"وجدت نفسي في الشارع"... عن الطلاق بعد تقدم العمر في الجزائر

الثلاثاء 10 مايو 202205:00 م

"أدركت اليوم وأنا في العقد السادس من عمري أني أضعتُ زمناً طويلاً، وجدت نفسي وأنا في هذا العمر أتخبّط في العتمة"، هذا ما باحت به الخالة فطيمة (في العقد السادس من عمرها) من مدينة الرغاية الجزائرية، وهي سيّدة مطلقة منذ ستة أشهر تقريباً.

بدأت المعاناة الحقيقة لدى الخالة فطيمة منذ نحو عامين، بعد أن أبلغها زوجها (في العقد السادس من عمره) أنه يريد الزواج من امرأة أخرى تصغرها سناً، بحجة أنها أصبحت نحيلة جداً ومتكاسلة، ولم تعد تهتم بمظهرها الخارجي، وهمّها الوحيد هو مرافقة أبنائها في مسارهم الدراسي، وقضاء أكبر وقت ممكن في المطبخ.

قصص مأساوية

تبكي الخالة بحرقة أيامها التي ذهبت بلا فائدة، وتبكي عمرها الذي ذهب هباء: "تزوجت زواجاً تقليدياً مدبراً من طرف الأهل، كان شريكي يعمل في قطاع السكك الحديدية، وكنّا نقطن في سكن هش، صبرت معه ورافقته حتى نحصل على سكن لائق، وكان هذا بعد 25 سنة زواج".

وتحدثت فطيمة عن المعاملة السيئة التي كان يعاملها بها زوجها: "طوال تلك السنوات كان يعاملني بازدراء وضرب وعنف وسبّ وشتم في بعض الأحيان، غير أنني تحملت من أجل أطفالي، كما أن أبي وأشقائي كانوا يرفضون عودتي إلى بيت أهلي".

وأردفت قائلة: "كدت أن أجن لولا دعم أطفالي لي، لأني ضيعت حلمي وحلمهم بالعيش في سكن لائق يوفر لنا الأمان والراحة والسلام، لأن المرأة وبكل بساطة تجدُ نفسها في الشارع بعد الطلاق، لأن الحضانة تسقط منها".

في الواقع، تنص المادة 65 من قانون الأسرة الجزائري على ما يلي: "تنقضي مدة حضانة الذكر ببلوغه عشر سنوات والأنثى ببلوغها سن الزواج، وفي هذه الحالة يكون له/ا حق الاختيار في كنف أي شخص يعيش، ولا يحق لأي طرف هنا رفع دعوى للمطالبة بالحضانة"، وأرفقت هذه المادة باستثناء لهذا الأصل حيث ورد فيها: "يمكن للقاضي أن يمدد فترة الحضانة بالنسبة للذكر إلى ست عشرة سنة إذا كانت الحاضنة أمّاً لم تتزوج ثانية".

"بقينا على هذه الحال، نعيش تحت ضغوط يومية وصراعات لا تنتهي، إلى أن أبلغني برغبته في الزواج مرة ثانية، وطلب مني إخلاء المنزل، وهو ما حصل فعلاً، فقد باشر إجراءات الطلاق بعد 25 سنة زواج، شاركته فيها في بناء المنزل وتقاسمنا فيها الحلو والمرّ، وبعد أن كبرت وتخطى أطفالي سن الرشد، وجدت نفسي أبحث عن مأوى"

نفس المعاناة تتخبط فيها زهيرة، وهي على مشارف الستين من العمر، إذ طلب منها زوجها إخلاء المنزل والانتقال إلى العيش في بيت آخر مع أولادها، حتى يتسنى له الزواج بأخرى تصغره كثيراً في السن.

روت زهيرة فصول معاناتها بعد أن قرر زوجها الانفصال عنها بعد أن بلغت من الكبر عتياً، وشاب الشعر وتقوس الظهر، فقالت لرصيف22: "لاحظت في البداية تغيّر معاملة زوجي معي من خلال طريقة حديثه معي وتصرفاته، حتى أنه صار شديد العدوانية مع أولادنا".

وأوضحت أن شريكها بات يستخدم الحيل المخادعة، ويلجأ في معظم الأحيان للصمت والتجاهل من أجل إلحاق ضرر نفسي، حتى أنه صار يعتدي جسدياً عليها.

واستكملت في حديثها لرصيف22: "بقينا على هذه الحال، نعيش تحت ضغوط يومية وصراعات لا تنتهي، إلى أن أبلغني برغبته في الزواج مرة ثانية، وطلب مني إخلاء المنزل، وهو ما حصل فعلاً، فقد باشر إجراءات الطلاق بعد 25 سنة زواج، شاركته فيها في بناء المنزل وتقاسمنا فيها الحلو والمرّ، وبعد أن كبرت وتخطى أطفالي سن الرشد، وجدت نفسي أبحث عن مأوى، بعد سقوط الحق في السكن وحتى النفقة، لأن أبنائي تجاوزوا سن الحضانة".

بدورها، كتبت "س. لويزة"، وهي سيدة جزائرية في سن متقدمة من منطقة القبائل، في رسالة نشرتها في وسائل إعلام محلية، ما يلي: "سيدتي، أنا امرأة منهكة تعبة، وصار قلبي مثقلاً بعديد المشاكل التي لم أعثر لها على مخرج، فما ألمّ بي قلب موازين حياتي رأساً على عقب، فبعد جميع التضحيات التي قدمتها لزوجي، والسعادة التي صنعتها بيدي لأنني كنت أعتقد أنها الأكثر دواماً، وجدت نفسي في نهاية المطاف كمن لا قيمة له، لأن رفيق دربي انصاع نحو حبه القديم، وأصبح كالعاشق الولهان في العشرين من العمر".

وأضافت في نص الرسالة: "صحيح أنه لم تربطني أي علاقة قبل زواجنا، غير أنني كنت طيلة سنوات العشرة التي جمعتنا نعم الزوجة والرفيقة، فلم ير مني إلا كل جميل، ولم تنبس شفتاي إلا بكل ما هو طيب له ولعائلته، وقد كنت أنتظر منه التقدير على الأقل".

وأردفت قائلة إنها لمست تغييراً في معاملة زوجها، فصارحته بما يخالج قلبها، غير أنه لم ينف ذلك و"أقرّ بأنه لم يكن لي من الحب شيئاً، ومن أنه لن يفوّت على نفسه فرصة أن يحيا السعادة التي لطالما هفا إليها، ومن أنه سيسرحني حتى يلتمّ شمله على من لم يرغب في غيرها رفيقة درب".

الحلول المتاحة

أعطت البروفيسور سامية بن قوية، وهي محامية جزائرية معتمدة لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، وتشغل منصب رئيسة فرقة بحث حول "حقوق المرأة والطفل"، بمخبر حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ورئيسة فرقة بحث حول الأمن الأسري المعتمدة سنة 2020، أمثلة كثيرة لجزائريات تطلقن بعد أن قضين أعواماً طويلة مع أزواجهنّ، بينهنّ طبيبات ومعلمات وموظفات في الإدارة العمومية، ساهمن بتشييد بيتهن الزوجي، غير أنهنّ لم تذكرن في عقود ملكية السكن (عقود رسمية تعود لصاحب المنزل).

وفي حديثها مع رصيف22، روت بن قوية، واحدة من بين عشرات قضايا الطلاق التي ترافع فيها، والتي تعود لسيدة جزائرية، لها ابنتان في العقد الثاني من عمرهما، قرّر زوجها تطليقها تحت ذريعة عدم احترامها لحقوقه الزوجية، وفي مثل هذه القضايا يسقط عن المرأة حق السكن والنفقة أيضاً، لأن الأولاد تجاوزوا سن الحضانة، رغم أنها ساهمت بشكل أو بآخر في تشييد المسكن الزوجي، غير أن اسمها غير مذكور في عقود ملكية السكن الذي يستحوذ عليه، ما يشير إلى أن المادة 72 من قانون الأسرة تنطوي على الكثير من الغموض والإشكاليات، سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية، فالمادة لم تشر إلى حقوق المرأة بعد سقوط الحضانة.

"بعد جميع التضحيات التي قدمتها لزوجي، والسعادة التي صنعتها بيدي لأنني كنت أعتقد أنها الأكثر دواماً، وجدت نفسي في نهاية المطاف كمن لا قيمة له، لأن رفيق دربي انصاع نحو حبه القديم، وأصبح كالعاشق الولهان في العشرين من العمر"

وتنصّ المادة 72 من قانون الأسرة الجزائري، على أنه في حالة الطلاق يلتزم الزوج بتوفير مسكن ملائم لممارسة الحضانة، وإذ تعذر عليه ذلك فعليه دفع بدل الإيجار، وتبقى الأم الحاضنة في بيت الزوجية حتى تنفيذ الأب للحكم القضائي المتعلق بالسكن.

واقترحت البروفيسور سامية بن قوية استحداث صندوق شبيه بصندوق النفقة في الجزائر، مع الحرص على تفعيله حتى لا يظل مجرد نص تتعزّز به الآليات القانونية ويلقى نفس مصير صندوق النفقة الذي استحدث في يناير/ كانون الثاني 2015، غير أنه لم يفعّل إلى يومنا هذا، وبقي مجرد حبر على ورق.

كذلك شددت المتحدثة على ضرورة أن يكون للزوجة حق في المسكن حتى في حالة الانفصال، وقد يساهم هذا المقترح في تقليص نسبة الطلاق في المجتمع الجزائري.

وبحسب الإحصائيات التي كشفتها مؤخراً وزارة العدل في الجزائر، فإن أرقام الطلاق والخلع بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوزت الحالات 10 آلاف حالة خلع، مقابل 44 ألف حالة طلاق في ظرف ستة أشهر فقط من السنة الجارية، وكشفت وزارة العدل أن حالات الطلاق تعدت 100 ألف خلال سنة ونصف السنة، وفاقت حالات خلع الأزواج.

وكشفت الوزارة إن الخلع تحول إلى ظاهرة مستفحلة في المجتمع الجزائري، رغم أنه كان قبل سنوات من المحرمات، والحالات تُعد على أصابع اليد الواحدة.

وذكرت الوزارة أن حالات فك الرابطة الزوجية عن طريق الطلاق في ارتفاع مخيف بالجزائر، بعد أن بلغت 66 ألفاً في 2020، بارتفاع 800 حالة مقارنة بـ2019، عندما كان عدد الحالات 65 ألفاً، كما شهدت حالات الخلع تصاعداً هي الأخرى، وقدرت في 2019 بأكثر من 13 ألف حالة، لتتجاوز 15 ألف حالة في 2020.

في هذا الصدد، شددت الحقوقية الجزائرية خديجة لعجال، لرصيف22، على أن الوضع الحالي يستدعي تحرّك البرلمان الجزائري لإعادة النظر في المادة 72 من قانون الأسرة الجزائري، لتعزيز الحماية الاجتماعية ودعم هذه الفئة الهشة من المجتمع، من خلال السماح للمرأة المُسنّة بالإقامة بمسكن الزوجية بعد الطلاق، أو توفير سكن ملائم للحاضنة، وإن تعذر ذلك فعليه بدفع بدل الإيجار.

هذا واعتبرت خديجة أن مثل هذه المقترحات قد تقلص رقعة الطلاق في المجتمع الجزائري، وقد تدفع الأزواج للعزوف عن الانفصال، صون العشرة وتفادي ضياع الأبناء وما يترتب على ذلك من آثار سلبية وعواقب وخيمة.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard