتها سنعرف لماذا يستسهل الأصوليون التصويب ناحيته!

أم المعارك

إبراهيم عيسى أنبه وأهم صحافيي هذا الجيل باعتراف خصومه أنفسهم، فهو صاحب مدرسة في الصحافة طبّقها في "الدستور" الأولى والثانية، وفي "التحرير" و"المقال"، تلك الجرائد التي أسسها وترأس تحريرها، والتي استُنسخت في جرائد مثل الأسبوع والشروق والمصري اليوم والوطن، كما أن معظم الصحافيين المهمين الآن تلامذته، عملوا معه في "الدستور" الأولى وهم شباب، ثم أصبحوا نجوماً وكتّاب أعمدة ومؤلفو كتب "البيست سيلر".

ثم إن برامجه التلفزيونية ناجحة بما تثيره من جدل، سواء على ONtv، أو القاهرة والناس أو راديو FM، وغيرها. علاوة على أنه كاتب روائي وسيناريست، وله تجربة في التمثيل في مسلسل تلفزيوني، اشترطت قناة سعودية أن يتم تغييره بممثل آخر لتشتري المسلسل!

لكل هذا، يعتبر الأصوليون أن معركتهم مع إبراهيم عيسى هي أم المعارك، كونه لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل تياراً كبيراً قادماً بقوة، يريدون إرهابه بكل الطرق حتى لا تقوى شوكته ويتمدد، لكنهم يعملون ضد المستقبل، ولهذا لا أتصور أنهم سينجحون.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard