رحلتي في تغيير قصص الأطفال... من بائسة وكئيبة إلى ثقافية وتنموية

السبت 14 مايو 202202:06 م

هل كانت طفولتنا، نحن جيلَي الثمانينيات والتسعينيات، سعيدة كما نظن، أم أن مآسي إغريقية كانت تُقحم في عقولنا لتشوّه وجداننا الصغير وتعيد تشكيل وعينا البريء ليمتلئ بوحوش مخيفة وقصص غارقة في البؤس؟

لا أظن أنّ أحد هذين الجيلين نجا في طفولته من الأساطير الشعبية القديمة التي رددها الكبار، والتي قد تختلف مسمياتها من دولة عربية لأخرى. ولكن يتشابه مضمونها. فتجد الفكاهة والشمامة وأبو رجل مسلوخة وأمنا الغولة والسلعوة في مصر، وأم الدويس وأم الصبيان والنمنم والسعلاء في دول الخليج، وطنطل في العراق، العظروط في اليمن. 

لم تعلم الجدات أن تلك الأساطير لم تكن مسلية بقدر ما كانت مؤذية لنفسيتنا، كأطفال.

كانت الجدات غالباً ما يحكين لنا تلك الأساطير في طفولتنا. وكان يتم تخويفنا بالجنية الشمامة التي ستأتي لتشمنا ونحن نائمون إذا لم نغسل أيدينا ووجوهنا قبل النوم. وقد يأخذ الأمر منحنى أكثر رعباً فيجري تخويفنا بالغولة أو بأبو رجل مسلوخة إذا لم نكن مطيعين.

لم تعلم الجدات أن تلك الأساطير لم تكن مسلية بقدر ما كانت مؤذية لنفسيتنا، كأطفال. ففي عصرنا هذا تُحذّر الدراسات الأمهات من سرد الأساطير المرعبة على الأطفال لأن خيالهم يتأثر بمثل هذه المرويات، مما يولد لديهم مشكلات نفسية، كالخوف والتوتر، والعدوانية، والاكتئاب، وغيرها.

البطلة تتزوج الأمير دائماً

إن كان هذا الحال مع أساطير الأجداد، فماذا عن أدب الطفل والرسوم المتحركة التي نشأنا عليها؟

إذا تأملناها من منظور الناضجين لا من منظور الأطفال، فسنجد أنّ غالبية القصص والروايات الكلاسيكية العالمية التي تربينا عليها وتحول معظمها إلى أفلام رسوم متحركة أنتجتها شركة "والت ديزني" بين السبعينيات وبداية الألفية الثالثة. تلك الفترة معروفة بكونها كئيبة وسوداوية، أحياناً مخيفة بالنسبة لطفل دون العاشرة. وفي نهاية القصة، تجد نفسك تتساءل ما استفاد الطفل منها؟ فمعظمها تروّج للاعتماد على السحر واللا منطق في حل المشكلات وتعطي قيماً سلبية لا غير!

في قصة الأطفال الأشهر في العالم، سندريلا، نجد أنّ بطلتها فتاة يتيمة بائسة تركت كل ما تملك لزوجة الأب وتحولت إلى خادمة. ورغم وصولها لسن الشباب، لا تبحث عن مخرج منطقي لنفسها ويكون خلاصها بساحرة. وكعادة تلك القصص، فإنها تنتهي بزواج البطلة من الأمير وهو ما لا يحدث في الواقع، ويكرّس فكرة نمطية في عقول الأطفال عن أنّ هدف الفتاة في الحياة هو الزواج من الثري صاحب السلطة. كما تعطي فكرة سطحية عن الوقوع في حب الفتاة الجميلة من النظرة الأولى.

في عصرنا هذا تُحذّر الدراسات الأمهات من سرد الأساطير المرعبة على الأطفال لأن خيالهم يتأثر بمثل هذه المرويات، مما يولد لديهم مشكلات نفسية، كالخوف والتوتر، والعدوانية، والاكتئاب، وغيرها

أما في قصة "سنو وايت"، فسنجد بعض السلوكيات السلبية مثل: دخول بيوت الناس بدون إذنهم، والتعدي على خصوصياتهم، والثقة بالغرباء، والكراهية التي قد تصل إلى محاولات القتل. وتُختتم القصة أيضاً بطريقة سطحية عبثية مشابهة لمثيلاتها، تنتهي بالأمير الذي يرى الأميرة نائمة في تابوتها الزجاجي بفعل التفاحة المسمومة، فيغرم بها على الفور. وحين يُقبّلها، تصحو من غيبوبتها، فيحملها وراءه على حصانه ويأخذها لقصره كي يتزوجا.

وإذا تطرقنا إلى قصتي الجمال النائم وعروس البحر، فسنجد أنهما لا تختلفان عن "سندريلا" و "سنو وايت" في الحبكة البلهاء الساذجة للوقوع في الحب بين فتاة جميلة وأمير ثري ووسيم. وكلتاهما تغرسان فكرة نمطية عن أن النهاية السعيدة ترتبط بالوقوع في الحب من النظرة الأولى والزواج السريع، ليتحول ذلك إلى حلم كل فتاة منذ طفولتها، ويدفعها للوقوع فريسة للاختيارات الخاطئة وقصص الحب الفاشلة. وقد يوقعها في دوامة الإحباط واليأس إن لم تجد الحب على طريقة القصص الكلاسيكية وأفلام ديزني أو تأخر سن زواجها.

نهايات غارقة في البؤس

تعد القصة الدنماركية "بائعة الكبريت" للمؤلف، هانس كريستيان أندرسن، المنشورة عام 1845 من أكثر قصص الأطفال العالمية إثارة للحزن والكآبة، برغم هدفها النبيل في التحذير من العنف ضد الأطفال وعمالة الأطفال. تدور أحداث القصة حول طفلة يتيمة الأبوين تحيا مع جدتها الطيبة التي تموت وتتركها وحيدة. ثم يقوم شخص شرير باستغلالها وتشغيلها في بيع أعواد الكبريت في شوارع المدينة الأوروبية الغارقة في الثلوج. وينتهي بها الأمر بالموت برداً وجوعاً، ليلتفت إليها سكان المدينة القساة غير المبالين، للمرة الأولى، لكن بعد فوات الأوان.

عندما حاولت أن أحكي لأطفالي الصغار إحدى تلك القصص شعرت بمدى كآبتها، فقررت أن أنتقي بعناية ما أقرأه لهم، فالقصص التي نقرأها للصغار تعلق بذاكرتهم وتشكل شخصيتهم.

وتتشابه مأساة "بائعة الكبريت" ونهايتها الغارقة في المأسوية - والتي استهدفت إيقاظ ضمائر الكبار وسبّبت في كآبة بعض الصغار - مع أحداث المسلسل الكرتوني الكلاسيكي "بائع الحليب". في هذا المسلسل، يربي الجد الطيب حفيده اليتيم الأبوين الذي نبذته عائلة الأب الثرية بسبب فقر أمه الريفية. ويواجه الطفل اضطهاداً شديداً يحول بينه وبين صداقة ابنة عمه. ويضطر للعمل في بيع الحليب بعد تدهور صحة الجد الذي يموت ويترك الطفل. يتعرض الطفل للطرد من البيت بسبب عدم دفع بدل الإيجار ويعيش حياة التشرد قبل أن يموت بفعل البرد القارس والجوع في ليلة عاصفة.

عندما حاولت أن أحكي لأطفالي الصغار إحدى تلك القصص شعرت بمدى كآبتها، فقررت أن أنتقي بعناية ما أقرأه لهم، فالقصص التي نقرأها للصغار تعلق بذاكرتهم وتشكل شخصيتهم.

ولكن القصة الأسوأ على الإطلاق والتي اشتريتها "أون لاين" لأطفالي ضمن سلسلة من قصص الأطفال العالمية المترجمة، فكانت تدور حول شابة تزوجت من "كونت" غامض سمح لها بالدخول إلى 99 غرفة في قصره ومنعها من دخول واحدة. ثمّ جعلها الفضول تفتحها لتكتشف أن بداخلها جثث زوجات "الكونت" السابقات. و"الكونت" هو لقب يُطلق على النبلاء والشخصيات الثرية والمرموقة في البلدان الأوروبية. وحينذاك، يحاول قتلها لينقذها أخوها في اللحظة الأخيرة ويقطع رأس الكونت. أي مختلٍ يؤلف قصة مثل هذه للأطفال؟ إنها أسوأ من أن تتحول إلى فيلم رعب رديء.

كتابة أدب الطفل

دفعني شغف طفلي الأكبر بالحكايات منذ كان في عمر الثانية، وخياله الخصب وتساؤلاته، إلى الدخول في مجال الكتابة للطفل. ولكن دخولي جاء بمحض الصدفة، حين طلب مني طفلي أن أحكي له قصة ولم يكن في بالي سوى جزء من قصة ألفتها كاتبة أطفال معروفة. لم أعرف تكملة، فوجدت نفسي أعيد تشكيل الأحداث وأرسم النهاية من وحي خيالي لتعجبَ طفلي.

في تلك الليلة، قررت أن أؤلف قصصاً تربوية هادفة لطفلي الأكبر. أردت حينذاك تعليمه قيم الشعور بالنعم والإحساس بغيرنا ممن حُرِموا من تلك النعم. ثمّ ألفت قصتي الأولى للأطفال "بسام ومنزل الأحلام"، التي تدور أحداثها حول طفل متذمر يرهق والديه بدلاله ويتنمر على طفل فقير مشرد، لكنهما يتبادلان الأدوار في حلم مخيف. لاحقاً يستيقظ الطفل المتذمر وقد تغير تماماً وأصبح ممتناً ومحسناً، وفاجأني طفلي بأنه أحب تلك القصة كثيراً، وراح يطلب مني أن أحكيها له مراراً.

دفعني شغف طفلي الأكبر بالحكايات منذ كان في عمر الثانية، وخياله الخصب وتساؤلاته، إلى الدخول في مجال الكتابة للطفل

وتذكرت جدتي (والدة أمي) حين أرادت تعليمنا حب النظافة والاستحمام حين كنا صغيرات، فألّفت لنا قصة مسلية أسمتها "البطة سوسو"، رغم أنها لم تكن كاتبة ولم تكن من عشاق قراءة الأدب. ولكنّ الجدات يجدنَ سرد القصص بالفطرة.

أردت أن أعلّم طفلي الذي كان وقتذاك في الثالثة من عمره، عن أهمية النظافة، وأن أقدم له معلومات مبسطة عن الجهاز المناعي في جسم الإنسان. لذلك، ألّفت قصتي "عقلة الإصبع والجراثيم". وحين وجدته يتساءل عن النمو، ألّفت له قصة "متى سأكبر؟" التي تناقش رغبة طفلة في أن تكبر سريعاً. ولأعلمه معنى التنمر وأضراره، ألّفت قصتي "السيارة زوبا العجيبة" و"الفيل فلفول والأذن الكبيرة". وليفهم أهمية المياه ألّفت قصة "سامي والماء".

وتوالت قصص الأطفال التي ألفتها لطفلي مشفوعة بجملة قالها لي بصدق: "ماما. أنا بحب القصص بتاعتك أكتر قصص". وفكرت في أن يأخذ الأمر شكلاً أكثر احترافية، فقدمت إحدى تلك القصص لمجلة أطفال شهيرة، لتفاجئني مديرة تحريرها بإعجابها بالقصة ونشرها. ثم أشاد بها عدد من كبار كُتّاب أدب الطفل. ثم تشجعت على تقديم قصص أخرى نُشرت فيما بعد في المجلات. وخرجتُ يومذاك من حالة الإحباط واليأس الناجم عن "حبسة الكتابة" التي لازمتني ثلاث سنوات بسبب تجربتين متتاليتين من الحمل والولادة ثم الاكتئاب.

تلك القصص التي ألّفتها بالأساس لتسلية طفلي الأكبر وتربيته بطريقة حديثة إيجابية، سرعان ما شكلت مجموعتي القصصية الأولى "متى سأكبر"، المكونة من 15 قصة تربوية قصيرة للأطفال في مرحلة المدرسة. لحسن الحظ فازت هذه المجموعة بالمركز الأول في مسابقة مؤسسة هبة بنداري للتنمية 2020، فرع أدب الطفل.

من الممكن أن يصبح الجيل الحالي من الأطفال، وأيضاً الأجيال المقبلة، أكثر جديةً من جيلنا الذي شُوّهت طفولته بأساطير مخيفة وحكايات غارقة في الحزن والبؤس، ليكونوا أكثر وعياً وأملاً وأقل خوفاً وعُقداً نفسية.

وسيط تربوي مهم

خلال السنوات الماضية، دخل أدب الأطفال عالم التربية، وأصبح محط اهتمام علماء النفس والتربويين، باعتباره وسيطاً تربوياً مهماً احتل مكانة كبيرة في البيت والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية الخاصة بالطفولة. وذلك لأهميته بالنسبة إلى الطفل وأهدافه التربوية وقدرته على تكوين شخصية متكاملة ومتوازنة للطفل وتحقيق الثقة بالنفس.

وفي كتابه "أدب الأطفال بين الثقافة والتربية" يؤكد الدكتور عيسى الشماس أن معظم الدراسات الخاصة بثقافة الأطفال تعتبر أدب الأطفال وسيلة ثقافية تربوية فعّالة، ينجذب إليها الأطفال برغبة ويتفاعلون معها بحرية ومتعة.

من الممكن أن يصبح الجيل الحالي من الأطفال، وأيضاً الأجيال المقبلة، أكثر جديةً من جيلنا الذي شُوّهت طفولته بأساطير مخيفة وحكايات غارقة في الحزن والبؤس، ليكونوا أكثر وعياً وأملاً وأقل خوفاً وعُقداً نفسية. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard