مشعوذ تونسي يغتصب المئات تحت مسمى "المعاشرة الروحانية"

الخميس 12 مايو 202202:49 م

أثارت قضية "المعالجة السفلية"، التي طرحها البرنامج الاستقصائي "الحقائق الأربع"، جدلاً واسعاً في تونس بعد إماطة اللثام عن جريمة اغتصاب نحو 900 امرأة، بحسب ادعاءات مشعوذ يوهم النساء بتمكنه من علاج "السحر ومسّ الجنّ العاشق للنساء"، بطريقة "المعاشرة الروحانية".

قضية تعيد تسليط الضوء على استغلال المشعوذين لجهل بعض النساء ومخاوفهن، من أجل الحصول على منافع مادية والاعتداء الجنسي عليهن.

جن عاشق

"تعرفت إلى بلقاسم ‘المشعوذ’ قبل أكثر من سنة، عن طريق أختي التي وقعت بدورها فريسةً له. منذ أن تواصلت معه أقنعني بأن جنّاً عاشقاً يسكن جسدي، وأنه في حال عدم خضوعي لعلاج على يديه سأظل مريضةً وحالي على ما هو عليه. كنت أعرف منذ البداية طريقة "العلاج"، لأن أختي تخضع له منذ ثلاث سنوات، ويتمثل العلاج في معاشرة "بلقاسم"، ليتمكن من إخراج الجان. كانت أختي الطالبة في كلية الاقتصاد، تعاني من دوار شديد وحالات إغماء مفاجئة، فأشارت عليها زميلتها وهي زبونة لدى "بلقاسم"، بالتوجه إليه ليحدد أسباب ذلك ويعالجها. لم أكن مقتنعةً في البداية، لكن تحسن الحالة الصحية لأختي وتخلصها من حالة الإغماء التي كانت تصيبها دفعاني للإيمان بقدراته. في الواقع لم أكن أعاني من أي مرض، لكنه أوهمني بأن جنّاً يسكنني".

جدل واسع في تونس بعد إماطة اللثام عن جريمة اغتصاب نحو 900 امرأة، بحسب ادعاءات مشعوذ يوهم النساء بتمكنه من علاج "السحر ومسّ الجنّ العاشق

تؤكد "أميرة"، اسم مستعار، في شهادتها التي بُثت خلال البرنامج المذكور، أنها تخضع لحصتين أو ثلاث حصص "علاج" على يد المشعوذ شهرياً، مقابل مبالغ مالية يتقاضاها لقاء ذلك، وتضيف: "طلب مني استئجار شقة وتأمين بعض المستلزمات التي يحتاج إليها على غرار الفواكه الجافة ولحم الضأن وغيرها. كان الشك يراودني منذ أن عرفته، لكنه بطرقه الخاصة سيطر على ذهني وأوهمني بأنه يتعامل مع كائنات يراها هو فحسب، وبأن العلاقة الجنسية التي تجمعنا شرعية، وبأنني أعاشر روحانياً وليس كائناً مادياً، أي أن المعاشرة ستكون بمثابة علاج روحاني، كما أنه وعدني بالزواج".


برنامج "الحقائق الأربع" الذي كشف عن قضية المشعوذ "بلقاسم"


للمشعوذ "بلقاسم" أسلوب خاص في الإطاحة بضحاياه بهدف استغلالهن جنسياً ومادياً، فيستقطبهن عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك" والتي يعرض فيها قدراتها الخارقة على علاج جميع أنواع السحر والأمراض المستعصية، كما ينشر شهادات لنساء وفتيات تمكّن من علاجهن. "لا أريد أن أصدمك، لكن حالتك خطيرة تستوجب 14 حصة علاج. يجب عليك توفير شقة لأتمّ فيها حصص المعاشرة، ويُستحسَن أن تكون في محافظة أريانة (أي قريبة من مقر سكنه)، والمبلغ المطلوب هو 210 دنانير. ولكي تكون العملية سهلةً عليك، عُدّي نفسك قادمةً في موعد غرامي وليس للعلاج. سأتحدث مع الجنيّ وسيحدثني، وإذا أردتِ أن تحدثيه أو تريه فلا مانع من ذلك"؛ بهذه الكلمات يطيح المشعوذ بكل امرأة أو فتاة تتصل به لعرض مشكلتها، وطلب العون منه، وتكون الأسئلة التي يشخص بها حالة الضحية: "هل تعانين من آلام في أسفل البطن أو في الكتفين؟ هل تعانين من كوابيس؟"، ثم يطلب صوراً عاريةً للضحية ليتمكن من تحديد مكان تواجد الجان في جسمها.

مئات الضحايا؟

تروي "أميرة" أن المشعوذ يؤكد لزبوناته أنه تمكن من معالجة أكثر من 900 امرأة، وأنه في حال عدم خضوع الزبونات لتوصياته سيعانين من إشكالات وتعقيدات في حياتهن، "لقد أكد لي بلقاسم أن المعاشرة الروحانية غذاء روحي، لأتمكن من التعامل مع المرض. وأنه لا يمكن لي التواصل مع أي رجل، لأنه جنّد كائنات لتتابعني. إثر ذلك انتقلنا إلى مرحلة التهديد بنشر الفيديوهات التي التقطها لي خلال معاشرته إذا قررت الابتعاد عنه. كما أنه يرفض الانفصال عن أي زبونة إلا في حال تمكّنها من استقطاب زبونة أخرى، مثلما حدث مع أختي التي أقنعتها زميلتها في الدراسة بزيارته".

كان الشك يراودني منذ أن عرفته، لكنه بطرقه الخاصة سيطر على ذهني وأوهمني بأنه يتعامل مع كائنات يراها هو فحسب، وبأن العلاقة الجنسية التي تجمعنا شرعية، وبأنني أعاشر روحانياً وليس كائناً مادياً

في محادثة تهدف إلى الكشف عن طرق تعامل "بلقاسم" مع ضحاياه، قال المشعوذ للفتاة المتصلة التي تستفسر عن طرق التخلص من الجنّي الذي يسكنها وفق تشخيصه: "علاجك يستحق 14 حصة معاشرة مع التعازيم (الطلاسم) اللازمة، و16 قارورة ماء مَرْقِيّ (قُرأ عليه القرآن). ستكون حصص المعاشرة يوماً بعد يوم، أو بعد يومين، لأنه لدي العديد من الزبونات. يختلف العلاج بالجماع فقط في عدد الحصص والتعويذات لكنه العلاج نفسه لجميع الحالات".

اغتصاب منتشر...

حادثة المشعوذ "بلقاسم" وطرق استغلاله لضحاياه ليست الأولى من نوعها، فقد تم في أكثر من مرة الإطاحة بمشعوذين يعتمدون أساليب مماثلةً لاستغلال الزبونات جنسياً بدعوى استخراج الجنّ أو تيسير الزواج والعمل وغيرها.

في أواخر سنة 2021، أُلقي القبض على دجّال يدّعي علم الغيب واكتسابه قدرات خارقةً في إبطال "السحر والمس" وحل مشكلات تأخر الإنجاب، فيتعمّد على تخدير زبوناته واغتصابهن وقد بلغ عدد ضحاياه خمس فتيات. نظراً إلى تكرر هذه الحوادث، طُرح أكثر من تساؤل حول أسباب الاعتقاد بالمشعوذين والإقبال عليهم، وحول أسباب سهولة الإطاحة بالضحايا لما في الحادثة من استخفاف بالعقول.

حادثة المشعوذ "بلقاسم" وطرق استغلاله لضحاياه ليست الأولى من نوعها، فقد تم في أكثر من مرة الإطاحة بمشعوذين يعتمدون أساليب مماثلةً لاستغلال الزبونات جنسياً بدعوى استخراج الجنّ أو تيسير الزواج والعمل

تباينت مواقف التونسيين حول علاقة استغلال المشعوذ "بلقاسم" لضحاياه جنسياً وبمقابل مادي، وقد ذهب البعض إلى أن هذا الفعل يُعدّ اغتصاباً، فيما عدّه البعض الآخر تحايلاً لأن المعاشرة كانت برضا الضحية لكن الإجماع كان حول غياب الوعي لدى الضحايا.

يؤكد سامي نصر، وهو أخصائي بعلم النفس الاجتماعي، أن ظاهرة الشعوذة منتشرة في البلدان العربية، وأن دراسةً عربيةً أكدت عبر بيانات إحصائية، وجود مشعوذ لكل ألف نسمة، وأن نسبة المقبلين على المشعوذين من الإناث تبلغ 64 في المئة وأن 55 في المئة من زبونات المشعوذين متعلمات ومثقفات.

ويرى محدث رصيف22، أن دوافع انتشار الظاهرة سياسية واجتماعية واقتصادية، وترتبط بصعوبة الحياة وتعقيداتها والتي تحوّل الشعوذة إلى ملجأ لفئة كبيرة من المجتمع، مبيّناً أن الوهم لم يعد ظاهرةً مرضيةً، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة "إحدى أهم الوسائل الدفاعيّة للمواطن التونسي، خاصةً مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي يعيشها".

ويوضح سامي نصر أن الاحتيال في هذه القضايا، هو أن يتم سلب الضحية شيئاً ما، وغالباً ما تمتنع الضحية عن الإبلاغ لأن التونسي يريد أن يظهر في صورة الذكي والإيجابي، وفي حال تحدث عما حصل له يفقد الصورة التي يريد أن يظهر بها ويشعر بالإهانة.

وأضاف أن كلمة "تحيّل" (تحايل)، في قضية بلقاسم المشعوذ، توضَع بين قوسين، لأنه لم يراوغ ولم يكذب بل أفصح عن مبتغاه منذ البداية، وهو الجنس والمقابل المادي: "في العادة في مثل هذه الجرائم هناك مراوغة لكن بلقاسم كان ذكياً في المراوغة ونفى عن نفسه الأركان الإجرامية، وهي مواقعة أنثى من دون رضاها، حتى أنه هو من تلقّى المقابل المادي. بالنسبة إلى الضحايا، تنطبق عليهن مقولة "المستعد للشيء تكفيه أبسط الأشياء، أي أن الضحايا كان لديهن استعداد مسبق لممارسة الجنس مع المشعوذ".

تجدر الإشارة إلى أن السلطات التونسية ألقت القبض على المشعوذ الذي أطلق عليه البعض صاحب "الاغتصاب الطاهر"، وسيتم التحقيق معه في هذه القضايا. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard