أموال ولحوم وسكر وشاي... إعانات "العزاء" بين العائلات المصرية

الجمعة 13 مايو 202203:18 م

في مصر، تمثل مناسبات العزاء والزفاف فرصة لإظهار الترابط الاجتماعي و"عمل الواجب" وإظهار المحبة والمساندة بين الأهل والجيران.

ومن أجل إظهار ذلك الترابط، يتوارث المصريون مظاهر وعادات ترتبط بإقامة المآتم وطقوس العزاء. هذه العادات قد تتراجع في بعض المناطق الحضرية، إلا أنها تظل حاضرة بقوة في المناطق الريفية والشعبية وأحياء الطبقة الوسطى التي لا يزال أبناؤها مرتبطين بجذورهم الريفية البعيدة. ويبقى الهدف الأسمى من تلك العادات هو مواساة أسرة المتوفى ومساعدتها مادياً ومعنوياً لكي تتغلب على مصابها الأليم.

 تكافُل في المآتم

 تعد أبرز العادات التي يتوارثها الأحفاد عن الأجداد في عائلة "عمر" القاطنة في محافظة الشرقية، هي التكافل بين أفرادها عند حدوث حالة وفاة في أي فرع من فروعها، فيلتزمون دفع مبالغ مالية محددة ومقسمة على جميع الفروع إلى أسرة المتوفى.

  تلك العادة تتوارثها أجيال العائلة، ولا يزال ابناؤها يحافظون على تطبيقها والتمسك بها، ربما طالها بعض التحديث منذ نشأتها، وهو ارتفاع المبلغ المالي الذي يقوم كل فرع من فروع العائلة بدفعه لدعم أسرة المتوفى، إلا أن أساس تلك العادة لا يزال كما هو منذ أكثر من مئة عام.

بحسب قواعد العائلة، تدفع الأسر التي تنتمي إلى نفس الفرع الذي ينتمي إليه الشخص المتوفى مبلغاً أكبر مما يدفعه أبناء تدفعه الفروع الأخرى، فكلما زادت قرابة الأسرة للشخص المتوفى، زاد المبلغ المالي الذي تدفعه.

 في مصر، تمثل مناسبات العزاء والزفاف فرصة لإظهار الترابط الاجتماعي و"عمل الواجب" وإظهار المحبة والمساندة بين الأهل والجيران

في الفيوم... لحوم ودواجن

 ينتمى علاء محمود الموظف بديوان إحدى الوزارات في القاهرة إلى محافظة الفيوم، وعلى الرغم من أنه ولد ويعمل في القاهرة، لا يزال على صلة قوية بعائلته في إحدى قرى الفيوم، ويلتزم التقاليد التي ورثها عن والديه خاصة في حالات العزاء. يقول لرصيف22: "عائلات الفيوم تلتزم ما يسمى (الزيارة)، وهي قيام أهل المتوفى وأصدقائه بجلب زيارة كبيرة كما يسمونها، يقدمونها إلى أسرة المتوفى عند تقديم واجب العزاء".

يحدد محمود تفاصيل "الزيارة" بكونها حقائب تحوي أنواعاً مختلفة من الأطعمة، كاللحوم والدواجن والخضر التي تصلح للطهو على الطريقة المصرية مثل الكوسا والبطاطس والطماطم والفلفل، وبعض الفاكهة المحددة وهي البرتقال واليوسفي والبلح والموز.

 تتلقى أسرة المتوفى تلك الزيارة وتستعين بها على ضيافة المعزين القادمين لمواساتها. وفي بعض الأسر الفقيرة، يجرى اختزان بعض تلك المواد الغذائية للاستعانة بها على قادم الايام، خاصة إن كانت الأسرة قد فقدت معيلها

تتلقى أسرة المتوفى تلك الزيارة وتستعين بها على ضيافة المعزين القادمين لمواساتها. وفي بعض الأسر الفقيرة، يجرى اختزان بعض تلك المواد الغذائية للاستعانة بها على قادم الايام، خاصة إن كانت الأسرة قد فقدت معيلها.

ويضيف محمود أن تلك العادة قد تختلف من عائلة لأخرى في الفيوم، كما أن الزيارة لا يقدمها لأسرة المتوفى إلا الأهل والأقارب والجيران، لكن المعارف يقدمون واجب التعازي بدون تقديم زيارة.

المندرة هي المكان الذي يشهد مراسم العزاء عند عائلات الصعيد، يتجمع فيها المعزون لتقديم واجب العزاء لأهل المتوفى، وبعد مرور ثلاثة أيام، يقدم المعزون "واجب عزاء" لأهل المتوفى، يتكون من طعام مطهو وخبز حتى لا يتكلف أهل المتوفى عناء إعداد الطعام

عون بديل

 على جانب آخر، تنتشر عادة قديمة في محافظات الصعيد في مراسم العزاء وهي تكفل عائلة الميت بإطعام أسرته 40 يوماً عند بعض العائلات، ويومين عند عائلات أخرى. أكد سمير محمد من محافظة قنا أن عائلة المتوفى باستثناء بيت المتوفى نفسه تقوم بتقسيم وجبات طعام اليوم الأول والثانى بين أفرادها ليطعموا أهل المتوفى والشيخ القارئ والمعزين. ويتم هذا الأمر عن طريق إرسال وجبات الطعام الثلاث خلال اليومين إلى "المندرة "، وتعد المندرة المكان الذي يشهد مراسم العزاء عند عائلات الصعيد، يتجمع فيه المعزون لتقديم واجب العزاء لأهل المتوفى، وبعد مرور ثلاثة أيام على الوفاة، يقدم المعزون "واجب عزاء" لأهل المتوفى، ويتكون من طعام مطهو وخبز حتى لا يتكلف أهل المتوفى عناء إعداد الطعام، ويراعى أن يكون عدد كل شيء فردياً، اعتقاداً منهم أن العدد المزدوج سيتسبب في فقد العائلة شخصاً آخر من أفرادها.

"الواجب" في إسكندرية 

بالرغم من حرص العائلات في الريف والصعيد على التكافل المادي في مواساة أسرة المتوفى، فإن هذا التكافل مفقود في بعض المناطق في محافظات أخرى، منها محافظة الإسكندرية.

مناسبات الفرح والفقد تظل فرصاً يتجلى فيها "الأصل" من خلال "مراعاة الأصول" التي تربى عليها المصريون، ويلتزمونها كظلال باقية لتماسك وتراحم مجتمعي غابر

مثل كثير من المحافظات، تنقسم الإسكندرية بين المناطق الحضرية والريفية، وتعاظم ريف الإسكندرية خلال العقود الأخيرة، مع تحول تلك المناطق الريفية قديماً إلى مناطق عشوائية سريعة التكاثر تستقطب هجرات من مناطق متفرقة لا تحفظ نفس التقاليد، وإن كانت تلك المناطق نفسها لا تزال تسودها ظلال التكافل بين أسرة المتوفى والجيران والأقارب، إذ تستقبل أسرة المتوفى من المعزين علب الشاي وأكياس السكر والبن وبعض الأطعمة أحياناً، لمساعدة الأسرة على ضيافة القادمين لتقديم واجب العزاء. كما يقدم الجيران أحياناً مبالغ مالية صغيرة لأسرة المتوفى خاصة إذا كانت الأسرة قد فقدت معيلها.

أما في المناطق الحضرية، فتغيب تماماً عادة تقديم الدعم المادي لأسرة المتوفى، وتقتصر مشاركة الأسر في الأحزان وحضور صوان العزاء فقط لا غير، بينما اختفت العادات القديمة مع مرور السنوات داخل المحافظة، خاصة مع تغير التركيبة الاجتماعية وعادات السكن.

"مقرأة" تكافلية 

في سياق آخر، تختلف العادات والتقاليد من حي لآخر داخل القاهرة وليس فقط بين المحافظات المصرية. ففي حي مصر الجديدة، ومع ارتفاع مستوى المعيشة، لا تحتاج أسرة المتوفى عادة إلى دعم مادي أو مساعدات تعينها على القيام بأعباء المأتم، لذا تقتصر سبل الدعم والتكافل بين الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران في حالة الوفاة على المشاركة في قراءة القرآن وتقسيم أجزاء القرآن الكريم على الحضور لإيصال ثوابه إلى روح المتوفى.

تقول الطبيبة سهام علي، ساكنة حي مصر الجديدة، إنه على الرغم من ظروف الحياة القاسية التي جعلت الأشخاص ينشغلون بأعمالهم ويبتعدون عن المشاركة في الحياة الاجتماعية، يلتقي الأهل والأقارب، وخاصة السيدات، في منزل أهل المتوفى ويقسمن أجزاء القرآن الكريم بينهن ويهدين ثوابه لروح المتوفى، ولكن تقديم الدعم المادي عن طريق أموال أو مأكولات أو شاي وسكر يعد أمراً "غير متعارف عليه" بين سكان الحي، ولكن قد تطبق هذه العادة في الأسر التي ترجع أصولها للأرياف أو الصعيد.

عرضنا من قبل لعادات "مديدة العزاء" في مختلف المحافظات المصرية، وعلى تنوع عادات الأقاليم الجغرافية المختلفة، ويبقى أن مناسبات الفرح والفقد تظل فرصاً يتجلى فيها "الأصل" من خلال "مراعاة الأصول" التي تربى عليها المصريون، ويلتزمونها كظلال باقية لتماسك وتراحم مجتمعي غابر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard