العيد البعيد عنا وعن موتانا

الأربعاء 12 مايو 202104:40 م

بالتدريج نبدأ من سوق إحدى بلدات البقاع، والذي ربما لن يتأثر بقرارات منع التجول الصارمة والعنصرية تجاه اللاجئين، الفئة التي زرعت الحياة، وبثت الروح في أرجاء البلدة فازدهرت الحركة التجارية فيها، وجعلت منها مقصداً لكل شخص من كل حدب وصوب. تتقدم على الأوتستراد الرئيس الواصل دمشق ببيروت، لتتفاجأ على مقربة سبعة كيلومترات تقريباً من نقطة المصنع الحدودية بضوء يسطع من السوق الواقع داخل المدخل الرئيس لهذه البلدة.

ما إن تتقدم خطواتٍ، حتى تُدهش بتحولها إلى جولة في مدينة سورية مختلطة بأصول الناس من باعة ومُبتاعين، من قرى وبلدات ومدن شتى من سورية، يضيع بينهم اللبنانيون والفلسطينون لكثرتهم. لكن لماذا تخص القرارات العنصرية السوريين فقط؟ ثمّ إن القرارات تبقى حبراً على ورق في هذا المكان.

نجح أهالي البلدة في استثمار وجود السوريين فيها، الذين تربطهم بهم علاقات مصاهرة وقرابة متينة منذ عشرات السنين. يسخر أصدقائي من القرارات المرتبطة بالجائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، فتتردد عبارات "الناس نزلت تتفرج على الحظر"، بينما أصوات الباعة لا تكترث لشيء، وتستمر الطقوس في التسويق لمنتجات مكدسة ومخزنة طوال أشهر الحظر والإقفال العام الذي سبق وشهدته البلاد خلال الجائحة. إذاً، هذا هو الموسم لتحقيق بعض الأرباح وتعويض الخسائر المالية، والمفتاح لبيع كل الملابس وتجديدها مطلع الصيف. لكن هل هناك مصادر مالية للمتسوقين؟

على الرغم من الشكوى التي تلهج بها ألسنة وأبصار الناس، إلا أن حركة البيع والشراء مستمرة. ومعظم المبتاعين من ذوي المدخول الشهري المحدود، يجدون فرصة لإدخال السرور إلى خيمهم ومنازلهم وقلوب أطفالهم.

لم يكن مزاجي كالمعتاد أثناء جولتي في السوق، لأشاهد الناس، وأبحث عن الفرح في وجوههم العابسة أمام الأسعار المرتفعة، ولا لأبحث عن العيد وطقوس رمضان كما كنت أفعل

في هذا الصخب، لم يكن مزاجي كالمعتاد أثناء جولتي في السوق، لأشاهد الناس، وأبحث عن الفرح في وجوههم العابسة أمام الأسعار المرتفعة، ولا لأبحث عن العيد وطقوس رمضان كما كنت أفعل، ولا لأضيع بين الألوان الزاهية والأضواء البراقة وضجيج اللحن الصادر من كثافة الناس، والخطوات التي يتسابقون بها لملء الأرصفة والشوارع. لم تكن جولتي لهذا الغرض، إنما كانت لعيادة طبيبي بالقرب من هذا المكان. دخلتها أحمل يدي التي توقفت عن الحركة فجأة، وأصابها الخدر والألم الشديد، كأن صاعقة كهرباء ضربتها وتفحمت. خلال جلسة العلاج عند طبيبي، صرخت حتى تعبت حنجرتي، وخرجت بمجموعة أدوية. اقتربت خطوات لأمشي وأحاول رمي وجعي في السوق. ما ألمّ بيدي هو التهاب في أعصابها، وإعلانها الغضب على نفسي التي لم ترحمها ولم تنتبه وتكترث لما تقوم به.

فجأةً، وبعد أيام من المرض، أدركت الأشياء العديدة التي كنت أقوم بها، من أعمال منزلية، وجلب الحاجيات، وعملي على اللابتوب، وردّي على الهاتف، وحزني المتراكم. في كل مرة أحاول الغرق في كل ما أقوم به، وأشغل نفسي بالكثير من الأشياء، لأُنسيها حجم الدمار الذي حملته من ذكريات جميلة وواقع مرير بدأ يغيّر لون الشعر في رأسي.

أنا من مدينة حدودية جميلة، ربيعها نابض بالزهر والجمال على ضفاف العاصي، صيفها مثمر وضيفها مُكرّم عزيز، وسوقها مركزي يقصده كل من يريد شيئاً من البلدات والقرى المحيطة والبعيدة عن الحدود، أي من البلدات اللبنانية المحاذية. أنا من هناك، أكتب بيد واحدة ثم أستريح، لأكمل حرقة قلب عمرها عشر سنوات. توقفت سنين شبابي في ذاك المكان بينما أبحث عن نفسي الضائعة هنا.

يُقال إنني أنجزت الكثير في تحصيلي الأكاديمي ونشاطي المجتمعي وعملي الخيري وتطوعي ودفاعي عن حقوق اللاجئين. وبنيت العديد من العلاقات مع الأصدقاء والمعارف من كل البلاد. واكتنزت الخبرات المختلفة في العمل الحر وريادة الأعمال والفنون. لكنني لا زلت أبحث عن هويتي الضائعة أو المسلوبة مني. أحاول إيجادها وتضميدها بمساعدة الآخرين: طلبة لا يستطيعون الحصول على أوراق ثبوتية، تلاميذ لا يستطيعون استكمال دراستهم، مرضى يستجدون مساعدةً لدفع فاتورة المشافي، وآخرين منسيّين من أصحاب الأمراض المزمنة والمستعصية.

في كل يوم تصلني عشرات الرسائل من أناس لا أعرفهم، ولا تربطني بهم أي علاقة أو صلة قربى، إلا احتياجاتهم وإرشادي. نساء معنّفات، فتيات مهضومة حقوقهن، شباب بلا عمل، عوائل لا تملك قوت يومها، منظمات لا تعرف المستهدفين من خدماتها، وحالات لا منتهية من متطلبات الحياة، واحتياجات أناس أغرق بها لأواسي نفسي.

لم تبقَ لي من هناك سوى ذكريات طويلة الأمد أصطحبها، فتواسيني في ألمي وغربتي. أرميها في الشوارع هنا، وأستخدمها مخلّصاً لكل تفاصيل الموت والدمار والتهجير التي لحقت بنا

أذكر أن طقوس شهر نيسان/ أبريل جميلة في مدينتي. أحاول البحث عن الحلاوة الحمصية لأشتريها، لا لأنني أحب الحلوى، إنما لأحيي أحد الطقوس بخميس الحلاوة أو خميس الأموات أو خميس البيض، سمّه ما شئت، والذي نحتفل به على التوازي مع مقربة عيد الفصح عند المسيحيين.

أذكر كيف أنزل من مدرستي الثانوية، باتجاه منزلي. أقترب من بوابة الكنيسة، أقف لدقائق أتأمل الشموع والبخور وأغصان الزيتون والأطفال المرتدين ثياباً بيضاء، وأكاليل ورود على رؤوسهم يطوفون بها أرجاء المكان. عندما كبرت قليلاً، كنت أحب شراء صبغة البيض من محل بهارات معروف لدى الجميع وسط السوق. يلوَّن البيض في عيد الأموات (خميس البيض)، وتجتمع العوائل في بيت جدّنا، وتُجلب الحلوى الحمصية الخاصّة، وتوزَّع المأكولات عن روح الأموات.

وعلى مقربة من عيد الفطر، تتسرب روائح أقراص العيد والمعمول من كل المنازل كطقس واجب مع بدء العشر الأخير من رمضان، كما تعلو رائحة الكبّة المشوية من المدينة في وقفة العيد. إذ يقوم جميع الأهالي بهذه التقاليد، كنوع متعارف عليه من المساواة بين الفقراء والأغنياء لئلا يشعر أحد بالنقص.

لم تبقَ لي من هناك سوى ذكريات طويلة الأمد أصطحبها، فتواسيني في ألمي وغربتي. أرميها في الشوارع هنا، وأستخدمها مخلّصاً لكل تفاصيل الموت والدمار والتهجير التي لحقت بنا. أكرر العادات وأذكر الموتى، فتنهال عليّ دعوات الشفاء وأمنيات العافية ورسائل المحبة من الكثيرين الذين عرفتهم في صدف الحاجيات والطلبات والعوز، وتغمرني آيات الشكر المعمّرة لأستند إلى يدي وأستعين بها ببطء. أكمل الكتابة علّ صديقتها المريضة تعاود العمل بشكل أفضل. يتصل بي إخوتي، كلّ من بلده البعيد، وأصدقائي أيضاً. أجلس مع والدتي نترحم على موتانا، فتستذكر والدها الذي غادرنا مطلع رمضان، وأبكي أبي الذي قُتل في رمضان قبل تسع سنوات.

نقرر في سريرتنا الطقوس البديلة المؤنسة لأرواحنا، المفرحة لموتانا، عوضاً عن العيد البعيد عنهم وعن قبورهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard