"يعاملونني كأنني منحلة"... معارك نساء مصريات مسيحيات من أجل الطلاق

الأربعاء 12 أغسطس 202002:31 م

"أحببت ابن خالتي منذ كنت في الإعدادية ولم تكن عيناي تبصران سواه، وتمت خطبتنا وزواجنا بعد أن أنهيت الثانوية العامة، لا لأنه أحبني بل بداعي (الاستخسار)، كما قال لي بعد أن انفصلنا. قال بأنه رآني فتاة جميلة وأحبه وخسارة أن أتزوج خارج العائلة، وهو يقول بأن السبب الذي يمنعه من منحي الطلاق الآن هو (الاستخسار) أيضاً". هكذا بدأت ناردين (اسم مستعار)، مسيحية مصرية في نهاية عقدها الثالث، سرد قصتها، منذ زواجها حتى قرارها خوض معركتها القائمة لنيل حريتها والحصول على الطلاق.

ويجدر الذكر في البداية، أن القوانين واللوائح المنظّمة للأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، مثل إجراءات الخطبة والزواج والطلاق والمواريث، تتم وفقاً لنظام ديني. وأهم شروط عقد الزواج أن يكون الزوجان متحدي الدين والملة والطائفة، وأن يتم علناً وفقاً للطقوس الدينية المعروفة بصلاة الإكليل، وإلا كان باطلاً. هذا يعني أن القانون المصري لا يعترف عملياً بالزواج المدني، وأن الكنيسة تملك سلطة قبول أو رفض منح الطلاق للمسيحيين، حيث أنّ الطلاق يتم طبقاً للوائح المنظمة للأحوال الشخصية لكل طائفة وملة مسيحية، وفي حال اختلاف الملة أو الطائفة تطبق أحكام الشريعة الإسلامية.

ناردين أم لثلاثة أطفال، أكبرهم في الثامنة وتوأم في الخامسة، تقطن في القاهرة. انفصلت عن زوجها بعد خياناته التي لم تعد تستطيع حصرها، بحسب تعبيرها، وتضيف: "مثل أي سيدة، كان يجب أن أحاول مرة واثنتان وعشرة، وأقول هذه نزوة ستنتهي ونتخانق ونتصالح..."، لكن بعد ذلك لم تستطع احتمال الإهانة وقلة التقدير والذل والخذلان أكثر من ذلك، فانفصلت عنه منذ ثلاث سنوات، وهو يسكن ويعمل حالياً في مدينة أخرى في السياحة.

أمهلها أربعة أشهر لتنتقل من المنزل الذي يملكه، وهو يعرف جيداً بأنه بذلك يضيق عليها الحياة، لأنه ليس لديها وظيفة تعيل بها نفسها وأولادها، بعد أن جعلها تترك كل الوظائف التي كانت تعمل بها، خاصة وأن عائلتها لا تدعمها. هي تعتبر عائلتها أحد أهم الأسباب فيما هي عليه اليوم، لأنهم يرون بأن عليها احتمال أي شيء على أن تجلب لهم "العار" وتصبح مطلقة.

ترى ناردين بأن الكنيسة لا تستطيع رفض الطلاق في حالتها، لأن هناك "زنا مُثبت" وهو يعترف به. لكن والد أبنائها يضع شرطين صعبين جداً لتنال الطلاق: الأول أن تتكفل هي بنفسها بمصاريف الطلاق، أو أن يتكفل هو بجميع المصاريف على أن تجلب رجلاً ليتزوجها. تقول: "لو فعلت ذلك سأحقق له حلمه بأن يشيع بين الناس بأنني زانية وخائنة، وهذا ما يحاول هو وأخوته إثباته، ولا يستطيعون لأنه ليس حقيقياً".

القانون المصري لا يعترف عملياً بالزواج المدني، والكنيسة تملك سلطة قبول أو رفض منح الطلاق للمسيحيين، حيث أنّ الطلاق يتم طبقاً للوائح المنظمة للأحوال الشخصية لكل طائفة وملة مسيحية، وفي حال اختلاف الملة أو الطائفة تطبق أحكام الشريعة الإسلامية

"خفت عليهم من الإقصاء المجتمعي والوصم"

أما مارينا (اسم مستعار) السيدة الثلاثينية التي تقطن القاهرة، من عائلة مسيحية أيضاً، بدأت حكايتها بالقول: "لم نكن متفقين منذ بداية الزواج، وكان لدينا مشاكل في الإنجاب، فجعلني هذا أسعى بشدة للإنجاب حتى وهبنا الله ابننا آدم. أصبحت المشاكل بيننا تتفاقم حتى انفصلنا ونحن في المنزل ذاته".

ثم أكملت: "بقينا منفصلين لما يقارب السنتين ونحن نعيش في المنزل ذاته. بينما كان الناس يعتقدون بأننا نعيش بسعادة وهناء، كنا نعيش في البيت ذاته كالأغراب. قبل وخلال تلك الفترة كنت أعرف بعلاقاته الكثيرة، حتى أن لديّ إثباتات على خياناته".

وتتابع: "وعندما غادر البيت أخيراً لم أستطع أن أرفع دعوى الطلاق مباشرة، فلقد أصبحت حياتي مشاعاً عاماً: على الجميع التدخل واتخاذ القرار فيما يخص مستقبلي وحياتي، كأن ما لم تستطع خمس سنوات من الزواج إصلاحه يستطيع كل من يهمه الأمر أن يصلحه".

وتكمل حديثها: "وجدت نفسي مجبرة على إقناع المجتمع بأنه من حقي أن أحصل على الطلاق. فعلت ذلك بالحقيقة فقط كيلا يتأذى أياً من أفراد عائلتي، بالأخص أخواتي الصغيرات وابني، وأبي لأنه قسيس. خفت عليهم من الإقصاء المجتمعي والوصم، فأنا لا أريد أن يمس أهلي أي إهانة أو وصم مجتمعي بسببي، لذا أحاول أن أفهم الجميع أدق تفاصيل حياتي لأنال القبول والتأييد، فالطلاق مازال في المجتمع المصري (عيباً)، بالأخص بين المسيحيين".

وتتابع: "لقد تعرضت للكثير من الإقصاء المجتمعي بعدما أعلنت نيتي الحصول على الطلاق، من الصديقات والأقارب والمعارف. بعضهم يعاملونني كأنني منحلة، وبعضهن يخفن أن أخطف أزواجهن منهن، وبعضهم يعاملونني كأنني أم سيئة وسيدة غير محترمة!".

ما زالت النساء المصريات المسيحيات اللواتي يسعين للطلاق يعانين لينلن حريتهن، بينما الأهل والكنيسة والمجتمع يصعبون حياتهن ويضعون العراقيل في طريقهن.

"الكنيسة بعد أن اطلعت على تفاصيل قضيتي، وتأكدوا من رفض الطرف الثاني التصالح أو حتى الجلوس للنقاش مع الكنيسة، أخبروني بأن من حقي الطلاق، ولكن ليس الزواج ثانية". وتتابع: "لا أعرف إذا كنت أريد أن أتزوج ثانية أو إذا كنت أريد إنجاب طفلٍ ثانٍ، ولكنني مؤمنة بأنني الوحيدة التي لديها الحق في اتخاذ هذا القرار".

رفضوا التحدث إليّ

هذه ليست قصص مارينا وناردين لوحدهن، هذه قصص كثير من النساء المصريات المسيحيات اللواتي يعانين في المجتمع فقط لأنهن أردن الطلاق. أقول السيدات، لأن المجتمع الشرقي يعطي الكثير من المساحة والحرية للرجال، ولا يتم وصمهم بعد الطلاق كما يحدث مع النساء. مع ذلك، يبقى الحصول على الطلاق بين المسيحيين في مصر مشقة للرجال والنساء.

وحول هذا الموضوع بالذات، حاولتُ التواصل مع أكثر من فرد من الكنيسة في القاهرة، من بينهم المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ولكنهم رفضوا التحدث إلي، بقولهم بأنه ليس لديهم وقت لهذا الموضوع الآن، أو بأن هذا خارج اختصاصهم الشخصي.

ويجدر الذكر بأنه قد تم تطوير قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر منذ أشهر قليلة، وتم تسهيل إجراءات الطلاق بعض الشيء. لقد كان موضوع "الطلاق" بالذات هو موضع الخلاف الرئيسي بين الطوائف المسيحيّة في إعداد هذا القانون، وتم التغلب على ذلك عن طريق تخصيص بنود مختلفة لكل طائفة.

لا تعترف الكنيسة الكاثوليكية في مصر بالطلاق، ولكن لديها ما يعرف بـ"الانفصال الجسماني"، وهو المصطلح "المستحدث" المذكور في القانون الجديد. فحتى الزنا لا يبرر وقوع الطلاق، ولكنه يؤدي إلى الانفصال الجسماني "حتى يُراجِع الأطراف أنفسهم"، وحتى يكون هناك مجال "للتوبة والغفران".

ولكن على أرض الواقع، وحتى بعد صدور هذا القانون، ما زال أتباع هذه الكنيسة لا يحصلون على تصريح بالزواج مرة ثانية، من منطلق احترام الكنيسة الكاثوليكية لمبدأ الزوجة الواحدة، إلا في حالة بطلان العقد، وهي مشتركة بين الكنائس الثلاث الرئيسية في مصر، إذ تبطل الكنيسة العقد بسبب مرض أخفاه أحد الأطراف قبل الزواج.

أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فقد أقرّت في قانون الأحوال الشخصية الجديد بنداً يسمح بالطلاق وهو "في حالة استحالة العِشرة"، أو ما يسمى "الهجر" بين طرفي العلاقة لمدة 3 سنوات في حالة عدم وجود أطفال، و5 سنوات في حالة وجود أطفال، بالإضافة إلى التطليق بسبب الزنا الفعلي أو الحكمي.

بدورها، تتشدد الكنيسة الإنجيلية باعتبار أن الزنا وتغيير الدين هما السببان الوحيدان للطلاق.

لقد خلق القانون الجديد مشكلة أخرى، حيث لن يُطبق القانون بأثر رجعي على القضايا الحالية في المحاكم، كما أنه يلغي شرطاً هاماً كان يلجأ إليه كثير من الراغبين في الطلاق من المسيحيين، وهو تغيير الملة أو الطائفة.

وحتى لو تم تطبيق هذا القانون، فمن يسعون للطلاق لا يعتبرون مشكلتهم قد حُلت، حيث سيكون عليهم أن ينتظروا على الأقل 5 سنوات، في حال وجود أطفال، ليحصلوا على الطلاق.

ترفض الكنائس أية أشكال بديلة للزواج الديني، باعتبارها ستحدّ من كامل سلطتها على "رعاياها"، متذرعة بأنها تخالف تعاليم المسيحية. لهذه الأسباب، يعتقد إبراهيم إسحاق، الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بأن مسؤولية وضع حلول جذرية لهذه القضية تقع على عاتق مؤسسات الدولة

"لا يجب أن يرتبط حق الزواج بطقوس دينية معينة"

من جهته، يوضح الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إسحاق إبراهيم، لرصيف22، بأن هنالك 12 لائحة تنظم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، حيث أن كل ملة وطائفة دينية لها لائحة خاصة.

منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، طالبت الكنائس بوضع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، لكن مؤسسات الدولة، بحسب ابراهيم، تجاهلت مطالب الكنائس وقطاع كبير من المواطنين الأقباط، وبرزت القضية على السطح إعلامياً مع صدور أحكام من المحكمة الإدارية العليا، تطالب الكنائس بإعطاء تصاريح زواج ثانٍ للمطلقين خلال 2008 و2010، ورفضتها الكنائس بحجة التدخل في شأن ديني.

ويرى إبراهيم أيضاً بأن القانون الجديد للأحوال الشخصية للمسيحيين بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية، يتضمن شروطاً أفضل للطلاق، مقارنة بلائحة 2008 التي وضعها المجلس الملي، إبّان بابوية الأنبا شنودة الثالث، لكن يظل تطبيق هذه الشروط مرهوناً بمدى انفتاح رجال الدين من عدمه، بالإضافة إلى أن بعضها قد يترتب عليه مشاكل أسرية ومجتمعية.

ويرى إبراهيم أيضاً بأن الزواج يعد حقاً اجتماعياً أصيلاً، مسؤولة عنه الدولة قبل المؤسسة الدينية، بل إنه يسبق الأخيرة في النشأة، ومن ثم لا يجب أن يرتبط حق الزواج وتكوين أسرة بممارسة الفرد لطقوس دينية معينة أو لسلطة مؤسسة دينية بعينها، خاصة أنها تريد ممارسة الصلاحيات الممنوحة لها بعيداً عن رقابة القضاء. من حق المسيحي أن يمتلك مسارين للزواج، أولهما مدني وثانيهما ديني، وعلى المواطن أن يختار المسار الذي يحبذه ويريده، حسب تعبيره.

ترفض الكنائس أية أشكال بديلة للزواج الديني، باعتبارها ستحدّ من كامل سلطتها على "رعاياها"، متذرعة بأنها تخالف تعاليم المسيحية. لهذه الأسباب، يعتقد إبراهيم بأن مسؤولية وضع حلول جذرية لهذه القضية تقع على عاتق مؤسسات الدولة، فلا أحد يجادل في حماية استقلالية المؤسسة الدينية وعدم إمكانية إجبارها على تبني رؤى على غير إرادتها، بغض النظر عن رأينا في تلك الرؤى، لكن في الوقت نفسه، المسيحيون مواطنون مصريون والدولة مسؤولة عن حماية حقوقهم.

الرجال "ينالون حريتهم" وهم متزوجون

ما زالت النساء المصريات المسيحيات اللواتي يسعين للطلاق يعانين لينلن حريتهن، بينما الأهل والكنيسة والمجتمع يصعبون حياتهن ويضعون العراقيل في طريقهن.

رحلة الانفصال والطلاق قد تطول لعقد، بينما الرجال ينالون حريتهم حتى وهم متزوجون، فالمجتمع يتيح لهم كل شيء ويحرم السيدات من كل شيء. وقرار الطلاق ليس قرار السيدات لوحدهن، بل قرار "كل من يهمه الأمر" في المجتمع.

هذا الوضع يخلق حاجة ملحة لقانون أحوال شخصية مدني بعيد عن سيطرة الكنيسة، يساعد السيدات على نيل حريتهن وتسوية أحوالهن بالطريقة التي يجدنها أنسب لهن. أما الفكر المجتمعي ورأي الأهل فلا أعتقد بأن تغييره أمر بهذه السهولة، ولكن الأهم أن يكون هناك وعي لدى النساء ليعرفن حقوقهن ويسعين لنيلها، فيفرضنها على المجتمع والأهل، وربما هنالك حاجة أيضاً لمؤسسات مجتمع مدني خالية من التحرش والاستغلال، تساعد تلك النساء على إيجاد وظائف مناسبة لأوضاعهن، لأن الاستقلال المادي هو أول خطوة للاستقلال الفكري والتحرر من سطوة المجتمع والأهل والكنيسة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard