لا مصادفات في التاريخ وأحفاد نابليون ليسوا قدراً... بمناسبة "الاختيار3"

الخميس 12 مايو 202202:49 م

ينطوي العمل الفني على رسالة ما، ولو رسماً تجريدياً أو مسرحية هزلية. ولعل صناع مسلسل "الاختيار3" أرادوا الإيحاء بجدارة المنقذ، وتفرّد الملهَـم الذي لا يلبث بالسلطة المطلقة أن يصير ملهِـماً. وما يلحّ عليه كتَبة السلطة منذ صعود عبد الفتاح السيسي عززه المسلسل التلفزيوني، فأعلى دور الفرد، كأن القدر اصطفاه في اللحظة المناسبة.

وأميل إلى استبعاد ما للمصادفات من أدوار في التحولات والمصائر الكبرى، وأرى ذلك خاضعاً لحتميات تصنعها تراكمات، وشروط موضوعية تبدو أحياناً في صورة مصادفات تريح أنصار التفسير الأحادي للقضايا، وتبسيطها لإراحة الرأس. ولا تختلف المصادفات الشخصية عن غيرها مما يبدو مصادفات ليس للفرد، أو للشعب، فيها دور. 

 في عام 1995 كنت مشغولاً بمشروع رواية "حديث الجنود"، وأبحث عن تفاصيل خارج دائرة الخبرة الشخصية. والأحداث تدور عام 1990، وفي ذلك الصيف الساخن تقرر مصير العراق ومصائر غيره. وأبطال الرواية أفراد يقدمون سردياتهم الصغيرة كجنود في جيش لا يحارب. وفجأة وجدت في سور الأزبكية نسخة من كتاب قديم عنوانه "الشرح الوافي لقانون الأحكام العسكرية"، وكأن أحداً قرأ ما في نفسي وأهدانيه. لم يكن مصادفة، وربما نظرت إليه من قبل ولم أره. نحن ندرك ما نبحث عنه. حواسنا تنتقي من التفاصيل اللانهائية ما استعددنا لاستقباله. ولا يكفي وجود الإشارات ما لم تكن أجهزة التلقي في وضع "انتباه". وهكذا الأمور كلها.

يحلو للكسالى افتراض نهاية غير نابليونية للثورة الفرنسية، بعد موجتيْ الآمال والإرهاب. وصعد نابليون عنواناً لمرحلة ما بعد الفوضى، وكانت روافد الثورة تتدفق، ووقائعها التراجيدية تحفر مجراها، وتنتظر أي جنرال ذكي يغامر بفرملة التدافع، أو توجيهه والتحكم فيه. ونابليون هو الأكثر ذكاءً وطموحاً. وما كان سيناريو آخر ليحدث، اللهم في الدرجة لا النوع، ولو ظلت جزيرة كورسيكا تابعة لإيطاليا. ولد نابليون في كورسيكا عام 1769 بعد عام من ضم الجزيرة إلى فرنسا، وتخرج في الكلية العسكرية قبل عامين من الثورة. وبعد أن قطفت الثورة رؤوس أعدائها وقادتها تمكن الضابط الشاب، في تشرين الأول/أكتوبر 1795، من قيادة الجيش لقمع تمرد أنصار الملكية.

ما يلحّ عليه كتَبة السلطة منذ صعود عبد الفتاح السيسي عززه المسلسل التلفزيوني، فأعلى دور الفرد، كأن القدر اصطفاه في اللحظة المناسبة 

لولا الثورة ما كان لنابليون ذكْر. منحتْه خلوداً مستحقاً، لأنه استعد وخطط، وناور بالاقتراب المحدود والابتعاد المتربّص، حتى طابت الثمرة، وحان وقت القطاف وهو بعيد، وظنوا أنهم في مأمن من طموحه، فغافلهم الجنرال ورجع من مصر سراً، ليقود انقلاباً شاملاً.

وفي عام 1804 توّج نفسه إمبراطوراً لنظام ملكي وراثي جديد، واستغل البرلمان في إضفاء شرعية على انقلابه على أهداف الثورة، وتجاوزت سلطاته ما كان للويس السادس عشر، وطوى الانقلاب صفحة الثورة. والقبضة العسكرية أخافت من يفكرون في التمرد، وأضواء الانتصارات أعمت الفيلسوف الألماني هيغل، فقال عن الجنرال الغازي لألمانيا: :رأيت الإمبراطور، رأيت روح العالم، يمتطي جواده، وتمتد يده لتطور العالم".

في الفوضى التالية لخروج الجيش الفرنسي من مصر، كان المسرح مهيأ لصعود أي شخص يتمتع بمؤهلات محمد علي. كان الداهية يعي طبيعة جيش يقوده وينتمي إليه، والقوى الدينية والشعبية المحلية. وحدد مواعيد للانتقام، لا فرق بين مماليك يتآمرون، وأنصارٍ منهم شيخُ طائفة الخُضَـرية، بائعي الخضر.

حجاج الخضري أسهم في تثبيت حكم الباشا فكافأه بالإعدام، ليستريح من اجتماع الناس حوله. ولعل محمد علي كان أرحم بمصر من أحمد باشا البوشناقي، "الجزار". الجزار صفة حازها بعد قتله سبعين بدوياً في كمين. وفي كتاب الأمير أحمد حيدر الشهابي "أحمد باشا الجزار -بين مصر والشام وحوادثه- مع نابليون بونابرت" تفاصيل تسوّغ صفة "الجزار". 

 كتاب الشهابي حققه عبد العزيز جمال الدين. ولولا وفاة "الجزار" عام 1804 لحكم مصر، وأخضعها لمرحلة من الإرهاب. ربما حضر محمد علي استجابة لحتمية تاريخية. قبضة تعقب الفوضى. أما المصادفة فهي تمتعه بالذكاء الكافي لبناء دولة حديثة أداتها الجيش القوي، من دون الحاجة إلى الشعب إلا كوسيلة استعمالية، فالعقلية العسكرية للباشا الأجنبي تحتقر المصريين وتراهم أدوات، بذور السمسم التي يجب أن يسحقها لكي يستخرج منها الزيت، على حد قوله. ويذكر لويس عوض أن "دولة" محمد علي "لم تلتفت إلى بناء الإنسان من حيث هو إنسان". ولم يكن المصريون يملكون القوة لمواجهة الرجل القوي، فأطلقوا عليه وهو المسلم لقب "باشا النصارى".

التهديد بإحراق البلاد يتناقض مع غرور المحامي الإخواني صبحي صالح القائل: "لو رشح الإخوان كلباً ميتاً، سوف يفوز"؛ اقتباس بتصرف فج وخشن لقول مصطفى النحاس: "لو رشح الوفد حجراً لفاز"

وبعد حصار معسكر الجيش المصري في الفالوجا بفلسطين في تشرين الأول/أكتوبر 1948، تململ الجيش. وإذا تململ اقتحم المعادلة السياسية، بعبد الناصر أو بغيره. في أقل من ستة أشهر قبل 23 تموز/يوليو 1952 تشكلت أربع حكومات. استقالت حكومة مصطفى النحاس بعد حريق القاهرة في 26 كانون الثاني/يناير. وتلتها حكومة (33 يوماً) برئاسة علي ماهر حتى الأول من آذار/مارس. ثم ترأس أحمد نجيب الهلالي حكومة (123 يوماً) حتى 2 تموز/يوليو. وتشكلت حكومة (20 يوماً) برئاسة حسين سري حتى 22 تموز/يوليو. وترأس أحمد نجيب الهلالي حكومة عمرها يوم واحد. في تلك الرخاوة رأى الجيش أنه المنقذ من الضلال السياسي، وسقطت الملكية بأسرع مما تخيل الضباط.

وبعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 كان مدّ الهوس يؤكد صعود اليمين الديني. لو أتيح لحازم صلاح أبو إسماعيل الترشح للرئاسة لفاز بلا منازع. وكان صديقي الكاتب الماركسي خليل كلفت يثق بأن الجش جنّب مصر حرباً أهلية بإعلان فوز محمد مرسي، أيّاً كان الفائز الحقيقي. في لقاء تلفزيوني لا أنساه سُئل أحمد شفيق: ماذا لو فاز مرسي؟ فقال: "أهنئه وأحترم إرادة الشعب". السؤال نفسه وجه إلى مرسي، فاستنكر السؤال وأجاب: "لن يكون!". أعيد السؤال، فجاءت الإجابة الرافضة لإرادة الشعب وللديمقراطية حين توضع الجماعة في الاختبار: "لن يكون!". رابط الإخوان وأنصارهم في الشوارع والميادين، وهددوا بإحراق مصر لو أتت الديمقراطية بغير مرسي. 

التهديد بإحراق البلاد يتناقض مع غرور المحامي الإخواني صبحي صالح القائل: "لو رشح الإخوان كلباً ميتاً، سوف يفوز"؛ اقتباس بتصرف فج وخشن لقول مصطفى النحاس: "لو رشح الوفد حجراً لفاز". لكن الإخواني أفرغ المقولة من شحنة الثقة، واستبدل باطمئنان النحاس إلى وعي الشعب غطرسة تخلو من الذوق. في المقولة اتهام جارح للإخواني الفائز، ولعلها تذكّر بحتمية تاريخية وسمت مرحلة الفتنة. وقد أبطلتُ صوتي، فالتصويت لشفيق خيانة للثورة، ولمرسي خيانة للمستقبل. وخرجنا من التجربة جرحى، وربما يستمر النزيف بعض الوقت. كان عام الإخوان فاتحة خير، "يوم عرف الإنسان الشيطان كانت فاتحة خير... كانت فاتحة خير بغير مجاز وبغير تسامح في التعبير".


اخترت هذا الاقتباس من كتاب "إبليس" للعقاد، لأنهي به المقال، لكن الشيطان وسوس إليّ بسؤال: ماذا لو فاز "الفريق" أحمد شفيق؟ بأي درجة، أو نوع، كان سيختلف عن أداء "المشير" السيسي؟ كلاهما ينتمي إلى مؤسسة أعلنت، في نهاية حكم الإخوان، أن هذا الشعب الكريم عانى، "ولم يجد من يرفق به، أو يحنو عليه". أعلم أن البحث التاريخي يرفض طرح أداة الشرط "لو"، فما جرى مستحيل تغييره. وقبل الإجابة أتذكر وقائع يوم 2 أيار/مايو 2012، في منطقة العباسية التي شهدت اشتباكات مع محتجين بالقرب من مقر وزارة الدفاع، وسقط قتلى وجرحى. أتذكر أيضا قول شفيق إن أحداث العباسية "عيّـنة". والعيّـنة بيّـنة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard