شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
الإساءة للآثار الأردنية... عبث وتخريب في حضرة الجهات الرسمية النائمة

الإساءة للآثار الأردنية... عبث وتخريب في حضرة الجهات الرسمية النائمة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الثلاثاء 10 مايو 202204:03 م

في عتمة الليل، فجر الأحد، الثالث من أيار/ مايو، تسلل مجهولون إلى مدينة جرش الأردنية، وكتبوا بالطلاء عدة عبارات غزلية على عمود أثري عمره أكثر من 2400 سنة. 

من تلك العبارات: "بحبك... الله يجمعنا سوا". كذلك رسموا حروفاً أجنبية تدل على أسماء العشاق. وقد آثار هذا الاعتداء ضجة في الشارع الأردني، الذي فتح النار على الجهات الرسمية بسبب غياب الرقابة عن المواقع الأثرية. 

على الفور، أبلغت دائرة الآثار العامة الأجهزة الأمنية للتحقيق في الحادثة ومعرفة المعتدين، واتخاذ الإجراءات المناسبة لردع أمثالهم، تأكيداً لدورها السياحي والتاريخي، وفق تصريحات لمدير العام للآثار العامة فادي البلعاوي، الذي اشار إلى أن الدائرة عالجت بشكل أولي أحد الأعمدة التي تم تشويهها بطلاء رشاش، تمهيداً لإزالته بطرق علمية تأخذ وقتاً وجهداً كبيرين. 

لكن رئيس لجنة السياحة النيابية، النائب ماجد الرواشدة، كان له رأي آخر، إذ حمّل المسؤولية للجهات الرسمية وللمواطن "المخرب"، كما وصفه. ويقول لرصيف22 إن الكاميرات الموجودة في المدينة الأثرية قديمة، ولم تكشف تفاصيل الحادثة بشكل واضح. وحول وجود حراس في المدينة، أكد وجودهم، لكن على البوابة الرئيسية فقط، وليس داخل المدينة، مضيفاً: "كان من المفترض وجود حراس مشاة داخل المدينة وفي جميع المرافق".

في عتمة الليل، تسلل مجهولون إلى مدينة جرش الأردنية، وكتبوا بالطلاء عدة عبارات غزلية على عمود أثري عمره أكثر من 2400 سنة

جرش المدينة الأثرية الذهبية

مدينة جرش من أهم المدن الأثرية في العالم، ويعود تاريخها إلى زمن عهد الإسكندر الكبير في القرن الرابع قبل الميلاد، ولا تزال الشوارع معمدة، والحمامات والمسارح والساحات العامة والأقواس في حالة استثنائية.

داخل أسوار المدينة الباقية، عثر علماء الآثار على أنقاض لمستوطنات يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، مما يدل على الاستيطان البشري في هذا الموقع لأكثر من 7500 سنة.

بلغت المدينة أوج ازدهارها زمن الرومان في بداية القرن الثالث الميلادي، وخلال ذاك العصر الذهبي وصل عدد سكانها إلى قرابة 20,000 نسمة.

كانت مزدهرة زمن الأمويين، إلا أن زلزال الجليل سنة 749 دمر أجزاء كبيرة من المدينة، وأدت الزلازل المتلاحقة، وأهمها زلزال دمشق سنة 847، إلى دمار إضافي أسهم في خرابها.

 وتحتل جرش المركز الثاني بعد البتراء في قائمة أفضل الأماكن المحببة للزيارة في الأردن، وتعدّ مدينة أثرية متكاملة.

 

ليست حادثة جديدة

مدينة جرش واحدة من 15 ألف موقع أثري في الأردن. تعرض سور المدينة الأثري للجرف بغية توسعة الشارع الرابط بين منطقتين، وتناقل الجهات الرسمية المسؤولية في ما بينها.

ليس ذلك فقط، بل تتعرض بعض الآثار لاعتداءات متكررة باستخدام الجرافات من قبل مجهولين بحثاً عن ذهب، وفق حديث المهندس المعماري عمّار خماش.

 ولحق الضرر أيضاً بمحمية دبين (إحدى المحميات الطبيعية في الأردن) في محافظة جرش شمال الأردن، وتعتبر أكثر المناطق جفافاً في العالم التي ينمو فيها الصنوبر الحلبي، وفي العام 2008، تعرضت لحريق أتى على حوالى 90 دونماً من الأشجار الحرجية وقضى على نحو 5670 شجرة (قيقب وسنديان وصنوبر حلبي بعضها تجاوز عمره 80 سنة)، ويقول باحثون إن دبين تحتاج لمئة عام لتعويض خسارتها. 

تتعرض مواقع أثرية أردنية لاعتداءات متكررة باستخدام الجرافات من قبل مجهولين بحثاً عن الذهب

وبعد ذلك سرق منها 100 رأس غزال على فترات متباعدة، رغم وجود ثلاثة أبراج وتسعة حراس في المحمية التي تبلغ مساحتها 200 دونم. 

القصة ذاتها تعود إلى عام 2013، وفُقد أيضاً 132 غزالاً خلال خمسة أشهر، ولم يتم معرفة مصيرها إلى الآن، بحسب تقرير ديوان المحاسبة للعام ذاته. 

آنذاك أحالت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد 15 موظفاً إلى محكمة جرش بعد الانتهاء من التحقيق معهم في قضية سرقة الغزلان، ومنهم اثنان من مديري الزراعة السابقين ومأمور محمية وحراس ومسؤولون. 

وذكرت المصادر أن تهمة السرقة وإهدار المال العام والإهمال الوظيفي هي التهم التي أسندت للمتهمين.

أزمة وعي وليست ثقافة مجتمعية!

في بيان قالت دائرة الآثار العامة إن "الحادثة ممارسة وسلوك فردي سيىء من أشخاص ليس لديهم الوعي بأهمية هذا الموقع الأثري". 

لكن جّل الرحلات المدرسية التي كانت تنطلق من القرى البعيدة في الأردن حطت وسط الآثار، ورغم أن المناهج المدرسية مليئة بالدروس التي تتحدث عن أهمية الحفاظ على التراث والآثار التاريخية، تحصل اعتداءات بين الفينة والأخرى.

تعتبر الآثار في الأردن دلالة على وجود الهوية الأردنية التي نعتز ونفخر بها، إذ تميز الأردن بتاريخه الغني بالحضارات المختلفة، بحسب عالم الآثار الدكتور زيدان كفافي، إلا أنه يرى أن ثمة جهلاً بأهمية الحفاظ على ذلك الموروث التاريخي لدى فئة كبيرة من المجتمع.

حمّل عالم الآثار المسؤولية لجميع الجهات. قال لرصيف22: "إن المسؤولية تبدأ من المنزل ثم المدرسة والجامعة والجهات الرسمية. يجب زيادة الوعي عند أفراد المجتمع بأهمية الأماكن الأثرية. قد نجد تصرفات معيبة خلال رحلاتنا إلى هناك، أبرزها التسلق على الآثار أو رمي القمامة في المكان".

ويضيف كفافي أنه يجب تغليظ العقوبات بحق المعتدين على الآثار العامة أو المحميات الطبيعية لأنها واجهات الأردن الحقيقية أمام السياح والزوار. 

المادة 26 من قانون الآثار الأردني نصت على أنه: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات وبغرامة مالية لا تقل عن 3000 دينار، كل من قام بإتلاف أو تخريب أو تشويه أي آثار بما في ذلك تغيير معالمها أو فصل أي جزء منها أو تحويرها".

 

السياحة ليست ترفاً

 السياحة في المملكة من أهم مصادر الدخل. تصل عائداتها إلى نحو 5.7 مليار دولار عام 2019، وفق أرقام وزارة السياحة، وبلغ عدد زوار الأردن خلال الربع الأول من العام الحالي 780.200. 

وارتفعت عائدات الأردن من الدخل السياحي خلال الربع الأول من العام الحالي 2022 لتتجاوز 633 مليون دينار (829 مليون دولار). 

خلال مارس/ آذار الماضي وصل الدخل السياحي الفعلي إلى 297 مليون دينار (418.9 مليون دولار)، ووصل عدد السياح إلى 381 ألفاً. 

جائحة كورونا أثرت خلال العامين الماضيين على السياحة الأردنية، بشكل عام، وكانت المعضلة الأكبر التي واجهت القطاع، خاصة مع إغلاق البلاد. 

ورغم أن السياحة هي بترول الأردن المهدور، وتشكل مصدر دخل مهم، لكن المشكلات التي تواجه القطاع اليوم باتت "مصدر قلق" للعاملين فيه، بحسب الخبير الاقتصادي، حسام عايش، الذي بيّن أن هناك مشكلة تتمثل في إدارة الصناعة السياحية في المملكة، لأن التكلفة التي يتحملها السائح منصبة على الإقامات في الفنادق وليست موزعة على قطاعات أخرى تخدم العملية السياحية.

 ويضيف: "أصبح السائح ينفق معظم مخصصات زيارته للأردن على الإقامة والتنقل من الفنادق وإليها، وليس على الأنشطة المرافقة للعملية السياحية، كالذهاب إلى المطاعم المختلفة أو شراء السلع والمنتجات الأردنية من مناطق محلية، وهو ما أثر على الحصيلة النهائية للسياحة". 

 على رغم وجود الآلاف من المعالم الآثرية في الأردن، لا يسعك وأنت تزور المملكة إلا أن تشعر بعظمة التاريخ والتراث والحداثة في آن واحد. لذا على الجهات الرسمية  العناية بالتراث والحفاظ على معالمه.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard