"أن يشم القارئ رائحة الدم"... أدب نظيف أم "نصوص شاهدة على وقاحتنا"

الثلاثاء 17 مايو 202210:52 ص

تشيع هذه الأيام بين القُراء الجدد من الشباب تصنيف الروايات والأعمال الأدبية، وفقاً لاتساقها أو اختلافها عن قيمهم ومعتقداتهم الأخلاقية والدينية، مُقسّمين الروايات إلى "نظيفة"، وأخرى "غير نظيفة"، أي تخدش الحياء، وتهدم ثوابت وقيم المجتمع.

وتتسع قائمة الروايات غير الأخلاقية بالنسبة لتلك الشريحة من القُرّاء العرب، لتشمل كل ما له علاقة بالجنس، المثلية، الخمور، المخدرات، الشتائم وذكر أسماء الأعضاء الحميمية والتناسلية في جسم الإنسان.

يضع الكاتب وأبطاله أمام المحاكمة الأخلاقية.

ولا تُعد الدعوات المنادية بالأدب النظيف أو الكتابة النظيفة جديدة من نوعها، حيث أنها ما تلبث أن تعود إلى السطح من وقت لآخر في وطننا العربي، وفي الوقت الذي يجد الأدب العربي نفسه بين مطرقة الرقابة وقمع السلطة ،وبين سندان تراجع معدلات القراء وقرصنة الكتب، ليقع أيضاً فريسة لرقابة أخلاقية جديدة من القارئ نفسه، الذي يخوّل لنفسه سلطة قاضي، يضع الكاتب وأبطاله أمام المحاكمة الأخلاقية.

خلال الأيام القليلة الماضية، في شهر مايو/ أيار 2022، تصدر تريند "الروايات النظيفة"، مجموعات القراءة، وتخلل الأوساط الأدبية والثقافية على مواقع التواصل الاجتماعي، مثيراً عاصفة من الجدل، بين مؤيد ومعارض، بالنسبة للقراء، ومحدثاً موجة من السخرية بين الروائيين وكُتاب الأدب.

بالنسبة إلى الروائية السعودية هيلانة الشيخ، مصطلح "الأدب النظيف" هو "محاكاة لمصطلح السينما النظيفة، لكن الغرض مختلف، فلا يمكن أخلقة الأدب في إطار اللّا إباحية، لأن الأدب انعكاس للحالة المُعاشة سياسياً واقتصادياً، ومن عوارضها؛ توظيف الكتابة لجبهة ما".

"اليوم نعاني من الانشطار الأدبي؛ جبهة تقاتل من أجل إعلاء فكرٍ سلفي ووهابي وكتابة داعشية تُجرّم المفردات الخادشة للحياء، وجبهة تنويرية تحارب هذا الفكر المتطرف بدعوة إلى التحرر والانفتاح واستقلالية النص عن أي رادع ديني أو أخلاقي، فسقطت ذائقة القارئ في مصطلحٍ غبي". من وجهة نظر هيلانة، "النظافة تنحصر في مصداقية الكتابة، والأدب فن رفيع يبدأ باللغة التي يستخدمها الكاتب، وينتهي بالقضية الإنسانية، وتمرير مشهد إباحي عند الحاجة الحتمية له من أساسيات الأدب، ومسؤولية الرقابة رفض الانحطاط اللغوي الذي يكتسح الذائقة العربية".

ناشرون خائفون على الرزق

يرفض الأديب التونسي كمال العيادي ما يُعرف بالكتابة النظيفة، كاشفاً أن مجموعته القصصيّة "اعترافات الفتى القيرواني"، التي تدور أحداثها في الأحياء الشعبية الفقيرة بمدينة القيروان، تناولت ما يدور فيها من موبقات وممارسات يوميّة مرعبة وبشعة، من خطايا وإجرام وفواحش واستغلال أطفال وشعوذة وسّحر وخيانة.

"كانت لغتها بلا سقف تقريباً، حتى غلافها كان صادماً، تتصدره صورة بارزة لقطعة من الملابس الدّاخليّة النسائيّة، إلاّ أن الطّبعة الأولى منها نفذت بعد فترة وجيزة للغاية"، بحسب العيادي.

ويوضح العيادي رأيه أكثر: "إننا لا نعني القارئ حين نتحدّث عن الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها، أو ما يُسمّونه بالتابو، بل نشير إلى السُلطة بكلّ أشكالها، بداية من السلطة الأبويّة للمُربيّ والموجّه أو الأخ الأكبر الوصيّ في جميع أشكاله، مُروراً بسلطة النّفاق الاجتماعي ووصولاً إلى سلطة الناشر والمنتج والموزّع، المسكونين بدورهم بهاجس الخوف والتوجّس من سلطة المنع والمصادرة، وقطع الرّزق، وإثارة الزوابع والتوابع الوخيمة العاقبة".

"الأدب الذي يخلو من الجنس، السياسة والدين، ولا يكون ذا محمول نقدي فلسفي، ولو بشكل غير مباشر، هو أدب قليل الأدب"

ويضيف العيادي:" لقد علّمونا الحذر، ونحن نتقاطع مع أحد هذه التابوهات الثلاثة: الدين والسّياسة والجنس، لكنّ الواقع يثبت غير ذلك، فالخطوط الحمراء متشابكة وكثيرة، حتّى باتت تشكّل نسيجاً كاملاً".

ويدعو العيادي إلى إعادة النظر في حدود الخطوط الحمراء، وإلا "سننتهي إلى الصمت الكامل".

"نصوص شاهدة على وقاحتنا"

"لا يوجد شيء اسمه أدب نظيف أو أخلاقي، فالأدب، والرواية تحديداً، صيغة نفي مدونة عن الحياة بكل ما فيها… لا يمكن الكتابة عن القتل دون أن تنتشر رائحة ولون وطعم الدم لدى القارئ"، تقول الروائية اللبنانية نسرين النقوزي.

ولكن ماذا يحدث لو وجدت معايير أخلاقية/ نظيفة للكتابة؟ تجيب: "ستكون هناك نصوص خالية من الحياة، وسيكون لدينا، فقط، نصوص منزوعة الروح، تقف شاهدة على وقاحتنا ككتاب، في زمن كالذي نعيشه".

بحسب تجربة نسرين فإن القارئ يميل للصدق، والذي يأتي عبر الحرية، "والنظرة للأدب بمعايير أخلاقية أو أحكام قيمة مسبقة كفيلة بأن تقيد حرية الكاتب أثناء الجلوس لتدوين نصه".

توضح: "في اللحظة التي أكتب فيها، أكون متحررة من كل رقيب تماماً، وكثير من القراء رفضوا شراء روايتي (المنكوح) بسبب عنوانها، لكني لم ألتفت أيضاً لذلك، لأني أعرف جيداً أنه مع الوقت ستصل روايتي لقارئها، حتى هذا الذي يرفضها".

ولم يؤثر فيها كثيراً الرفض الذي جوبهت به روايتها من دور النشر وبعض القراء، مشددة على أن الكتابة "قضية كل كاتب جاد، لنقد العقل الجامد، خصوصاً في منطقتنا، لذا يجب مواجهة هذا التيار الذي يتحدث عن أدب أخلاقي أو نظيف".

أدب قليل الأدب

يسمي الروائي السوري هوشنك أوسي، التيار المناصر لـ"الأدب النظيف" بـ"السلفية والأصولية" النقدية، ويعرفها بأنها "تحصر الإبداع في السّلف الصّالح من الأدباء والمبدعين، ما خلق بالضّرورة قراءً بذائقة ورؤية فاسدة للأدب، لافتاً إلى أن ذلك لا يقتصر على الميزان والمعيار الديني فقط، الذي يزن بهما بعض النقّاد ذوي الخلفيّات الدينيّة، وكون الأدب ينبغي عليه أن يكون معقّماً اجتماعيّاً، لا يخدش الحياء العام، ولا يناقش أسئلة الحياة والوجود والدين والتراث...الخ، باعتبار أن ذلك تطاولاً على الثوابت والمقدّسات والدين والذات الإلهيّة".

وهناك أيضاً، على الناحية الأخرى، ما يسميها "السلفيّة والأصوليّة المضادّة المتدثّرة برداء الحداثة، ومناهجها ومدارسها النقديّة، التي يرى البعض أنها تجيز هتك كلّ ما هو أصيل، بحجّة التجريب، وأن الإبداع قائم على قتل القديم"، بحسب تعبيره.

ويعتبر أوسي أن الأدب، بين "سلفيتين، الأولى دينيّة اجتماعيّة، قائمة على ذهنيّة التحريم والتجريم، والتعقيم، إلى الحدود القصوى، والثانية، قائمة على ذهنيّة التجريب، والتحديث، حتّى لو كانت الحصيلة التخريب والإتلاف".

ويرى أوسي، في النهاية، أن "الأدب الذي يخلو من الجنس، السياسة، الدين، ولا يكون ذا محمول نقدي فلسفي، ولو بشكل غير مباشر، هو أدب قليل الأدب".

تيارات الإسلام السياسي

لا يستغرب الروائي المصري أدهم العبودي، أن يتمّ تخليق وعي متطرّف تجاه الفن، خاصة مع تغلغل تيارات الإسلام السياسي، التي تخدم أغراضها الانتشارية داخل شرائح وقطاعات مختلفة وواسعة من المجتمع المصري على وجه التحديد.

"مثل هذه التغيّرات كانت وظلت لفترة قريبة نشازاً، ثم استفحلت، كماسورة انفجرت".

"في اللحظة التي أكتب فيها، أكون متحررة من كل رقيب تماماً، وكثير من القراء رفضوا شراء روايتي "المنكوح" بسبب عنوانها، لكني لم ألتفت أيضاً لذلك، لأني أعرف جيداً أنه مع الوقت ستصل روايتي لقارئها حتى هذا الذي يرفضها"

ويحمل العبودي مؤسسات مثل التعليم، ونظيرتها الدينية والمدنية والمجتمعية، قدراً من المسؤولية، يقول: "تلك الجحافل التي انطلقت من منطلقات رقابية وأخلاقية على الفنون المتباينة ومنها الأدب لابد أن يُعاد تأهيلها ثقافياً".

وينفي العبودي بشدة وجود ما يسمى بـ"الفن النظيف" في العموم، لأن من عناصر الفن تلقيه، والتلقي هنا يعني الحرية، ومن شروط التلقي كذلك عدم إطلاق أحكام قيمة أو أحكام أخلاقية، بل يجري الحكم فنياً.

وينهي العبودي حديثه لنا، محذراً: "إننا الآن أمام موجة ضخمة علينا أن نتكاتف كمثقفين من أجل صدها".

نقد الشاعر

الأديب ونتاجه باتا عرضة للنقد السلبي والإيجابي، مع ظهور التطرف والتعصب، وإشكالات مهام الأدب والشعر، وبروز ما يسمى بـ"أخلقة الأدب"، ووضع تصنيفات أخلاقية عليه، كأدب أيروتيكي، وكتابة المواخير. هذا ما تعتقده الشاعرة العراقية رسمية محيبس.

توضح الشاعرة رأيها أكثر: "أصبح الكاتب عرضة للنقد السلبي المباشر، وخاصة حين ينشر نتاجه في وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا ينصب القارئ نفسه رقيباً وموجهاً للأديب، سواء كان عارفاً او جاهلاً، وينعته بالجهل، وقلة الموهبة، والخروج على التابو والمقدس، وتكثر المزاعم بانحدار مستوى الشعر والرواية في عصرنا الحاضر، وانعدام الرؤية الأدبية والمهمة الإنسانية للأدب".

وتنفي محيبس وجود دور يذكر للسلفيين في الواقع الثقافي والأدبي، ولكن المؤلفين "عرضة لمن هب ودب"، خاصة بعد تراجع مسؤوليات مؤسسات الدولة حيال المبدع، في نشر إنتاجه، ودعمه مادياً.

القارئ ناقد وشريك

"القارئ هو التأويل الأصح للنص، والكاتب الذي لا يعي ذلك هو في مشكلة"، تقول الكاتبة والروائية الفلسطينية كاملة محمود الصيداوي.

"لو درسنا ماهية النقد على مر العصور لوجدنا هذا الحيز قد توقف عند مرحلة معينة، ولم يتطور مع النصوص، واكتشفنا أن عملية التداخل والتماهي بين النص ومتلقيه هي مرحلة متطورة. القارئ ثابت، ولكنه أيضاً يحاول التحرك عبر مدارات النص ليلتقط أي فكرة، عكس الكاتب الذي أراد أن يصل لحالة من الوجود من الثبات والاستقرار بعد رحلة عناء وتعب مع الكتابة".

وتشير الصيداوي إلى أن الأدب كغيره من المجالات تغير، وطالته الحداثة، وللرواية النصيب الأكبر من هذا التطور، فـ"طبيعي أيضاً أن يتحول القارئ من مجرد متلقى لناقد مقيم، وخصوصاً في ظل شبكات التواصل الاجتماعي، دون إغفال لخلفيته الثقافية، الاجتماعية، السياسية وحتى الدينية".

تقيّم الصيداوي دور القارئ وتقدره، وتوصي الكاتب أن يتعامل معه كشريك، فـ"المكسب لا يكون إلا بتضافرهما لتستمر عملية الكتابة، وبالتالي إعادة صياغة تجاربنا البشرية كمجتمعات والاستفادة منها".

صراع النفس بين مبدأين: الواقع واللذة

على الصعيد النقدي، يرى الدكتور لونيس بن علي، الباحث وأستاذ النقد الأدبي والأدب المقارن بجامعة "بجاية" في الجزائر، أن سؤال الأخلاق مازال يُزاحم الأسئلة الكُبرى في الأدبِ، ولا يزال بيننا من كتاب الرواية وقرائها ينادون بـ"الروايةِ النظيفةِ، والرواية الطهرانيةِ".

"مفهوم كهذا لا يُمكن تجاهله أو تجاوزه، إننا إزاء معادلة قديمة جديدة هي معادلة الجمال/ الأخلاق، والتي مازالت إلى اليوم تطلّ برأسها في نقاشاتنا الثقافية والأدبية"، يقول لونيس.

ويلفت لونيس إلى أن "قضية أخلقة الأدب، تحوم دائماً حول علاقة الأدب بما يشكل مسكوتاً أخلاقياً في المُجتمع، وعلى رأس هذه الظواهر، علاقة الأدب بالجسد".

التاريخ الثقافي والإبداعي، بحسب لونيس، هو "نتاج صراع نفسي بين مبدأ الواقع ومبدأ اللذة، أما الأدب فهو حالة تسامي وارتقاء للحالة الإنسانية، وتحرير لها من سيطرة الغرائز والرغبات، والتي تتخذ في الأدب شكل رموز واستعارات، ولو أنّ الكثير من الأعمال الفنية والأدبية تجرأت على تمثيل الجسد بكسر اللغة الاستعارية والرمزية، فالتسامي في الأدب هو خلق حالة توازن بين الحالة الجمالية والفنية وبين ما يتطلبه الجسد من رغبات".

وينهي لونيس، حديثه مؤكداً على فكرته: "تكمن قوة الإبداع في قدرته على خلق مسافة جمالية بين ما هو غريزي ووضيع".

يرى الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور ثائر العذارى، أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة واسط، أن علاقة الأدب بالفكر وطيدة، ولكنها تثير الالتباسات.

يوضح: "الأدب وكل نشاط إبداعي يتطلب قدراً كبيراً من الحرية، بينما يضع الفكر حدوداً لتلك الحرية، مؤكداً أن الأيديولوجيا تفسد الأدب والفن لأنها ترسم طريقاً واحداً للإبداع، وتحوله إلى بروباغاندا أو وسيلة تعليمية، ولو كان الرقيب الايديولوجي قادراً على منع كل وسائل الاتصال والمعرفة لفعل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard