شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
مسلسل "للموت"... رسالة إحباط لمجتمع لا يحتاج المزيد لينتحر

مسلسل "للموت"... رسالة إحباط لمجتمع لا يحتاج المزيد لينتحر

ثقافة

الخميس 5 مايو 202202:50 م

تابعت مسلسل "للموت" بجزأيه، الأول الذي عُرض في رمضان 2021، والجزء الثاني الذي يُعرض حالياً. أعترف أنني تابعت المسلسل ليس إطلاقاً لقيمته الفكرية والرسالة المُخزية التي يقدمها، بل لأنني أحب الممثلين، خاصة ماغي أبو غصن ودانيلا رحمة، وطبعاً المبدع محمد الأحمد.

لكنني أؤمن أن كل عمل فني له رسالة، الفن بجميع أشكاله، من كتابة إلى مسرح إلى سينما إلى موسيقا... الخ، له رسالة، هي تحفيز الناس للارتقاء بمستوى حياتهم وتفكيرهم، لتصبح أفضل، إضافة إلى القيمة الإبداعية للعمل الفني.

بالنسبة للسينما والمسلسلات ثمة خطورة في التعلق بالنجوم والتمثل بطريقة حياتهم وأفكارهم، خاصة لدى جيل المراهقين والشباب الذين يمثلون أكثر من 70% من تعداد السكان في العالم العربي.

قصة إنسانية

قصة "للموت" هي قصة إنسانية عن طفلتين (دانيلا رحمة وماغي بو غصن) قسى عليهما الزمن بطريقة وحشية، حيث تخلى الأهل عنهما وعاشتا في الميتم بظروف بائسة جداً، المؤثر هو العلاقة المتينة والحب الكبير بين الطفلتين، وجدان وسحر، وجدان هي دانيلا رحمة، وسحر هي ماغي بوغصن. بحيث تشعر كل منهما أن الأخرى عالمها وتكملها وبأنها الحضن الدافئ الذي يحتضنها في وحشة الميتم. سحر تتحول لأسرة لوجدان تحبها وتحميها، وجدان بدورها تحب سحر، فهي دنياها أمام أهلٍ سفلةٍ، رموها على باب الميتم طفلة صغيرة.

وجدان وسحر اليتيمتان تؤازران بعضهما البعض حتى الموت، وعنوان المسلسل "للموت" يبين من الحلقات الأولى أن الرابط العاطفي والظلم وفقدان العاطفة الذي عانت منه طفلتان تخلت عنهما أسرتاهما ووجدتا نفسيهما في ميتم، هذه العلاقة متينة ولن يخربها أي ظرف. محبة قوية حتى الموت، وهو ما يقوله العنوان.

سحر هي العقل المفكر، حاد الذكاء والشجاع والمُغامر، تُقنع وجدان بالهروب من دار الأيتام، ( في إحدى الحلقات تذكر سحر، عرضاً وبعبارة موجزة، أن والدها اغتصبها وهي طفلة) لا نعرف أيه تفاصيل عن والدها . ألا تتم الإضاءة على هذه الجريمة (اغتصاب أب لطفلته) إطلاقاً يجعل المشاهد يُشكك بمصداقية المسلسل. المصداقية وإحساس الناس بصدق القصة أهم عوامل نجاح أي عمل فني.

تهرب الطفلتان من دار الأيتام، وتعيشان حياة قاسية من جوع وحرمان وتشرد وتحرش، تنامان في مداخل البنايات، وتضطران للسرقة، لكن سحر هي الأقوى والتي تتمتع بعناد وتحدٍ وذكاء، بحيث تبتكر دوماً حلولاً لكل المشكلات التي تعترضهما. وجدان طفلة ساحرة الجمال، وتصير شابة جميلة جداً، تحفّزها سحر على استثمار جمالها ونضارة صباها للإيقاع بالرجال الأثرياء، لتحصلا منهم على أموال طائلة عبر النصب والاحتيال، ويصبح لدى كل منهما رجال أقوياء للحماية وتنفيذ مهمات لا شرعية. تكرر كل من سحر ووجدان طوال ستين حلقة عبارة واحدة دوماً: "لا نعرف إلا هذه الطريقة".

ليست غاية العمل الفني ترسيخ اللاأخلاق والنصب والدعارة بتبرير أنه لا يوجد إلا هذا الطريق أمام من قست عليهم الأيام. مسلسل "للموت" رسالة محبطة لمجتمع لا يحتاج مزيداً من الإحباط

تكررانها بقناعة لدرجة أن الكثير من المشاهدين يتعاطفون معهما، فالحجة قوية: طفلتان مرميتان في دار للأيتام، لا أسرة ولا أمان ولا حماية ولا حضن أم، تهربان من الدار وهما لا تملكان أي سلاح لمواجهة عالم بلا أخلاق ومتنمر، إلا أن تستغلا جمالهما في الإيقاع برجال أثرياء والاحتيال عليهم. لكن ألا توجد إلا تلك الطريقة، أي الاحتيال والخداع والزواج المُخطط له ببراعة الذي ينتهي بنهب ثروة الزوج؟ هل مسلسل "للموت" يُوصل رسالة أن المسحوقين واللقطاء وأطفال الميتم لا طريق لهم سوى خداع الأثرياء؟

السمّ والإحباط

يوجد طرق عديدة للخروج من قاع الظلم والفقر غير الطريقة التي تكرر وجدان وسحر قولها طوال المسلسل: "ما منعرف إلا هالشغلة". لكن وجدان التي تغير اسمها ويصير "ريم"، تقع في حب رجل فاحش الثراء يدعى هادي (محمد الأحمد)، كان من المفترض أن تخدعه، توقعه بحبها ثم تأخذ أمواله لكنها أحبته، الرجل الثري يعشق ريم حتى العبادة ويتزوجها، ويجن جنون سحر، لأن الاتفاق بينهما أن يخططا بذكاء للإيقاع برجال أثرياء، ثم الهروب بعد الاستيلاء على ثروة الرجال. وجدان تعشقه وتبدأ معركة خفية بينها وبين سحر. سحر التي ذكّرتها بأن علاقتهما متينة حتى الموت، وأن الحب ممنوع و"الشغل شغل".

لست بصدد الغوص بتفاصيل المسلسل الكثيرة، لأن غايتي الكشف عن غاية المسلسل، والفكرة التي يريد إيصالها للناس، خاصة لجيل الشباب. وجدان وهي بعمر المراهقة تحمل من شاب لا نعرف عنه شيئاً، وتنجب طفلة تضطر بدورها لأن تضعها في دار الأيتام، لكن سحر، ومن دون علم وجدان، تطلب من أخيها الذي سُجن مراراً، أن يُربي ابنة وجدان مع زوجته الطماعة، ولا تخبر وجدان أن ابنتها تعيش في بيت أخ سحر.

طفلة الاغتصاب ذكية وطموحة، وتعيش مع أم وأب، رغم أنهما يخبرانها أنهما ليسا والديها الحقيقين، لكنها تعتبرهما والديها. الغريب أنه بعد ثلاثين حلقة من المسلسل، أي الجزء الأول منه، نكتشف في الجزء الثاني أن هادي زعيم عصابة تهريب، وصاحب ميليشيا من رجال ينفذون أوامره.

أظن أي متابع لمسلسل "للموت" سوف يتساءل إن كان يجب معرفة هذه المعلومة الهامة من الحلقات الأولى، وليس بعد سنة في الجزء الثاني.

ثمة شخصيات تحسها خارج العمل الفني، لكن تم إقحامها ربما من أجل أن يصير المسلسل ثلاثين حلقة، مثل الشاب الجامعي الفقير محمود، العاطل عن العمل والذي يضطر لسرقة سيارة كي يشتري كرسياً طبياً لوالده. يسجن ثم يخرج من السجن برشوة تدفعها سحر ويصير ملازماً لسحر ويحبها، ثم يقرر الانفصال عن عالمها القذر والعودة إلى حيه الفقير، ليخطب في الناس من شرفة بيته أنه اضطر للسرقة من أجل والده الكسيح، وأنه لم يعد يخاف ولا يبالي إن عاد للسجن. يجتمع أهل الحارة لسماع الموعظة من محمود عن الأخلاق والشجاعة وعن محاربة الفساد، لكن بعد عدة حلقات نجده يشترك مع أرملة جميلة شابة فقيرة، تعمل راقصة في ملهى، والحجة التي تقدمها لأهل الحارة ولأولادها أنها عاملة تنظيف ليلية.

الطريق الوحيد والمضمون للنجاة هو الدعارة للفتيات والتشبيح والقتل والتهريب للشبان. ما الرسالة التي يقدمها مسلسل "للموت"؟

يشارك محمود تلك الراقصة التي تبيع جسدها في التجارة بالبنزين، أي يقوم كل يوم بتعبئة خزان سيارة اشتراها بمساعدتها، وأيضاً يملأ عدة بيدونات كبيرة بالبنزين، ثم يقوم مع صديقته ببيعه في السوق السوداء لتحقيق أرباح كبيرة. تُرى هل من السهولة الاستخفاف بعقل المُشاهد كي يرى محمود الذي أبدع في موعظته عن الأخلاق من شرفة بيته في حارة شعبية معظم سكانها فقراء يعود للتهريب؟ هل الممثل هو ماريونيت يحركها المخرج كما يشاء/ دون أن يبالي بمصداقية العمل واحترام عقل المُشاهد.

إقحام موضوع تجارة البونبون (الكابتاغون) من قبل امرأة مُرعبة، تسيطر على أكثر من عشرين طفلاً مرميين في الشارع، تأمرهم أن يبيعوا حبوب الهلوسة للناس، وتجني أرباحاً كبيرة عن طريق أطفال لا يثيرون الشك. هذا الموضوع يحتاج لمسلس كامل لمعالجته معالجة عميقة: ما ظروف هؤلاء الأطفال؟ كيف تم رميهم في الشارع بدون أن يسأل عنهم أحد، لتستغلهم امرأة بلا قلب وتهددهم بالجوع والتعذيب إن لم يبيعوا كل يوم حبوب الهلوسة.

إقحام وحشو

إقحام تلك القصة المأساوية بتلك العجالة وبسطحية في مسلسل "للموت" يبدو مثل ترقيع ثوب، فالمهم أن يتم ابتكار مواضيع كيفما اتفق، وإلصاقها بمسلسل يحتار المخرج كيف سيجعله ثلاثين حلقة. لكن يبقى السؤال الأهم: ما الرسالة التي يقدمها مسلسل "للموت"؟

الإصرار على أنه لا يوجد سوى تلك الطريقة فكرة كالسم، فكرة شيطانية تسمم عقول الصبايا الفقيرات، والشبان أيضاً الفقراء والعاطلين عن العمل. أي الطريق الوحيد والمضمون لهؤلاء، هو الدعارة للفتيات والتشبيح والقتل والتهريب للشبان. بالكاد نجد شخصاً سوياً أخلاقياً وفكرياً في هذا المسلسل، إلا شخصيات قليلة جداً ملائكية ولا ترتكب خطأ واحداً.

 أؤمن أن من يكتب رواية أو مسلسل عليه أن يكون على إطلاع كبير بعلم النفس، فرسم شخصية ليس خربشة أي كلام على ورق، بل يجب إتقان الغوص في أعماق النفس البشرية، ويعتقد الكثير من كتاب المسلسلات والمخرجين، والأهم المنتجين المتربحين، أن المشاهد ساذج، يرضى ويقتنع بأي عمل يُقدم له، خاصة أنهم يعتمدون على نجومية وحضور بعض الممثلين الموهوبين.

أعرف أن الفقر كافر وأعرف الواقع الوحشي القسوة وذل الجوع والحرمان الذي يدفع لكثير من الفتيات والشبان للانحراف بطرق شتى، وتعاطي المخدرات أو القتل وقبض الثمن من زعيم ميليشيا، هذا كله نعرفه ونلمسه ونراه في الواقع، لكن غاية العمل الفني ليس ترسيخ اللاأخلاق والنصب والدعارة بتبرير أنه لا يوجد إلا هذا الطريق. مسلسل "للموت" رسالة محبطة لمجتمع لا يحتاج مزيداً من الإحباط.

Website by WhiteBeard