العفو الرئاسي السوري... خارج العلانية الدستورية والقانونية

الجمعة 13 مايو 202209:45 ص

أصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد مرسوماً تشريعياً سابعاً، هذه السنة، في 30 نيسان/ أبريل، قضى بالعفو عن مرتكبي جرائم إرهابية قبل هذا التاريخ، شرط ألّا تكون قد "أفضت إلى موت إنسان".

والجرائم التي شملها العفو الرئاسي سبق أن عرّف معظمها قانون مكافحة الإرهاب رقم 19/2012، وهذا حل محل قانون الطوارئ الذي بقي سارياً منذ عام 1963، أي طوال 49 سنة كاملة لم تشهد فيها سوريا غير أحكام عرفية استثنائية تساوي بين الحياة العادية وأحكامها وبين حال الحرب وتهديدها وانتهاكاتها، وبعضها عرّفه قانون العقوبات الصادر بالمرسوم  التشريعي رقم (148) لعام 1949 وتعديلاته.

وحلّ قانون مكافحة الإرهاب المذكور، والصادر في تموز/ يوليو 2012، أي في أعقاب 14 شهراً على الحراك السوري، المدني والديمقراطي، محلّ قانون الطوارئ الذي ألغي مجاراةً للأجواء التي أشاعتها التظاهرات المسالمة والحاشدة، قبل استيلاء الإسلاميين "الجهاديين" عليها، وقبل ضلوع الحلقة الرئاسية، وإجراءات عفوها عن إسلاميي "القاعدة"، قبل "الدولة"، في الاستيلاء هذا.

ويحدد القانون بشكل فضفاض الجرائم المفترضة التي يعاقب عليها بعد أن يحيلها إلى محكمة مكافحة الإرهاب، وهي محكمة مستحدثة صدّق الأسد في نفس الشهر على قانونها الذي يحمل رقم 22، بديلاً من محكمة أمن الدولة العليا.

ولم يقلّص استبدال الطوارئ بمكافحة الإرهاب التعسُّفَ العرفي السائد منذ الانقلاب البعثي الأول.

"مكرمة سيد الوطن"

مرسوم العفو الجديد ليس الأول بل سبقته مراسيم مشابهة منذ عام 2011، ولكن معظمها لم يشمل "معتقلي الرأي والسياسيين والمشاركين في النشاط السلمي في بداية الثورة" وحراكها، في وقت شمل مرتكبي الجُنح والمخالفات والمخدّرات والسرقة والاحتيال.

ونبّه معاون وزير العدل، القاضي (الرسمي) نزار صدقني إلى أن المرسوم العتيد "لم يطلب أي إجراءات"، ولم يشترط على مَن يسري عليهم، ولا على أهلهم، "مراجعة الدوائر المختصة". وعلى هذا، تتولى "مؤسسات الدولة (القيام) بالإجراءات المناسبة لتنفيذ هذا المرسوم بشكل فوري" (وكالة سانا، 1/5).

ويبعث "كرم" السلطة الأمنية السورية، وتحميلها نفسها أعباء المراجعة والتحقق والإجراء الفوري، على الدهشة ربما، وعلى الشك من غير تردّد. وهي تكيل المديح لما أقدمت عليه، على لسان القاضي العسكري العقيد أحمد طوزان. فيصف مرسومَ العفو- الصادر خلافاً للدستور الذي تحصر المادة 108 منه صلاحية رئيس الجمهورية في إصدار عفو خاص، وتنيط المادة 75 العفو العام بمجلس الشعب وحده- بالـ"المنعطف القانوني الجريء"، ويعوِّل على "انتشالـ(ـه) الأشخاص من الجرائم (...) والانتقال بهم (...) إلى مسارات العلم والبناء وإعادة إعمار البلد (...) من خلال هذا التسامح الفريد...".

"من خاصيات الحال السورية، في ظل ‘الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري وتحريره لمعظم الأراضي السورية من دنس الإرهاب’ أن الخارج من السجن أو الاعتقال قد لا يجد مَن ينزل فيهم أهلاً، ويحل سهلاً، على معنى الترحيب بـ‘أهلاً وسهلاً’"

ومشكلة الإجراء الذي يسمّيه حرس معتقل صيدنايا "مكرمة من سيد الوطن"، أنه يقع على ناسٍ لم يحصرهم إحصاء.

فإلى يوم الاثنين، في 9 أيار/ مايو الجاري، بلغ عدد المسجونين المسرّحين، بناءً للمرسوم الرئاسي العام، 960 معتقلاً وسجيناً من المحافظات السورية كلها. وبين هؤلاء من اعتُقل في الأشهر الأخيرة التي سبقت تاريخ العفو بشبهات جنائية لا تمتّ إلى "الإرهاب" في تعريفه الأسدي، بصلة، كما أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان إطلاق سراح 27 معتقلاً وصفهم بـ"المنشقين".

سرية العصابة

ومقارنة الألف معتقل المفرج عنهم اليوم، بنحو المليون معتقل الذين أحصاهم المرصد السوري لحقوق الإنسان (على وجه الدقة 969،854) منذ آذار/ مارس 2011، أو بالـ152،713 الذين لم يخرجوا من السجون والمعتقلات الأمنية و"النظامية"، ولا علم علنياً بمصيرهم- تُظهر هذه المقارنة ضآلة العدد الذي تُخرجه الأجهزة و"الأفرع" من زنازينها وأقبيتها وسراديبها.

وإنْ كان عدد مَن قُتلوا تحت التعذيب، وفي أثنائه، يُقدّر بنحو 105 آلاف، فإن عشرات الآلاف لا يزالون على قيد الحياة، ويصلحون "للتحرير"، على قول أنصار السجّانين والجلادين في أصحابهم ورفاقهم.

وتقدّر الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدد المعتقلين "السياسيين" يبلغ 132 ألفاً، منهم خُطف من غير أثر إجرائي أو إداري، ولا "وجود" له.

وإغفال السجّانين والجلادين، أصحاب "المكرمة"، إعلان إحصاءات المسرّحين والمُفرج عنهم، وأبواب "جرائمهم" وارتكاباتهم، وتاريخ توقيفهم ومحاكمتهم ومُدد إدانتهم وتعريف الهيئات التي عُهد إليها بالمحاكمة، وتسمية السجون أو المعتقلات التي أمضوا فيها السَّجن أو الاعتقال- هذا الإغفال هو بمثابة إقرار بأن الهيئات التي تسن القوانين، وترسم المراسيم، وتنفذ الإجراءات، تعمل كلها، من حرسها وبوابيها إلى قضاتها ووزرائها، خارج الحق والقانون، وتنتهك شرع الدولة وعلانيته اللازمة والمُلزمة.

وتترتّب العلانية القانونية على مبدأ أول وأساس يقضي بألا يجهل أحد القانون، وبأن يعمّ العلم به كل مَن يطالهم القانون. وإلا لم تقع مسؤولية انتهاك على الجاهل. وانفراد إدارة السجون والمعتقلات السورية، على افتراض وحدتها ومركزيتها وجواز تسميتها "إدارة"، بمعرفة أبواب المُفرج عنهم، وسكوتها عن معرفتها، قرينتان على السرّية البوليسية والجُرمية والعصبوية (نهج العصابات) التي تطبع أفعال السلطة الأسدية بطابعها العميق.

هويّات مكتومة

وردّ السوريون على القرار الأمري، في صيغته السرية والأمنية، على نحو أبرز ثغرات القرار وانتهاكاته الصارخة، وضربه عرض الحائط بموجبات العلانية القانونية. فتجمهر مَن حسب أن الإجراء يعنيه، أو يطول أحداً يعنيه، في محلة أو منطقة جسر الرئيس في قلب دمشق، حيث محط معظم خطوط النقل الداخلي وملتقاها، وفي ساحتي صيدنايا، مدينة السجن الكبير والفظيع، وعدرا، المدينة الأخرى.

وحملهم على التجمهر في الأماكن الثلاثة إرادة السلطان حجب خروج المسجونين من سجونهم مباشرة، وقربها من السجنين الكبيرين والقريبين من العاصمة، وجهلهم بمَن يجيز المرسوم الرئاسي فك حبسه. ولما تخفّفت إدارة السجون والمعتقلات تعسُّفاً وتستُّراً من نقل المُفرج عنهم إلى حيث يقيمون، أو كانوا يقيمون حين اعتُقلوا أو أُوقفوا، وألقت تبعة النقل على عاتق المسرّحين ومَن قد تدعوه النخوة والمصادفة إلى نقلهم، خلص الأهل والأقارب المنتظرون إلى ترجيح قصد الطلقاء إما ساحتي صيدنايا وعدرا، وإما محطة السفر المركزية وعقدة المواصلات الداخلية.

السلطات السورية توقعت ضياع السجناء المفرج عنهم "وتيههم حين خروجهم من عتمة السجن المادية والمعنوية، الحقيقية والمجازية، إلى ‘ضوء’ السجن السوري الكبير، أو ‘الليل السوري’، على قول ميشال ديكلو، سفير فرنسا الأخير في سوريا عشية 2011"

وتعوِّل السلطات، وهي لم تتقيّد بتدوين إجراءاتها "القانونية"، على زعمها، ولا بعلانية التدوين المترتبة على صفة الإجراءات المشروعة، تعول على أثر السجن- ومدته، الطويلة على الأرجح، وعزله المسجونين وقطعه علاقاتهم وروابطهم بأهاليهم وجوارهم ودناهم الأليفة والأوسع- المرتقب في إضعاف انتساب المسجونين والمعتقلين إلى جماعة وعالم أو إطار يعرفانهم.

وترك السلطات البوليسية والعصبوية الطلقاء الجدد والمكتوميّ الهوية من غير مال يمكنهم من بلوغ منازلهم، ومن غير إعلان عن هويّاتهم، وإبلاغ أهلهم بإطلاقهم، دليل على توقّعها ضياعهم وتيههم حين خروجهم من عتمة السجن المادية والمعنوية، الحقيقية والمجازية، إلى "ضوء" السجن السوري الكبير، أو "الليل السوري"، على قول ميشال ديكلو، سفير فرنسا الأخير في سوريا عشية 2011.

شعب فاقدي الذاكرة

ويواجه طليق السجن السوري النظامي اليوم، أي في العام 2022، أحوالاً طرأت في العقد المنقضي، أو في نصف العقد على أبعد تقدير، غيّرت "وجه" وطنه وبلده وأهله وشعبه (إذا استعير "الوجه" للدلالة على التعريف والتعارف، وعلى التوجّه... إلى الوجه). وتتقدّم الأحوال الطارئة، والتغيّرات الجوهرية، حالُ الطليق نفسه، ومحله من تعريفه وهوّيته، ومن ماضيه وفصول سيرته، وبعضها فصل السجن وحوادثه.

فالمرصد السوري لحقوق الإنسان- وهو أولى المنظمات المدنية التي تُعنى بعلانية إحصاءات الوقائع السورية الوطنية، ونقيض "الدولة" السرية والخفية الرسمية- يقول إن قسماً كبيراً مسرّحي العفو العام الأخير فقدوا ذاكرتهم. ولا تستقيم هوّية إنسانية، فردية أو شخصية واجتماعية، بغير ذاكرة حية تؤرخ الانفعالات والأهواء والأواصر، وتنسب الأفعال، وتجمع الناس وتفرّقهم وتُدرجهم في أبواب وسياقات، و"تلحم" الأشياء.

ومَنْ هذه حالهم، أي فقدوا ذاكرتهم، قلّوا أو كثروا، في وسع السلطات، الأمنية "المخابراتية" منها على الخصوص، أن تأمن جانبهم، وتنساهم على نحو نسيانهم هم عالم الإنسيين. ويقوم "شعب" فاقدي الذاكرة (السوريين) مقام الكناية عن "الشعب السوري" الصالح واللائق بـ"مكرمات سيد الوطن"، وأسياد الأوطان من أمثاله.

وكانت حنة آراندت (1906- 1975)، الألمانية-الأميركية وصاحبة "أصول الكليانية"، قد جرّدت التوتاليتارية أو الشمولية من طلب احتكار السلطة المطلقة. وقدّمت على طلب الاحتكار السعي في حل الأواصر الإنسانية والاجتماعية، وذاكرتها، بين البشر. فلا يستوي سلطان أو يتربّع على كرسي "الأبد"، بحسب الشعار الأسدي المتوارث ولداً عن والد، ما تشاركت "رعيةٌ" رابطةً معنوية يتوجه بها إنسي على آخر.

غربة العالم

وعلى المُفرج عنه، ومالك ذاكرته، أن يقصد "أهله"، أي رهط مَن يفيء إليهم ويلوذ بهم، ويضوونه أو يجمعونه إليهم ومعهم. ومن خاصيات الحال السورية، في ظل "الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري وتحريره لمعظم الأراضي السورية من دنس الإرهاب" (نزار صدقني، معاون وزير العدل السوري)، أن الخارج من السجن أو الاعتقال قد لا يجد مَن ينزل فيهم أهلاً، ويحل سهلاً، على معنى الترحيب بـ"أهلاً وسهلاً".

فهم إما قُتلوا، في عداد الخمسمئة ألف قتيل الذين قصفت الحروب السورية الأهلية أعمارهم. وإما سُجنوا ولم يقضوا في سجنهم بعد، ولم تشملهم مراسيم العفو، ونُسوا. وإما خسروا منازلهم أو حاراتهم أو بلداتهم أو قراهم التي دمّرتها الحروب المتنقلة والمتسلسلة. فاضطروا إلى النزوح داخل سوريا، واستيطان بلاد أخرى غير مساقطهم، وامّحت الآثار التي تدلّ عليهم وتقود إليهم. وهم ألوف مؤلّفة، أي ملايين. وإما غادروا إلى المنافي "الهانئة" أرضاً ملعونة سُلط عليها هلاكها، على تشخيص قرآني معروف. فانقطع ما بينهم وبين ذويهم. فجهل ذووهم ما حل بهم، ولم يدروا هم ما صار إليهم ذووهم.

فالخيوط التي تربط المعتقلين، المسرّحين والمقيمين في الاعتقال، بغير المعتقلين ذاوية، ولا تصلح للاستدلال بها على واقعة أو قرينة. وجمهور المنتظرين اليوم طليقاً أو طليقة إنما يرجمون في الغيب. فهم لا يعلمون إذا كان مَن ينتظرونه حياً أم ميتاً، ولا متى فارق الحياة إذا صح أنه قضى، ولا كيف قضى وأين دُفن... ولا يعلم معظمهم في أي سجنٍ سُجن صاحبهم، ولا الوقت الذي قضَّاه في سجونه.

ولما نزل المسرّحون الأوائل من السيارات التي أقلّتهم إلى ساحتي صيدنايا وعدرا، وإلى جسر الرئيس، تهافت عليهم، فوق تهافت أهلهم أو مَن يمتّون إليهم بقرابة أو آصرة، مَن يريدون سؤالهم عن قريب، أو نسيب، أو رفيق انقطعت أخباره وآثاره منذ سنين، طويلة غالباً. ولا سبيل إلى تعقُّب أثره إلا عرض صورته القديمة، وفي قيافة بائدة، حائلة اللون ومحفوظة في ذاكرة سمارت فون عتيق، على طليق مرهق الذاكرة، في خير الأحوال، وفاقدها في شرها.

وعلى شاكلة الطلقاء الذين تقوم أعوام السَّجن وجلجلته حاجزاً بينهم وبين مَن يعودون إلى دنياهم المختلفة، فيعشى بصرهم ويرون الناس "الأحرار" ظلالاً أو أطيافاً، يتساءل مستقبلو المفرج عنهم، سكان العالم العادي، عن طاقتهم على التعرُّف على "العائدين". وترجو الواحدة، زوجة أو أختاً، صاحبتها أن تتلقاها حين يغمى عليها لا محالة وهي تتعرّف على مَن تنتظر، ويقرّ في روعها أنه هو، أو أنها هي، أو أنهم هم ("أنتظر أولادي الخمسة وزوجي منذ العام 2014. لقد سلّمتهم إلى ربي"، تقول واحدة من النسوة المنتظرات).

والصمت المُطبق الذي لفّت به السلطات السرية والبوليسية السورية، وحواشيها الأهلية والمرتزقة، الاعتقال والمعتقلين، نصَّب طبقة من الانتهازيين والسماسرة والطفيليين وسطاء بين الأجهزة وبين أهالي عشرات آلاف "المغيّبين". فجعل تكتّم السلطات، أو جهلها ولا مبالاتها بمَن تقتل أو تعطب أو تشرّد أو تسكت عنه، من فتات معلومات هذه الطبقة سلعة تجارية.

فيشتري الأهل الخبر عن المعتقل، أو صنف الخبر (تاريخ التوقيف، مكانه، محل الاعتقال، اسم المسؤول المباشر عن المعتقل...)، لقاء ثمن. ويقتضي تتبّع الخبر أو جزئه، ثمناً آخر يجر ثمناً... ويكتمل الشبه بين عالم المعتقلات السوري، النظامي، وبين "عالم الحياة"، العادي والعادية، في "دولة" تُساس على شاكلة سوس أو سياسة العصابة مسرح القطاع الذي اقتطعته أو أقطعته.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard