رواية جدّتي أقدس الروايات على وجه الأرض

الأحد 15 مايو 202211:43 ص
Read in English:

My grandma’s story… Palestine cannot be forgotten


تروي جدّتي روايتها الطويلة عن طفولتها في فلسطين، كأنّها تعيشها الآن. تبدو جدّتي (أم مروان عبد العال -87 عاماً- مواليد فلسطين، في قرية الغابسية قضاء عكا)، كأنّها تمسك التفاصيل الصغيرة بيديها، من اللعب حول جامع قريتها حتى يوم النكبة 1948. أجلس معها في المساء، ولا نتكلّم كثيراً عن الحاضر لأنها لا تتذكر منهُ شيئاً بقدر ما تتذكر الماضي البعيد عن طفولتها في فلسطين.

تبدأ بالحديث: "شايف يا ستّي كان عنا بساتين كبيرة وواسعة وكان حياة أبوي وأمي يشتغلوا فيها وكنت أنا ألعب حواليهن ويصرخوا عليّ: ما تعبتي من اللعب يا سهام؟"، وأنا أنظر في عينيها، وأتخيّل نفسي معها هناك. أتخيّل تفاصيل قريتنا المحتلة منذ العام 1948، وحين أنتهي من زيارتها، تقول لي: "وين رايح يا ستّي بالوقت المتأخر من الليل مش الدنيا الليل؟"، فأقول لها: "ستّي بعدا الساعة السادسة مساء"، تقول: "والله ما عمبتذكر شي".

تروي جدّتي روايتها الطويلة عن طفولتها في فلسطين، كأنّها تعيشها الآن.

بينما كانت تروي لي عن طفولتها قبل ما يقارب 74 عاماً، تقول دائماً إن ذاكرتها تلاشت إلا الجانب الذي عاشتهُ في فلسطين، تتذكره بكامل تفاصيله الصغيرة. أخرج من منزلها اللاجئ في مخيم نهر البارد، وأنا أفكّر وأزداد وعياً من مشاهد روايتها المؤثّرة عن تلك البلاد التي فقدناها. لو تستطيع جدّتي أن تكتب روايتها هذه، لأنّ روايتها هي الشاهد المقدّس الذي يثبت ملكية الأرض لأهل الأرض الأصليين. لو تستطيع كتابتها قبل أن يتلاشى الجانب المقدس من الذاكرة الفلسطينية منها، وهي التي تقول دائماً: "اليوم بقدر أحكي بس بكرا مش عارفي شو بصير فيني".

حين كان الصحافيون يزورونها لإجراء مقابلة مصورة معها، كانوا يستغربون من كلامها الذي لا ينتهي عن قريتها في فلسطين. تروي كأنّها تعيش في روايتها -وتأكّد دائماً أنّها تعيش هناك في تلك الرواية ومشاهدها التي لا تُمحى من الذاكرة- وهي دائماً تكره الحاضر وتكره ما عاشته بعد اللجوء إلى مخيم نهر البارد في شمال لبنان، حتى قبل أن تبلغ 87 عاماً تقريباً. لا تهتم أو بالأحرى لا تتذكر كثيراً الجانب الذي يتعلق بالمخيم وتفاصيله، وتعدّهُ جزءاً من الرواية، لكنّهُ ليس الجزء الذي تراهُ تراجيدياً للتمسك بتفاصيله. وجدّتي تحترم الضيوف والأقرباء الذين يزورونها ويتردّدون عليها وتحبّهم كثيراً، وتحترم أكثر من يتقن فن الإنصات إلى روايتها وهي تتكلم عن فلسطين. عادةً ضيوف جدّتي يجلسون معها لساعات طويلة. حين كنت أزورها كانت تقول لي: "الآن خرجت خالتك أو عمتك من عندي وكانت من الصبح عندي الله يرضى عليها"، فأقول لها: "عمّا تكلمتن؟"، فتقول: "كنّا نحكي عن فلسطين"، وأقول في سرّي: "لذلك طالت الزيارة"، وكأنّ جدّتي الروائية الشفوية التي توزع كلمات روايتها على قرّائها غصباً، تدرك أهميّة ما دوّنت في ذاكرتها.

حين كان الصحافيون يزورونها لإجراء مقابلة مصورة معها، كانوا يستغربون من كلامها الذي لا ينتهي عن قريتها في فلسطين. تروي كأنّها تعيش في روايتها -وتأكّد دائماً أنّها تعيش هناك في تلك الرواية ومشاهدها التي لا تُمحى من الذاكرة- وهي دائماً تكره الحاضر وتكره ما عاشته بعد اللجوء إلى مخيم نهر البارد في شمال لبنان، حتى قبل أن تبلغ 87 عاماً تقريباً

يا ترى لو ماتت جدّتي لا سمح الله بعد عمرٍ طويل، من سيحتفظ بهذه الرواية من بعدها، أو لو عجزت يوماً من الأيام عن النطق بها؟ رواية جدّتي أقدس الروايات على وجه الأرض، لأنّها رواية شعب اقتُلع من أرضهِ غصباً، وكثيراً ما كنت أتخيّلها وهي تروي لي سيرتها. جدّتي بطلة ملحمية في روايتها، مذ أُخرجت من قريتها الغابسية إلى جنوب لبنان، ومن ثمّ إلى مخيم نهر البارد في لبنان مع والدها وأمّها وبعض أفراد عائلتها.

هوميروس أو دوستويفسكي أو ماركيز، ليسوا أفضل من جدّتي في حبكتها السردية وكيفية التقاط التفاصيل في ذاكرة النكبة 1948.

هوميروس أو دوستويفسكي أو ماركيز، ليسوا أفضل من جدّتي في حبكتها السردية وكيفية التقاط التفاصيل في ذاكرة النكبة 1948. إنّها حذرة جداً من نسيان تفصيل أو فقدانه. ممنوع الخطأ عندها في جملة من هنا أو هناك، ويجب أن تحافظ على الحدث بدقة عالية جداً. عندما أحضرتها بسيارتي مرةً من بيتها في المخيم إلى بيتنا بهدف الزيارة العائلية لأنّها لا تستطيع المشي، قالت لي: "يا ستّي ما عدت أقدر أمشي بس أيام فلسطين طلعنا على الحمير وفي ناس كانت تمشي مشي، أسا صار بدنا سيارات تنقلنا يا ستّي"، ولاحظت أنّها لم يعد يهمّها شكل المخيم وتفاصيله، ولا يهمّها إن كان الشارع ضيقاً أم واسعاً، أو البيوت تغيّرت أم لم تتغير، هذه التفاصيل لا تعني لها شيئاً بعد أن جاوز عمرها الـ87 عاماً، إنّما شعرت بأنّ ذاكرة فلسطين عندها هي الأساس في اهتمامها الدائم بالرجوع إلى تلك الأيام، أي أنها تتمسك بذاكرتها أكثر مما تتمسك بواقعها الحاضر، بل بالعكس تنتقد الواقع وتمدح الماضي، وتترك ملذات الحياة جانباً، وتحب الوصايا والإرشادات، وتقول: "يا ستي بعد ما أموت ما تنسوا فلسطين، فلسطين ما ابتتنساش". تعدّ مشهد الوصايا جزءاً من روايتها الشفوية، وتتكلم عن فلسطين في كل لحظة كنت أحاول فيها أن أجعلها تنصت إليّ وأنا أكلّمها عن المخيم وأهلهِ، وتخترق كلامي بحكمها التي لا تتوقف، وينتابني شعور آخر بأنّني أتحدث مع روايتين. جدّتي تعيش روايتين لا رواية واحدة؛ الأولى رواية فلسطين ما قبل النكبة وما بعدها، والرواية الثانية هي رواية اللجوء ونكبة مخيم نهر البارد الثانية، والتي تصادف في 20 أيار/ مايو الحالي، لكنّ جدّتي تميل إلى روايتها الأولى أكثر، وقد لا تتذكر شيئاً عن روايتها الثانية. تقول دائماً: "وين ما كان المخيم يكون، كله رايح يا ستي، وما بقي من هالعمر شي".

لم يعد يهمّها شكل المخيم وتفاصيله، ولا يهمّها إن كان الشارع ضيقاً أم واسعاً، أو البيوت تغيّرت أم لم تتغير، هذه التفاصيل لا تعني لها شيئاً بعد أن جاوز عمرها الـ87 عاماً، إنّما شعرت بأنّ ذاكرة فلسطين عندها هي الأساس في اهتمامها الدائم بالرجوع إلى تلك الأيام، أي أنها تتمسك بذاكرتها أكثر مما تتمسك بواقعها الحاضر

لو ذكّرتها بفلسطين "روايتها الأولى"، كانت سردتها لي كاملةً من دون توقف أو ملل، وبالتفاصيل الدقيقة وبشغفٍ في الكلام وكأنّها عادت طفلةً من جديد وتلعب في ساحة الجامع والحقل القريب من منزلها في قرية الغابسية المحاذية لقرية الكويكات والشيخ داوود والكابري، وأحياناً تحدثني عن البنات اللواتي كن يلعبن معها بأسمائهن الكاملة، وتختم روايتها دائماً بـ"يا ريت نرجع على فلسطين".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard