"أريده هو لا مهراً يقيّدني".. تونسيات يثرن على المهر كشرط لإتمام الزواج

الثلاثاء 10 مايو 202204:11 م

"يختلف المهر في مسقط رأسي تطاوين (الجنوب)، من أسرة إلى أخرى، وحسب الحالة المادية للأزواج أيضاً. شخصياً، وخلال كتابة عقد زواجي من جزائري سنة 2019، لم أشترط عليه مهراً، لأن غايتي هي العيش بهناء معه، لكنه ومن تلقاء نفسه قدّم لي مبلغ 100 دينار"، تقول سلافة (اسم مستعار)، لرصيف22.

بين القوانين والتشريعات والممارسات الواقعية في المجتمع التونسي، فوارق تبرز وتختلف من شخص إلى آخر، ومن عادات وتقاليد محافظة إلى أخرى، فيتراوح المهر من دينار إلى خمسين ديناراً، ليصل في بعض الأوساط المجتمعية حتى ثلاثة آلاف دينار.

"الفتاة ليست للبيع"

تربّت سلافة منذ الصغر على أن الفتاة ليست للبيع، وأن الزواج قائم على الهناء والعيش بسعادة، "فيمكن أن أشترط على شريكي مهراً قدره ثلاثة آلاف دينار، ثم أتعرض بعد الزواج للضرب والعنف أو يعود إليّ ثملاً. حينها ما فائدة المهر؟ وماذا أفعل به؟"، تضيف.

بالنسبة إليها، فإن الاتفاق والتفاهم مع الشخص الذي تزوجته، والقناعة، هي أساس الزواج، خاصّةً أن عائلتها لم تتدخل ولم تبدِ رأيها، لأنها منحتها وإخوتها حرياتهم في تقرير مصائرهم منذ طفولتهم، كما لا تعنيها آراء الناس، "فلا دخل لهم في طريقة عيشي وفي خياراتي".

"يمكن أن أشترط على شريكي مهراً قدره ثلاثة آلاف دينار، ثم أتعرض بعد الزواج للضرب والعنف أو يعود إليّ ثملاً. حينها ما فائدة المهر؟ وماذا أفعل به؟"

ترى سلافة (47 سنةً)، المهر وعياً وثقافةً لأن الشخص المثقف والواعي لا يرى في النقود هدفاً رئيساً، بل وسيلة فحسب، بالرغم من أن المهر واجب شرعاً، وللمرأة الحرّية في اشتراط ما تريد، "لكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال 'التمس ولو خاتماً من حديد'، لتسهيل الأمر، فليست الفائدة في غلاء المهر بل في نجاح الحياة الزوجية بعد الزواج".

وحسب رأيها، فإن الفتاة التي تشترط مهراً غالياً لإتمام الزواج، "لا تحب زوجها وإنما ترغب في أمواله".

شرط قانوني

يُعدّ المهر شرطاً قانونياً للزواج. إذ يعرّف الفصل 12 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية (قانون الأسرة)، المهر على أنه "كلّ ما كان مباحاً ومقوّماً بمال تصلح تسميته مهراً، وهو ملك للمرأة"، كما يعدّ القانون المهر الذي يقدمه الزوج لزوجته شرطاً من شروط إتمام الزواج، وفق ما ينص عليه الفصل 3 من المجلة.

مجلة الأحوال الشخصية هي مجموعة من القوانين التقدمية التونسية صدرت يوم 13 آب/ أغسطس 1956، ودخلت حيز التنفيذ يوم 1 كانون الثاني/ يناير 1957، وتهدف إلى إقامة المساواة بين الرجل والمرأة في مجالات عدة.

أما الفصل 13 من المجلة، فينصّ على أنه "ليس للزوج أن يجبر المرأة على البناء إذا لم يدفع المهر، ويعدّ المهر بعد البناء ديْناً في الذمة لا يتسنى للمرأة إلا المطالبة به فقط، ولا يترتب عن تعذر الوفاء به الطلاق".

"ذكرى إيجابية للارتباط"

"بالنسبة لي، لا توجد قاعدة تحدّد قيمة المهر، وأراه مسألةً عاديةً، وكل قدير وقدره (كل واحد وإمكانياته)، فثمة من تطلب ديناراً وأخرى عشرةً وأخرى عشرين وأكثر"، تقول سوسن (اسم مستعار)، لرصيف22.

اتفقت سوسن (29 سنةً)، ابنة محافظة سيدي بوزيد (الوسط الغربي)، مع زوجها على منحها يوم كتابة عقد الزواج عشرين ديناراً مبلغاً رمزياً، "وكتبنا اسمينا وتاريخ زواجنا عليها وستبقى ذكرى إيجابيةً لارتباطنا"، تضيف.

بدورها، لم تجبرها أسرتها على طلب مبلغ معيّن من زوجها، والأمر ذاته جرى مع عائلة شريكها، "لم أندم على أني لم أشترط مهراً غالياً، لأن العيش اليومي بتفاهم مع زوجي بمثابة تقديم مهر لي يومياً"، تؤكد.

"لم أندم على أني لم أشترط مهراً غالياً، لأن العيش اليومي بتفاهم مع زوجي بمثابة تقديم مهر لي يومياً". تونسيات يثرن على المهر الغالي

في محافظة صفاقس (الوسط الشرقي)، تقول رباب (اسم مستعار)، لرصيف22، إن نسبةً مهمةً من الأسر تخلت في الوقت الحاضر عن المهر كشرط لإتمام الزواج، "فعندما يكون الطرفان متفاهمَين، يمنح الزوج المبلغ الذي يقدر عليه مهراً لزوجته".

لم تطلب رباب (37 عاماً)، هي الأخرى مهراً من زوجها، ولكنه منحها 50 ديناراً في أثناء كتابة عقد الزواج في البلدية، وتُرجع سبب عدم اشتراطها على شريك حياتها مبلغاً ثميناً إلى تفاهمهما حول كل أمور الزواج وحدود مقدرة كل طرف، "ساعدنا بعضنا البعض، فالمهر بالنسبة إليّ مسألة ثانوية وأهم شيء في الزواج هو التفاهم بين الطرفين".

كما لم تشترط أسرتها مهراً معيناً، ولم تفرض على ابنتها رأيها، "لقد تم كل شيء في حدود المعقول والحمد لله سهّلنا الأمر على بعضنا، لأننا نحب بعضنا والفائدة في الهناء"، تؤكد.

تقدّم الباحثة في علم الاجتماع والناشطة الحقوقية النسوية، نجاة عرعاري، قراءتَين اثنتَين لمسألة المهر.

القراءة الأولى دينية كون المهر "قاعدةً دينيةً بالأساس تَرجع إلى النص الديني في سورة النساء، ويتم تطبيق هذا النص في تونس بشكل رمزي، إذ يقدَّر المهر عند كتابة عقد الزواج في البلدية بدينار واحد، وهو شرط أساسي من شروط إتمام الزواج"، توضح لرصيف22.

مرجعية دينية؟

وتضيف عرعاري أنه يتم ذلك "بالرغم من أن الزواج مدني، ولكن مرجعية مجلة الأحوال الشخصية في تونس مرجعية دينية ترتكز على الأسس الدينية التي تتضمن أركان الزواج ومن بينها الإشهار والمهر".

أما القراءة الثانية، فهي حقوقية نسوية، وترى الباحثة في علم الاجتماع أن الأصل في المهر يقوم على سؤال: "لماذا على الرجل أن يقدّم مهراً للمرأة؟".

تقول إن المهر في هذه الحالة يكون مقابل العصمة، "فالرجال قوّامون على النساء بما أنفقوا والقوامة والعصمة تأتيان أساساً من مسألة الإنفاق، ولكن أصبحت المرأة التونسية في مجتمعنا الذي يتغير ويتطور، تعمل، وقادرةً على الإنفاق على نفسها وحتى على أسرتها، وفي هذه الحالة تغافل النص القانوني نوعاً ما عن مسألة قدرة المرأة على المشاركة في الإنفاق، ما يعني مساواتها مع الرجل في العصمة".

بالرغم من أن الزواج مدني، ولكن مرجعية مجلة الأحوال الشخصية في تونس مرجعية دينية ترتكز على الأسس الدينية التي تتضمن أركان الزواج ومن بينها الإشهار والمهر

وتشير عرعاري، إلى أن الحركات النسوية طالبت في هذه الحالة بإلغاء المهر لأن النساء لسن بحاجة إليه، لأن المسؤولية مشتركة بين الزوجين وبملاءمة مجلة الأحوال الشخصية بما يتماشى مع مبادئ الدستور وفصله الحادي والعشرين الذي يتحدث عن أن "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات"، ومع الاتفاقية الدولية لمناهضة كل أشكال التمييز ضد النساء (اتفاقية سيداو).

"هيمنة ذكورية"

حسب الباحثة في علم الاجتماع، فإن مسألة المهر مقابل العصمة، تعني وجود مسألة هيمنة، مستشهدةً بأحد فصول مجلة الأحوال الشخصية الذي ينص على "أن للأب مسؤولية الأسرة"، مطالبةً بمراجعته "لأن الواقع المعيشي اليوم في تونس القائم على خروج المرأة للعمل يدلّ على أن المسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة".

وتشدد على أن قانون الزواج وعقوده في تونس مدنية، لأنه ليس في تونس مؤخر طلاق مثل دول عربية عدة، "ولكن وفي حال رغب الرجل في ودّ زوجته أو أرادت المرأة أن تشترط وتطلب مهراً غالياً طبقاً للعادات والتقاليد، فتلك كلها ممارسات تعود إلى المجتمعات التقليدية التي على الرجل أن يظهر فيها أنه القادر على الإنفاق على زوجته وعلى تحمل مسؤولية العائلة".

كما تؤكد أن استقلالية المرأة المادية تجعلها تستطيع التنازل عن المهر، كشرط من شروط الزواج، لأن المسؤولية مشتركة و"أساس المعركة مسألة العصمة وهي خاصية مجتمع الهيمنة الذكورية بإعادة إنتاجها عن طريق هذه العادات والتقاليد".

"عرف اجتماعي"

في قراءة دينية لموضوع المهر، يرى الكاتب في الحقل الديني وخطيب الجمعة في كندا، محمد بن جماعة، أن المهر عرفٌ اجتماعي لم يحرّمه الإسلام، ولم يفرضه أيضاً، وهو عند الفقهاء ليس شرطاً من شروط الزواج، ولا ركناً من أركانه، لذلك يصح عقد النكاح من دون تسميته أو استلامه، "وهذا مذهب جمهور الفقهاء"، يقول لرصيف22.

ويوضح أنه جاء في الموسوعة الفقهية، أن "المهر ليس شرطاً في عقد الزواج، ولا ركناً عند جمهور الفقهاء، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، فإذا تم العقد من دون ذكر مهر صحّ باتفاق الجمهور".

ويتابع، قال الله تعالى: "لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً"، ما يعني أن إباحة الطلاق قبل الدخول وقبل فرض صداق، يدل على جواز عدم تسمية المهر في العقد.

في رده على عدّ الفصل 3 من مجلة الأحوال الشخصية، المهر شرطاً من شروط إتمام الزواج، يقول محمد بن جماعة، إنه كان كتب سابقاً "موقفاً مفصلاً حول ضرورة تنقيح المجلة في ما يتعلق بمسألة تفعيل المساواة في الميراث، وتالياً لا أرى مانعاً من تنقيح الفصول المتعلقة بالمهر إن وُجدت"، حسب تعبيره.

وتعليقاً على القراءة النسوية لموضوع المهر والداعية إلى إلغائه، يرى خطيب الجمعة أنه ينطبق عليها ما قاله سابقاً حول المساواة في الميراث، وأنه مطلب مشروع من زاوية الجدل الفقهي الديني، ومن زاوية التأويل المقاصدي للقرآن، ومن زاوية الدولة المدنية المعاصرة. وحسب رأيه، فإن العصمة الزوجية يمكن أن تدخل ضمن المواضيع الجدلية نفسها. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard