"أحمد الله أنني تخلصت منه"... ظاهرة الطلاق المتزايدة في المجتمع السوري

الأربعاء 9 سبتمبر 202002:04 م

يعاني المجتمع السوري منذ اندلاع الحرب من أزمات اجتماعية كثيرة، على رأسها الطلاق، حيث لم يعتد المجتمع على انتشار هذه الظاهرة كثيراً، خاصة وأنه محافظ بأغلبيته، إلا أن ما خلّفته الحرب من كوارث اقتصادية بالمرتبة الأولى ساهمت لحد كبير في تفشي هذه الظاهرة، حيث ازدادت حالات الطلاق، خاصة بين الأوساط الشابة.

وتشير إحصائيات محلية إلى ارتفاع نسبة الطلاق في سوريا بما يقارب 6 بالمئة خلال سنوات الحرب، وإلى أن عدد معاملات الطلاق بالنسبة لعدد معاملات الزواج في ارتفاع مستمر من العام 2011 حتى 2020، وهو أمر أكده عدد من المحامين الذين تحدثنا إليهم، من خلال خبرتهم في العمل بأروقة القصر العدلي والمحاكم ذات الصلة.

الموروثات الاجتماعية سبب أساسي للهيمنة على الأسر الناشئة 

تعتبر الموروثات والعادات الاجتماعية عند بعض العائلات سبباً رئيسياً للهيمنة على الأسر الناشئة وفرض قواعد عليها، مخافة خروج "العريس" عن عادات عائلته، الأمر الذي قد يؤدي في نهاية المطاف لفشل تلك الأسر.

تعتبر الهجرة إلى خارج سوريا أيضاً من الأسباب الجديدة للطلاق في المجتمع السوري.

والأمر ليس محصوراً بمجتمعات الأرياف أو الفئات غير المتعلمة، بل يتعدى ذلك إلى مجتمعات المدينة وأيضاً حملة الشهادات العليا.

في هذا السياق تقول رؤى، وهي شابة في الحادي والعشرين من العمر ومطلقة، لرصيف22: "تمت خطبتي بالشكل التقليدي المتعارف عليه في مجتمعنا الدمشقي. فوالدة العريس كانت تبحث بين المعارف عن عروس مناسبة لابنها، طالبة مواصفات معينة، وهو طبيب يبلغ من العمر 38 عاماً (حلو وشخصية)، وفق تعبير والدته، ويريد زوجة تحت سن العشرين وغير متعلمة، لكنه تنازل وقبل بي رغم أنني في السنة الدراسية الثانية من الجامعة، لأنني جميلة".

بعد الزواج اكتشفت رؤى صفات العريس السيئة، كالتسلط، القمع واحتقار المرأة، حيث كان من الممنوع أن تستقلّ بحياتها الشخصية، ومنذ اليوم الأول تعرضت لتعنيف لفظيٍ قوي منه، وبعد عدة أيام صار ممنوعاً عليها الذهاب للجامعة وإلى منزل والديها: "منعني من ممارسة أبسط حقوقي، ما عجل بقرار الانفصال بعد تعنيف لفظي تلاه تعنيف جسدي. أحمد الله أنني تخلصت منه بعد رفع دعوة تفريق لعلة الشقاق"، تقول الفتاة بأسى.

تشير إحصائيات محلية إلى ارتفاع نسبة الطلاق في سوريا بما يقارب 6 بالمئة خلال سنوات الحرب، وإلى أن عدد معاملات الطلاق بالنسبة لعدد معاملات الزواج في ارتفاع مستمر من العام 2011 حتى 2020

الزواج الثاني مع ازدياد حالات النزوح

شهدت بعض المناطق التي سجلت نسبة استقبال عالية للنازحين، ارتفاع أعداد الزيجات الثانية، الأمر الذي لم يكن مألوفاً في بعض المناطق السورية، ما أدى لارتفاع حالات الطلاق أيضاً، ومنها لأزواج لم يتجاوز عمرهم عشرين عاماً. ويذكر أن عدد النازحين الداخليين في سوريا خلال سنوات الحرب تجاوز ستة ملايين شخص وفق إحصائيات الأمم المتحدة.

تروي السيدة ماجدة ع.، وهي من سكان ريف حماه الغربي، أن فكرة الزواج الثاني لم تكن متداولة في منطقتها قبل اندلاع الحرب، إلا في ظروف استثنائية نادرة، إلا أن الاختلاط بالسكان الجدد القادمين من الأرياف الشرقية السورية قد طرح هذا الخيار وبقوة، خاصة وأن متوسط عمر الزوجة الثانية في مجمل الحالات كان بين 17 و23 عاماً.

تقول ماجدة لرصيف22: "نحن لا نزوج بناتنا تحت سن الخامسة والعشرين، نرسلهن إلى الجامعات وبعد التخرج لكل حادث حديث".

في السياق نفسه تؤكد الطبيبة النسائية هالة ع. من ريف حماه الغربي، ارتياد الزوجات الشابات مع أزواجهن إلى عيادتها، وقد لفت نظرها زواج عدد لا بأس به من رجال منطقتها من "غريبات"، أي من غير منطقتهم، زيجة ثانية.

تقول الطبيبة لرصيف22: "كلنا نعرف بعضنا في هذه المدينة. صرنا نرى آباء يضحون بأسرة كاملة ليتزوجوا مرة ثانية، انطلاقاً من منطق ذكوري بحت، ما يؤدي في معظم الحالات لاستهجان الزوجة الأولى والانفصال عن الزوج".

وكمثال على ذلك يتحدث أحمد ر. وهو تاجر من المنطقة ذاتها ومتزوج من سيدتين: "طلبت زوجتي الطلاق عندما علمت أنني متزوج من أخرى. ما ذنبي أنا إن انخفضت نسبة الرجال في المجتمع، والأهم من ذلك أن الشرع قد حلل تعدد الزوجات".

هذه العقلية لم تكن سائدة في الماضي ضمن هذه المنطقة كما تؤكد الطبيبة، إلا أن التغيير الديموغرافي في سوريا نتيجة الحرب وارتفاع نسبة النساء في المجتمع لتصبح حوالي 60% بعد أن كانت لا تتجاوز الخمسين بالمئة، دفع حتى بالنساء إلى قبول واقع تعدد الزوجات.

أسباب مختلفة للطلاق 

وترجع الخبيرة الاجتماعية فاتن نظام، سبب ازدياد حالات الطلاق إلى عدة عوامل، منها تدهور الأوضاع المادية التي لحقت بالعوائل جراء النزوح، وما ترتب على ذلك من صعوبة تأمين احتياجات الزوجة والأولاد، ما أدى إلى تدهور الحالة الاجتماعية.

تعتبر الهجرة إلى خارج سوريا أيضاً من الأسباب الجديدة للطلاق في المجتمع السوري، وفق حديث فاتن التي تحمل ماجستيراً في علم الاجتماع وهي مدربة دولية معتمدة في اتحاد المدربين العرب، حيث وثِّق عدد كبير من حالات الطلاق بسبب رفض الزوجة للسفر، وهناك أمثلة لرجال سبقوا زوجاتهم وتغيرت أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، ما دفع بهم إلى الطلاق والزواج مباشرة من أجنبية.

وفي السياق نفسه اعتبرت الخبيرة أن نزوح العائلات من منطقة إلى أخرى داخل سوريا من أحد أسباب الطلاق، موضحة أن أساسيات الزواج هو المنزل الذي يعتبر ركناً أساسياً من أركان الاستقرار العائلي، وهنا نجد أن مصروف البيت تحول إلى إيجار للبيت المستأجَر بدلاً من البيت المهدم، ما أدى إلى تردي الأحوال المعيشية وما ينتج عن ذلك من ضغوط نفسية تعجّل الطلاق، حيث شددت المتحدثة على ضرورة التكيف مع المتغيرات الاجتماعية والمادية، على الأخص من طرف الزوجة.

وتضيف المتحدثة بأن الطلاق الغيابي رفع بدوره نسب الطلاق بسبب ارتفاع أعداد المغيبين نتيجة الحرب.

وعن هذه النقطة يوضح المحامي علاء الهيبة لرصيف22، أن قانون الأحوال الشخصية ينص في مادته رقم 109 على أنه "إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب من القاضي التفريق".

ويضيف المحامي في حديثه: "نصف الدعاوى التي ترد إلى مكتبنا سببها غياب الزوج، إما نتيجة فقدانه خلال الحرب وما تبعها من كوارث، وإما بسبب الهجرة ورفض لم شمل الزوجة". 

وهنا يستحضر المتحدث قصة شابة في الخامسة والعشرين من عمرها، قصدت مكتبه السنة الماضية، رغبة في الطلاق من زوجها المفقود منذ العام 2015: "رغم علمها بوفاته غرقاً أثناء محاولته السفر من تركيا إلى ألمانيا بقارب مطاطي، وتأكيد شهود عيان الخبر لها، إلا أن أهل الزوج رفضوا توفيته بشكل قانوني لعدم رؤيتهم جثمانه، وبالتالي عدم اقتناعهم بوفاته. اضطرت الشابة للتقدم بطلب الطلاق حتى تستطيع الزواج مرة أخرى".

ومن أسباب الزواج غير المستقر أيضاً الزواج "على سفر"، تقول الخبيرة الاجتماعية فاتن: "كون أغلب الشباب قد هاجروا، ما يعني أن الارتباط يحدث بشكل سريع وتقليدي قبل السفر فوراً، حيث يجهل كل من الطرفين بعضهما البعض. الخلاصة أن الزواج السريع يؤدي حتماً إلى طلاق سريع".

"رغم علمها بوفاته غرقاً أثناء محاولته السفر من تركيا إلى ألمانيا بقارب مطاطي، وتأكيد شهود عيان الخبر لها، إلا أن أهل الزوج رفضوا توفيته بشكل قانوني لعدم رؤيتهم جثمانه، وبالتالي عدم اقتناعهم بوفاته. اضطرت الشابة للتقدم بطلب الطلاق حتى تستطيع الزواج مرة أخرى"

بعض الحلول الممكنة 

تنصح فاتن نظام بزيارة مراكز الإرشاد النفسي الاجتماعي الموجودة في المحافظات، والتي تساعد على حل مشاكل اضطرابات العلاقة بين الزوجين، وتقدم المساعدة لخلق التوافق ودوام الحياة الزوجية الآمنة، أو بتخفيف الآثار الناتجة عن الطلاق قدر الإمكان، في حال حدوثه. 

وتعترف الخبيرة بأن دور هذه المراكز لم يكن فعالاً بسبب الموروث الاجتماعي المتمثل بالصورة الذهنية السلبية لمرتاديها. وتشير إلى ضرورة تفعيل دورها بشكل أكبر، وأن يكون هناك المزيد من المراكز المعنية بهذا الشأن والمتصلة بعمل المحاكم بشكل مباشر، أثناء مراحل الطلاق والانفصال بين الطرفين.

كما توضح فاتن أهمية الانطلاق من المدارس، عن طريق إطلاق مسرحيات توعوية وإسقاط المعلومة عن طريق اللعب، لبناء حاضر جديد يحاكي مفرزات الحرب، والتوجه نحو طلاب الجامعات لإعطاء محاضرات توعوية توضح الهدف من الزواج، والعمل على إرجاع الصورة المرغوبة والمحبوبة لهذه المؤسسة، وليس الصورة المزيفة التي تبنى على عادات اجتماعية برهنت إخفاقها.

"علينا بناء رؤية مستقبلية تطرح قيماً اجتماعية جديدة تتناسب مع مفرزات الحرب"، تقول، وتؤكد بأن المجتمع سيتقبل هذا الطرح طالما أن هناك حاجة ملحة لذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard