شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
خريطة البرلمان اللبناني الجديد... هل يفتح "التغيير" الباب أمام تعطيل طويل الأمد؟

خريطة البرلمان اللبناني الجديد... هل يفتح "التغيير" الباب أمام تعطيل طويل الأمد؟

سياسة

الثلاثاء 17 مايو 202206:26 م

بين ليلة وضحاها، تحوّل بعض الفائزين إلى خاسرين، والعكس صحيح، في الانتخابات النيابية اللبنانية التي جرت يوم الأحد الماضي بعد ترقّب وطول انتظار. وبعد مرور أكثر من 36 ساعةً على إغلاق أقلام الاقتراع في المراكز الانتخابية كافة وبدء الفرز تباعاً، كانت النتائج الرسمية النهائية لا تزال غير معلنة بسبب الفرز التقليدي للأصوات من جهة، وبسبب العراقيل والتجاوزات في بعض الدوائر من جهة أخرى، بالرغم من عدّ وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي، أن الشوائب كانت قليلةً جداً في هذه الانتخابات.

وأتت هذه الانتخابات في ظل أزمة غير مسبوقة يمرّ بها لبنان مع انهيار عملته الوطنية وتراجع الخدمات إلى أدنى مستوياتها، وعجز مع تمنّع حكوميين في ابتداع حلول للخروج أو محاولة الخروج من الواقع المأزوم، في وقت يتعمّق فيها الانقسام السياسي والطبقي بشكل كبير.

والانتخابات التي جرت الأحد، هيّ أوّل استحقاق انتخابي يخوضه اللبنانيون بعد نحو عامين ونصف العام من انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، والتي خلقت مزاجاً عاماً تغييرياً في مواجهة ما أسماه المنتفضون "المنظومة الحاكمة" أو "الأوليغارشية" وأحزاب المصارف، بعد أن حمّلوهم نتيجة الانهيار المالي بسبب سياساتهم المصرفية المتراكمة وانتشار الفساد والمحاصصة.

أتت الانتخابات في ظل أزمة غير مسبوقة يمرّ بها لبنان مع انهيار عملته الوطنية وتراجع الخدمات إلى أدنى مستوياتها، وعجز مع تمنّع حكوميين في ابتداع حلول للخروج

العلامة الفارقة والأبرز في هذا الاستحقاق الانتخابي، أن القوى التي أطلقت على نفسها صفة "تغييرية"، حضرت بشكل لافت، وتحديداً المجموعات التي كان لها نشاطها في 17 تشرين، والتي نجحت في أكثر من دائرة في خرق لوائح القوى التقليدية، ليكون أبرزهم النائب المنتخب عن منطقة حاصبيا المحامي فراس حمدان. فراس الذي سبق وتعرّض قلبه لخردق حرس المجلس عام 2020، وقال يومها: "سننفجر في وجهكم، كتفجير المرفأ الذي انفجر في وجهنا"، مسقطاً بفوزه المرشح على لائحة الثنائي الشيعي، مروان خير الدين، مدير بنك الموارد المتهم بحجز أموال المودعين اللبنانيين، فيما عمد إلى تهريب أمواله إلى الخارج وفق وثائق باندورا وسهّل تحويل ودائع ابن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، نادي سلامة، إلى الخارج بالدولار بحسب تحقيق حديث أنجزه مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود (OCCRP).

واعتادت القوى التقليدية أن تكون نتائج الانتخابات النيابية مضمونةً لصالحها، و"في الجيبة"، وأن ينحصر التنافس الانتخابي في ما بينها، إلّا أن الخروقات التي حصلت من قبل "التغييريين"، قسّمت المجلس النيابي الجديد إلى ثلاثة أقسام: القوات اللبنانية وبقايا 14 آذار بغياب الشريك الأساسي في السنوات السابقة تيار المستقبل بعد تنحّي رئيسه سعد الحريري، والقسم الثاني حزب الله ومكوّنات 8 آذار التي لاقت نتائج مدويّةً بإسقاط العديد من رموزها في مناطق كانت تُعد أراضي نفوذهم، كرئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب، ورئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان، ورئيس تيار الكرامة فيصل كرامة، ورئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي أسعد حردان، بالإضافة إلى "رئيس حزب المصارف" كما يوصّف نفسه، إيلي الفرزلي.

توزع المقاعد

أما القوّة الجديدة على الساحة النيابية، فهي قوى التغيير والمجتمع المدني التي دخلت بأكثر من 15 ناجحاً في الاستحقاق الانتخابي، منهم 13 من الوجوه الجديدة التي لم يسبق أن تولت منصباً في الشأن العام، وبذلك لم تُحسم الأكثرية لصالح أحد بعد أن كانت بيد حزب الله منذ عام 2018.

في ما خص القوى الحزبية، فلا تعديلات كبرى عليها بالرغم من احتفال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ليل الأحد-الاثنين، بحصوله على أكبر كتلة مسيحية بأكثر من 20 نائباً، إلا أن عدّاده توقف عند الثمانية عشر، وصار الأول مسيحياً لكن من دون حصوله على الأكثرية أيضاً مع حلفائه، بينما جاء التيار الوطني الحر ثانياً بالحصول على 17 مقعداً. حزب الله الذي كان يقود أكثريةً نيابيةً من 74 نائباً من أصل 128 عام 2018، خسر الأكثرية لكنه زاد عدد نواب كتلته هذه المرة إلى 14 في مختلف الدوائر الخمس عشرة، وحلفاؤه في حركة أمل نالوا 15 مقعداً، وتيار المردة نائباً واحداً.

في ظل عدم قدرة أطراف الانقسام اللبناني على الوصول إلى أكثرية في مجلس النواب بعد دخول قوى "تغييرية" جديدة، يُطرح السؤال حول مصير الاستحقاقات المقبلة من انتخاب رئيس برلمان إلى رئيس جمهورية وتشكيل حكومة جديدة، فهل يكون لبنان أمام نموذج مشهد عراق ثانٍ؟ 

كذلك، حصل الحزب التقدمي الاشتراكي على ستة مقاعد، تُصبح تسعةً إذا أضيفت إليها الأسماء التي يعدّها متحالفةً معه والتي خاض معها الانتخابات، فيما حصل حزب الكتائب الذي كان جزءاً من انتفاضة 17 تشرين على خمسة مقاعد، وتوزعت بقية المقاعد على مستقلّين تحالفوا مع أحزاب، في انتظار أن تتضح توجهاتهم إذا كانوا سيدخلون في تكتلات حزبية أم لا.

"لباس المنتصر"

بلغت نسبة الاقتراع في كل لبنان 41.04%، في وقتٍ تنافست في هذه الانتخابات التشريعية التي تُجرى كل أربع سنوات 103 قوائم انتخابية، تضم 718 مرشحاً، موزعين على 15 دائرةً انتخابيةً، لاختيار 128 نائباً في البرلمان.

ويشير الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لرصيف22، إلى أن "انخفاض نسبة الاقتراع من 49.7% عام 2018، إلى 41% هذه السنة، يعكس عدم اهتمام الناس بالأمر علماً أنه كان يجب أن يهتموا أكثر ويترجموا رفضهم لما آلت اليه أحوالهم في السنوات الأخيرة من خلال تغيير الطبقة السياسية".

وبرأيه، فإن "كل طرف من أحزب التركيبة اللبنانية التقليدية يحاول أن يرتدي لباس المنتصر في وجه الآخر، بالرغم من أنهم جميعاً منيوا بخسارات في بعض الدوائر، فحزب الله خُرق في دائرة الجنوب الثالثة بمقعدين، والقوات اللبنانية لم تسحب بشري من التيار العوني، والأخير بدوره عانى في جزّين".

وحفلت الانتخابات النيابية لعام 2022، بالمخالفات والإشكالات داخل المراكز وخارجها في مختلف المناطق، بحسب ما وثّقت الجمعية اللبنانية لمراقبة ديموقراطية الانتخابات "لادي"، وأفضت في النهاية إلى تشكيلة الـ128 نائباً الذين عليهم الآن اختيار رئيس مجلس النواب، ليتم بعدها تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

المجلس النيابي اللبناني الهجين، الذي سيكون في صورته الرسمية للمرة الأولى في تاريخ لبنان ثماني نائبات وأكثر من 15 صوتاً تغييرياً بوجوه جديدة ومشاريع حداثوية، حسب زعم كُثر منهم، أول ما ينتَظر منه هو تشكيل التحالفات، فلم تعد اللعبة محصورةً بين الأفرقاء التقليديين ونموذج الانقسام السياسي الحاد الذي كان بين 8 و14 آذار، وتبدّل ظاهرياً منذ سنوات، إلّا أنه بقي ضمن إطار مشابه لما أنتجه برلمان عام 2005 الذي تلا اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.

النموذج العراقي؟

يقول الكاتب والمحلل السياسي أمين قمورية، لرصيف22: "اليوم يُفترض أن يشكّل المجتمع المدني الذي أنتج قوّةً برلمانيةً بطموحات الشفافية والمحاسبة وبناء الدولة، كتلةً واحدةً بالرغم من عدم التجانس بين كل مكوناته"، لافتاً إلى ضرورة العمل مع المجموعات التي لم تتمكن من الوصول مثل لائحة "قادرين" المنبثقة عن مواطنون ومواطنات في دولة، فيما ستبقى كتلة الحلف الرباعي نفسها (حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي) وكتلة القوات اللبنانية و14 آذار، أما الصراع الأكبر الذي زادته الانتخابات احتداماً، فهو على حجم الكتل وأيّها ستكون الأكبر وتالياً ذات الكلمة الفصل".

القوّة الجديدة على الساحة النيابية، هي قوى التغيير والمجتمع المدني التي دخلت بأكثر من 15 ناجحاً في الاستحقاق الانتخابي، منهم 13 من الوجوه الجديدة

يُضيف: "مسيحياً، حزب القوات اللبنانية صار يمثّل الكتلة الأكبر لكن التيار الوطني الحر لا يزال يملك فرصة الانقلاب عليه عبر الدعم والتحالف مع حزب الطاشناق مثلاً، أما برلمانياً فنحن ذاهبون إلى مشهد عراقي ثانٍ، فالتناحر على الكتل سينعكس حكماً على انتخاب رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية".

ولمّح جعجع إلى العزوف عن انتخاب رئيس مجلس النواب المنتهية ولايته نبيه بري، والذي يتبوّأ مركزه منذ العام 1992، لكن قمورية يعدّ قرار جعجع محاولةً لإيصال رسالة "إذا كان الشيعي الأقوى سيختار رئيس المجلس، فالمسيحي الأول يجب أن يشارك في اختيار رئيس الجمهورية، أو أقله نائب رئيس مجلس النواب وما يملكه من صلاحيات".

وفي ظل الحديث عن شيعي ومسيحي بحكم ما يقتضيه النظام الانتخابي الطائفي في لبنان، والمفصّل على حجم كل طائفة وحزب، لا ينسى أحد الطرف الثالث الكبير في البلد، أي السنّة. ويرى قمّورية أن "غياب الزعيم السنّي الأول وتياره عن الساحة الانتخابية فسح المجال أمام بعض القوى التغييرية إذ صبّت أصوات الشباب السنّي لصالحهم في طرابلس وبيروت الثانية والشوف مثلاً، كما استفاد أشرف ريفي من هذا الغياب، والسنة اختاروا بتنوعٍ لعلّه ينتقل إلى الطوائف الأخرى، بين جوّ عروبي وعلماني وديني".

بالرغم من الفرح الذي حكم الأجواء الانتخابية لدى أحزاب السلطة التي رأت أنها انتصرت في معركتها في وجه بعضها البعض، ولدى شباب لبناني كان قد شارف على فقدان الأمل بالتغيير واستعاد شيئاً منه بعد الخروقات الكثيرة، إلا أن طلائع المرحلة المقبلة على لبنان لا تشي بخير كثير ولا بحلول فعّالة، وكل الاحتمالات واردة من دون تأكيد أي منها، لكن "الشلل" هو الاحتمال الأكبر، برأي قمورية. 

Website by WhiteBeard