عشت الكثير من لحظات الخوف سابقاً، خوف مما أكتب

الجمعة 20 مايو 202211:12 ص

لطالما اقترنت مهنة الكتابة في عالمنا العربي بالخوف، فهي بمثابة السير في حقل من الألغام من التابوهات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، خوف يشلّ جسارة الحبر ورشاقة القلم، خوف أسودٌ طليق الجناحين، يزيد من ظلام أيامنا العربية ظلمةً. فنحن وكما قال الشاعر المصري هشام الجخ: "علمونا بالعصاية ورضعونا الخوف رضاعة".

لذلك فهي تُعدّ "مهنة المتاعب والمهالك" بامتياز، والقليل من المال، والكثير من الصداع ووجع القلب والضغط النفسي العصبي الذي يتلف البدن والروح معاً، إذ يترصدك مقص الرقيب، وأفواه المتعصبين، وسكاكين المتطرفين، لتكون الحقيقة دائماً وأبداً، ضحيةً هزيلةً مقطوعة الأصابع أمام منظومة الصمت السائدة.

أنا عربي... أنا خائف

لا بد أن الكتابة مهمة شاقة وشبه مستحيلة على عكس ما كان يقدمه الشاعر السوري الكبير محمد الماغوط -ساخراً كعادته- من تذاكر إلى شواطئ المالديف للحالمين بها (أي الكتابة).

ككثيرين غيري، عشت الكثير من لحظات الخوف سابقاً، خوف مما أكتب قد يكون ناتجاً عن رهاب مرضي مستعصٍ كفوبيا الارتفاعات التي تصيبني برعشة تسري في جسدي حتى أسفل قدمي. قد تبدو مخاوفنا بالنسبة إلى آخرين وحتى لنا –في ما بعد- مثيرةً للسخرية والتهكم، وقد يبدو خوفاً غير مبرر ومبالغاً فيه.

 تُعدّ الكتابة "مهنة المتاعب والمهالك" بامتياز، والقليل من المال، والكثير من الصداع ووجع القلب والضغط النفسي العصبي الذي يتلف البدن والروح معاً، إذ يترصدك مقص الرقيب، وأفواه المتعصبين، وسكاكين المتطرفين

لكنه بالتأكيد، خوف يعززه وهم ماضٍ، لأن الخوف فكرة ولوثة، وآفة نحن مصابون بها جميعاً من دون استثناء. خوف متأصل في طبيعتنا العربية، ينشأ في تركيبتنا النفسية ومزاجنا الجمعي، وفي تربيتنا الاجتماعية القائمة على المنع والتحريم والعيب والنهر والوعيد الأبوي قبل السماوي، خوف يغذيه الجميع ضد الجميع؛ الأب وابنه، والسيد والعبد، والسلطة والمواطن... إلخ.

خوف هو نتاج ذاكرة جمعية مثقلة بالدموية والبطش والتوحش، خوف يسري في أوصال الجسد الاجتماعي من الأب والأم، من رجل الدين، وصاحب السلطة، ومن كاتب التقارير الخفي، ومن الحيطان التي لها آذان، ومن نكتة قد نطلقها، ومن قصيدة أو أغنية، ومن حقيقة يعرفها الجميع وينكرها الجميع.

خوف استحال شرطياً ينمو معنا ويكبر كلما تقدمنا في السن، وازدادت معرفتنا بعمق الهاوية التي نعيشها، والسجن الكبير الذي أُسرنا فيه، هذا الشرطي الذي صنعنا بقدر ما صنعناه. خوف يجبرك أن تكون واحداً غيرك، تحرم ما يحرمه الآخرون، وتلعن ما يلعنه الآخرون، وتقدس ما يقدسه الآخرون. خوف يجعلك عدواً لأجمل ما فيك؛ حريتك.

خوف هو نتاج ذاكرة جمعية مثقلة بالدموية والبطش والتوحش، خوف يسري في أوصال الجسد الاجتماعي من الأب والأم، من رجل الدين، وصاحب السلطة، ومن كاتب التقارير الخفي، ومن الحيطان التي لها آذان.

هواجس آخر الليل

قد يوجه إليك أحدهم رصاصةً، فـ"سعر البني آدم رصاصة في هذه البلاد إن لم يكن أقل حتى". هذا هو التصور الذي كان يهيمن علي ويقض مضجعي رعباً، في تلك الليلة التي جافاني فيها النوم. كان أي صوت أو أدنى حركة، كفيلين بجعلي انتفض من فراشي مذعوراً لأنظر من الشباك أو لأخرج بغية التأكد من أنه لا أحد هناك، ثم لأدخن سيجارةً في محاولة يائسة للنوم.

في صباح اليوم التالي، وقبل "الشحّادة وبنتها"، كما يقولون، ارتديت ملابسي على عجل، ووضبت بعض الأغراض الضرورية في حقيبتي الصغيرة. تحاشيت النظر في وجه أمي لئلا تتفرس في شحوب وجهي المذعور. سألتني: إلى أين؟ أجبتها على مضض، إلى المدينة في زيارة إلى صديقي؟ ثم أردفت: هل ستعود اليوم؟ أجبتها: لا، وخرجت لأولي الأدبار من دورية الخوف اللعينة.

في أثناء الطريق، كنت أحاول الاسترخاء محدّثاً نفسي: إنها مجرد مدوّنة تتحدث فيها عن لا دينيتك أو إلحادك، كلام قلته آلاف المرات ممازحاً بين أهلي وأصدقائي. لكن كل تلك الاتهامات الجاهزة بالإساءة والارتداد والكفر، والشتائم المقذعة والسخرية حولتني إلى كائن مذعور، هائم على وجهه، وهارب من الجميع. ولم يكن لادعاءات الحرية الشخصية، والتعبير الحر عن الذات، أي قيمة أمام سطوة مواجهة الخوف الذي تربيت عليه منذ نعومة أظفاري.

تراكم خوف

انتهت زيارتي لصديقي الذي حاول مراراً تهدئة روعي والتخفيف عني دون جدوى. هذا الصدام الذي أواجهه طبيعي فأنت تواجه الناس بعقيدتهم وما يؤمنون به، وتربوا عليه تسليماً أو اقتناعاً. إن مدونتي لن يتعدى عمرها "عمر البرغشة"، حتى تصبح طي النسيان، ويلتفت هؤلاء الشتامون والقادحون أنفسهم إلى مسألة أخرى لكي يشبعوها شتماً أو لطماً أو سخريةً لا فرق.

سألته ونحن نمشي صوب الشارع العام: هل أبدو لك جباناً؟ أجابني: لا، إنما هو "تراكم خوف". فكرت وأنا أسير هائماً على وجهي في شوارع تلك المدينة، بأننا نرث الخوف في هذه البلاد الشقية، كما نرث وحمةً في الجسد أو عاهةً مستديمةً لا براء منها، وكما نرث أسماءنا وجيناتنا الوراثية وانتماءاتنا كلها، ونرضعه كما نرضع الحليب من أثداء أمهاتنا.

نقع في المحظور أو نتجاوز "الخطوط الحمراء" المتعارفة اجتماعياً أو دينياً وسياسياً، لنجد أنفسنا في مواجهة هذا الشخص (شخص الخوف)، الذي رافقنا كظلنا طوال عمرنا من دون أن نكترث به أو نشعر بوجوده، وحتى يأتي أحد ما ليهددنا بأنه سيجعلنا ننسى ذلك الحليب.

صعدت إلى الحافلة، وقد قررت قضاء هذه الليلة في منزل أختي البعيد نسبياً، وأغلقت هاتفي، مقرراً، أنني سأحاول نسيان الأمر أو تناسيه، وأنني سأشتري حبوباً للنوم علني أصحو بعد ذلك من هذا الكابوس.

سألته ونحن نمشي صوب الشارع العام: هل أبدو لك جباناً؟ أجابني: لا، إنما هو "تراكم خوف". فكرت وأنا أسير هائماً على وجهي في شوارع تلك المدينة، بأننا نرث الخوف في هذه البلاد الشقية، كما نرث وحمةً في الجسد أو عاهةً مستديمةً لا براء منها

الخوف أقوى من حبوب النوم

عند وصولي وجدت صيدليةً، دخلت وسألت الصيدلاني إن كانت لديه حبوب مساعدة على النوم، وعن مدى فعاليتها؟ فأكد لي أن أنها مصنوعة من الأعشاب الطبية وأن الأمر لن يستغرق نصف ساعة حتى أجد نفسي أغطّ في نوم عميق.

كانت أمنية النوم أعز ما أطلب في تلك اللحظة. كنت أحن إلى ذلك الفراغ اللذيذ، إلى راحة البال، إلى رفاهية الملل الخالي من الهواجس والخيالات المفزعة. تناولت حبةً، اثنتين، ثلاثاً من دون جدوى. كان الرعب يخترق أفكاري ويشتتها، كنت أشعر بأني مطارد من جهة ما، مما زادني اضطراباً وهوساً بتلك الخيالات. كنت أتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعني. كنت أوشك أن أصاب بجلطة دماغية من فرط التوجس من مصير مجهول لا أدري لحظة وقوعه وكيفية وقوعه.

كنت أشعر بأن ما كتبت سيثير غربان الأصولية عليّ، هؤلاء الذين يحولون ربّهم إلى "بعبع" يمارس سلطة الإخافة شاهراً أظافره وأنيابه القاتلة. سلطة الإخافة تلك التي تجعل من وجود الفرد -أي فرد- وجوداً زائفاً، ويحملني على الظهور على عكس ما أن عليه حقاً، ككائن مكبوت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard