حكاية الخمور في مصر... من حصّة يوميّة للعامل إلى "مزاج الباشا"

الثلاثاء 17 مايو 202202:27 م

قبل نحو عشرة آلاف عام، وفي مساحة من الأرض قرب الضفة الشرقية لدلتا النيل الحالية، اتخذت مجموعة من الأسر قراراً بالاستقرار، ونشأ نشاط الزراعة لتبدأ قصة الحضارة على ضفاف النيل.

خلال بضع مئات من السنوات، استطاع أولئك المستقرون الأوائل ترويض الحيوانات واختراع أدوات زراعية بدائية، وترويض سلالات من الحبوب والخضر لتصبح قابلة للاستنبات المنتظم في مواسم معروفة. كذلك صنعوا الخبز وأواني الفخار، ومن هذين الاختراعين الأخيرين اكتشفوا أن الشعير المتروك في الأواني يختمر ليصنع مشروباً يقربهم إلى ’آلهة السماء"، فجاءت البيرة، أقدم المشروبات المصرية الموروثة، قربان الآلهة وطريق القرب منهم، وثمن الجهد والعمل الذي سجلته جدران وبرديات بناء الأهرامات والمعابد، التي كانت السلطات تصرف لعمالها ثمن عرقهم خبزاً وبيرة.   

على الرغم من تدين المصريين، ظلت علاقتهم بالخمر قائمة ومتجددة، وتتنوع بحسب حالتهم الاقتصادية

في كتابه "مزاج الباشا... تطور ثقافة الخمور في مصر" الصادر عن دار صفصافة للنشر والتوزيع، يتحدث الكاتب والشاعر محمود خير الله عن تاريخ ثقافة "الشُرب"، ورحلتها من التقديس إلى التحريم والمنع، إذ يتتبع مسارات "منازل احتساء الجعة" في مصر القديمة، قبل تحولها للخمامير (خمّارات) وتطور الخمارات إلى البارات بشكلها الحديث في أوائل القرن التاسع عشر، حين أسس الغزاة الفرنسيون أول بار في مصر عام 1800، أشار إليه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، وعُرف باسم "بار المشهد الحسيني".

يتتبع خير الله في كتابه رحلة النظرة إلى الخمور في أذهان المصريين، من التقديس إلى التحريم، مستعيداً تاريخ "ثقافة الخمور" منذ بواكير تشكل الوعي الجمعي، وحضورها في قبور المصريين حيث كانت تدفن ضمن عتاد الموتى الذي يستعينون به على رحلتهم في الحياة الأخرى.

شراب الآلهة

ذكرت الخمور في كثير من الأديان والملاحم كملحمة جلجامش السومرية حيث شرب أنكيدو سبع أقداح خمر فتغير مزاجه. وكانت الخمور حاضرة في الديانات السابقة على الإسلام، وذات موقع مركزي فيها أحياناً، سواء كانت ديانات باغانية (وثنية) أو إبراهيمية (سماوية). ويظهر ذلك في العهد الجديد وفي النصوص العبرية.

المؤرخ الروماني- الأمريكي ميرسيا إلياد يعرض في كتابه تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية للحفريات المكتشفة في شبه جزيرة أيبريا (البرتقال وأسبانيا) والتي كشفت عن مذبح مجهز لطقس الأضحيات وإراقة خمور لعبادة الربة الآلهة الحامية للموتى في الميغاليثية (الجنائزية)، يعود تاريخها إلى  العصر الحجري المبكر.

كما يستعرض ظهور المشروبات المسكرة في ديانات هندو أوربية، مثل مشروب "السوما" الذي كان يعتقد أنه مشروب الخلود الدائم، كما كان الخمر عماداً لطقوس التنسك في احتفالات ديونيسيوس "باخوس" إله الخمر لدى اليونانيين القدامى.

مزاج الباشا

يهتم كتاب محمود خير الله بالعلاقة بين المصريين والخمر في العصور الحديثة، وخاصة خلال القرون الثلاثة الأخيرة.

فعلى الرغم من تدين المصريين، ظلت علاقتهم بالخمر قائمة ومتجددة، وتضم مشروبات تتنوع بحسب حالتهم الاقتصادية، فكان الشعير المختمر (البيرة) وشراب البلح المختمر (العرقي) والعنب (النبيذ) مشروبات استثنائية لا يملك عامة الشعب إليها سبيلاً، فلجأوا إلى اختراع شرب منقوع بقايا الخبز المختمر لتولد (البوظة) خمر الفقراء، التي ظلت حاناتها منتشرة حتى منتصف القرن التاسع عشر على أقل تقدير.

مع فرض الحماية على مصر، تعاظم وجود الأجانب مع الامتيازات الهائلة وفرص العمل والثراء التي حصلوا عليها، ومعهم أتت عاداتهم ومشروباتهم، فعرفت مصر البارات الغربية إلى جانب الخمَّارات الشعبية، وظهرت مشروبات جديدة تنوعت بين الغالي والرخيص

مع فرض الحماية الأجنبية على مصر في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر، تعاظم وجود الأجانب مع الامتيازات الهائلة وفرص العمل والثراء التي حصلوا عليها في قلب الشرق، ومعهم أتت عاداتهم ومشروباتهم، فعرفت مصر البارات الغربية إلى جانب الخمارات الشعبية، وظهرت مشروبات روحية جديدة، تنوعت بين الغالي والرخيص، اجتذبت أبناء الطبقة الوسطى  (الموظفين) الوليدة، الذين ضموا إلى ثقافة الشرب المتوارثة، ثقافات جديدة أتت من تفاعلهم مع الأجانب واختلاطهم بهم، فيما بقيت الحانات والخمارات الشعبية تقاوم بضعة عقود أخرى، حتى انهارت واندثرت تماماً في مواجهة زحف البارات، المتوسط منها والمرتفع الجودة، وحتى الشعبي الموجود على أطراف الأحياء وقلب المراكز.

يتتبع الكتاب كذلك الكتب التي ألفت في ما يمكن معرفته لكتب التاريخ عن مزاج "الباشا" أي الحكام وكبار نبلائهم في عهد أسرة محمد علي، والأنواع التي يحتسيها الباشا وأسرته وجنوده من الخمور، و"المعجون من المكيفات" والمخدرات، لنرى جانباً خفياً في شخصية محمد علي الغامضة.

كانت الخمور متاحة بوفرة في قصور الحكام أيام محمد علي، والجوزة عامرة دائماً. وعرف عن بعض أبناء الأسرة العلوية الإسراف في تناول الخمور الأوروبية

 تاجر الدخان الألباني، صاحب مزاج، مثل المصريين، ولأن كتب التاريخ لا تنشغل بأسئلة العامة والرد عليها، فكان البحث وراء مزاج الباشا.

في كتابه "الفرعون الأخير محمد علي"، ينقل جيلبرت سينويه، عن مذكرات كلوت بك، الطبيب الخاص لمحمد علي، ومعينه في بناء السياسات الصحية التي تستهدف جيش الباشا. ففي مذكراته "لمحة عامة لمصر"، يتحدث كلوت بك عن الحالة الصحية للباشا، موضحاً إدمانه الشراب.

محبة محمد علي "للمزاج" جذبت كذلك اهتمام الكاتب الصحافي الراحل صلاح عيسى الذي كتب في مؤلفه "هوامش المقريزى"، عن "أوامر الباشا"، الكاشفة عن حرصه على تناول "المعجون"، والمكيفات والساحرة السوداء "القهوة"، مضيفاً لها العنبر وزيت الحبهان وبعض المواد المخدرة، يقف الساقي لجانبه، يصب القهوة كلما طلبها. وفي عهد الباشا، ولدت مهنة جديدة جاورت الساقي وصاحب حق العنبر، ألا وهي "المعجونجي".

أنهار من الخمر وأكداس من الجوزة

كانت الخمور متاحة بوفرة في قصور الحكام أيام محمد علي، والجوزة عامرة دائماً. وعرف عن بعض أبناء الأسرة العلوية الإسراف في تناول الخمور الأوروبية. كان إبراهيم باشا ابن محمد علي الأكبر وقائد جيوشه محباً للنبيذ. وذكر جيلبرت سينويه أنه أمر بزراعة 260 ألف كرمة فى سوريا، وجلب 14 ألفاً منها من "بوردو"، وقالت مصادر إن إبراهيم كان مسرفاً إسرافاً يصل حد السفه فى تناول الخمور. وذكر خير الله: "نحن نملك دليلاً لم يكذبه أحد، على أن أكبر أبناء محمد علي، مات يوم 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 1848، حين شرب قارورتين شامبانيا مثلّجة تثليجاً شديداً دفعة واحدة، وكان جسمه ساخناً نتيجة للحمى، هي الواقعة التي ذكرها اللورد كرومر في مذكراته ‘مصر الحديثة’".

وحين ترامت أطراف منطقة حكم محمد علي، كان عليه الحفاظ على الرفاهية النفسية والحالة المزاجية للجنود، لمواجهة تحديات عصره السياسية، لذلك أمر بإرضاء الجنود المحاربين تحت رايات جيشه، وهذا ما ذكره الدكتور خالد فهمي فى كتابه "كل رجال الباشا"، مستنداً لوثائق تركية تشرح  مشكلات تناول الخمور داخل وحدات الجيش، كوسيلة تنفيسية للجنود. الوثائق التى ترجمها فهمي تكشف ممارسات بعض الجند والضباط داخل الوحدات، وتؤكد وجود حرية تناول الخمور داخل الجيش في تكوينه المبكر.

ويستعيد الكاتب ملاحظات رفاعة الطهطاوي التي سجلها في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، متحدثاً بأريحية عن الخمور في مصر و"باريز"، مشيراً لفتنة العرب بالخمور أكثر من الفرنسيين "والغالب في الشراب عندهم النبيذ على الأكل بدل الماء، خصوصاً لأكابر الناس، يشرب من النبيذ قدراً لا يسكر به أبداً، فإن السكر من العيوب والرذائل".

وكان من أثر غياب التجريم والتحريم للخمور في مصر، أن ازدهرت صناعتها، فأسس رجل الأعمال اليوناني، نستور جناكليس، عام 1882 مصنعاً للخمر في الدلتا، مستغلاً فيضان النيل السنوي لزراعة العنب واستخلاص الخمور منه، ولا تزال مزارع جناكليس وكرومها قائمة تستقبل رحلات الزائرين.

في السنوات الأخيرة، عادت صناعة الخمور على استحياء إلى جانب انتشار محالها في كثير من الأحياء، وخاصة في العاصمة القاهرة من دون المحافظات. ويصنع في مصر نبيذ "بوسولاي" الأبيض، وهو الوحيد المصنوع من أنواع عنب مصرية 100% وهو"العنب البناتي" وحصل النبيذ المصري على الميدالية الفضية في المسابقة الدولية للنبيذ ببروكسل عام 2016. وفي تقرير لها ذكرت منظمة الصحة العالمية، أن معدل استهلاك الذكر المصري للكحول سنوياً يبلغ نحو 0.6 لتر، وهو معدل منخفض. إلا أن تقارير صحافية تشهد بأن تناول الخمور هو واحد من أكبر "الأسرار المعروفة" في مصر، وإن أشارت دراسة مسحية قديمة نسبياً (2013) إلى ان ثلثي المصريين يرفضون تناول الخمر رفضاً تاماً لأسباب دينية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard