منذ اثنتي عشرة سنةً لم "تطأ قدماي" أرض الشام، إلا داخل المسلسلات

الخميس 5 مايو 202204:04 م

لا أتجرأ على فتح المسلسلات السورية القديمة. أشاهد وأنا بين المصدّقة وغير المصدّقة مسلسلات تتحدث عن الواقع السوري. على فيسبوك تعليقات تنتقد وأخرى تقرّظ أحد المسلسلات الرمضانية، ومع هذا أكمل المشاهدة، لا لسبب إلا لأني بدأت به. لماذا بدأت به؟

يلفتني تعليق ساخر في إحدى الصفحات: "لا أدري إن كنت أفضّل العيش أكثر في الواقع أو في مسلسل كسر عضم".

كنت مع صديقة سورية، وقلنا نتقاسم الواقع عبر جرعة تصويرية تدّعي المسافة، المسافة عما يحدث. ادّعاء أوله كثرة عمليات التجميل التي ترفع مستوى الأنوف والخدود، وآخره طريقة المونتاج والتصوير الشديدة الحداثة. أغلب التعليقات المتهكمة محقة، لكن أكمل المشاهدة فقط لأني بدأت بها.

يلفتني تعليق ساخر في إحدى الصفحات: "لا أدري إن كنت أفضّل العيش أكثر في الواقع أو في مسلسل كسر عضم". ربما كانت من حسنات هذا النوع من المسلسلات أنه يحسّن الواقع بطريقة ما، فهل هذه هي الغاية؟ زيادة الوهم؟ التفريغ عبر خلق مرآة من ممثلين وسيمين يقاسون ما نقاسي؟ مرآة سرعان ما تتهشّم عند أول غصة وجع أو عجز باقية لك في الواقع، بينما أنت تشاهد الحفل المقام على شرف نجاح المسلسل؟

تطفو أمامي فوق صفحات اليوتيوب أغاني مسلسلات قديمة، جنريك تستحق التوقف أمامها، لكن لمَ؟ يسألني صديق ما هو المسلسل المفضل لديك لحاتم علي؟ حقيقة لا أذكر، حزنت بسبب موته لكن لا أستطيع تقييم مدى موهبته، وطنيّته أو إعجابي به من عدمه، لقد كوّن ما يشبه الهوية لنا حتى لو كانت مصابةً بخلل فني.

تنطوي أمام عيني مئات الفيديوهات التصويرية والجمل الموسيقية لدمشق التي لم أكن أعرفها مع أنني عشت فيها ست سنوات. دمشق المسلسلات تتموج بطريقة خاطفة من دون أن تترك لك مسافةً لإدراك الذات. تتمنى أن تكون بجمال سلاف فواخرجي في مسلسل "عصي الدمع"، وأن تعيش في بيت جدتها

تنطوي أمام عيني مئات الفيديوهات التصويرية والجمل الموسيقية لدمشق التي لم أكن أعرفها مع أنني عشت فيها ست سنوات. دمشق المسلسلات تتموج بطريقة خاطفة من دون أن تترك لك مسافةً لإدراك الذات. تتمنى أن تكون بجمال سلاف فواخرجي في مسلسل "عصي الدمع"، وأن تعيش في بيت جدتها، وأن تكون محامياً على طريقة عادل في "الفصول الأربعة"، وتتذكر "خالتو ناديا" كمن تتذكر نفسك. لكن حُفرَ تحتك وحملوكَ إلى بلد غريب، لتنقل بعضاً من عدميتك إلى عدم جديد، أنت مضطر إلى تعلم لغته والادعاء بأنك فصيح وكفؤ ومندمج. تندم على شباب باسل خياط في "أحلام كبيرة"، حين تراه لاحقاً يلبس قميص الممثل البارع الصنع في مسلسلات ضخمة الإنتاج. هنا وهناك، تتمنى أن تمسكه بيديه إلى جنة حبك الأول، إلى جنة البراءة التي لم يكن المال حتماً هو الذي يحركها، كما يفعل الآن مع مشاهد البيوت الفخمة والسيارات وثياب الممثلة البديعة الصنع، والحائزة على لقب ملكة جمال لبنان لعام...

أنت التي تتكلمين؟ أنت التي ثابرت على مشاهدة مسابقات ملكات جمال لبنان منذ 1995 حتى صرت مثقلةً بذكريات لا تعنيك؟ أو ربما ابتعدتِ أو نضجت أو فهمت أن ذلك لم يجعلك أجمل ولا ذات جسم رشيق بثوب من تصميم إيلي صعب؟

لذا أصاب بالخوف ما أن أحاول مشاهدة تلك المسلسلات. إنها مرآة في زاوية الغرفة، صندوق فرجتنا الذي ونحن نشاهده كان يشاهدنا ويحمل في داخله جزءاً منا.

مرات كثيرة تمنيتِ أن تكوني دينا عازار، وصار الحلم أجمل منك، كأنه ولدٌ كبر وسافر وصار له جسم امرأة أخرى. "كبرت بالعمر" وصارت هي أيضاً امرأة ناقصة بأحلام انفصلت عنها، وكبرت وصارت نساء أخريات. نسوة يملأن الأرض، متشحات بالسواد لفقد عزيز أو مرتديات أزهى الثياب بسبب مناسبة معنونة بالفرح.

"نهاية رجل شجاع"؛ لا أستطيع لمسه، بالكاد تخرج الشارة من بين أربعة أضلع للشاشة لأتقمص ثوب لبيبة، وفي مرات كثيرة اختلطت علي شخصية لبيبة في المسلسل بشخصية لبيبة في برامج الرسوم المتحركة: واحدة ذكية رشيقة وتستطيع حل كل المشكلات، والأخرى جميلة، سكّرية، تتراكم حولها المشكلات. المسألة تتعلق بمن هم حولك، وبمكان وجودك وخلقك وظروف عيشك، وبمن كتبك وأين وضعك، والأفضل أحياناً أن تكون عبارةً عن تراكم خفّة واختفاء، مجرد رسمة قمنا بتحريكها. مهما يكن، ستعلق بذاكرة المشاهد طالما وضعناك في قفص النظر، بين أربعة حيطان للشاشة. سكّري بجديلتين، تبكي أو تطير، كاللبيبتين.

لا أستطيع لمسه. سببان يمنعانني من فعل ذلك، ويجعلانني أشعر بالخوف من مشاهدة هذا المسلسل. الأول يتعلق بذاكرتي عنه: نشاهده معاً، ويصير رمضان دافئاً داخل الشاشة. صلة وصلنا مع بقية الأمة السورية. خفيف التسيّس، أو ربما هذا ما كنا نعتقده. في القرية لم يكن ثمة طقوس كثيرة لرمضان؛ بعض دعوات العشاء التي لم تكن مكلفةً آنذاك فحسب.

"لا أحد يستطيع دعوة أحد في هذه الأيام"، قالت لي أمي قبل يومين.

لم أكن أحب تلك الدعوات. مجرد مساحة لتناول الطعام وتبادل المجاملات ودفع النساء إلى المطابخ. شعور بثقل كوني امرأةً في جو اجتماعي قائم على فرد موائد الطعام والثرثرة. كنت أنأى عن كثرة الكلام بسبب صمتٍ تلبّسني؛ وكنت كسولةً لناحية أني امرأة وعليّ ممارسة الواجبات المنزلية، من جلي وإعداد طعام وغيرهما، لذا لم يكن قد بقي لي سوى الأكل كملجأ لمشاركة الوحدة؛ مائدة من المشاعر السلبية التي تنبذها الجماعة التي تصنع منها عجينةً للّوك والسخرية.

أدخل في دزينة "الفصول الأربعة" همساً، أنزع نفسي مما أنا عليه. بيوت الشاميين مفتوحة لأهل القرى، حتى وهم في فرنسا ومشتتو الهوية، بيوتهم في المسلسلات على الأقل. زفير طويل تطلقينه لتكتشفي أن النوافذ ليست مفتوحةً صوب أي مكان تشتاقين إليه

لم يبقَ من الموائد سوى الأكل الذي أكسبني وزناً زائداً كبر معي، ثم كبر أكثر مني، لتصير فكرتي عن نفسي هي صورة تلك الطفلة السمينة التي تنالها التعليقات بسبب ذلك، والتي تقارَن بقريباتها الرشيقات، الخفيفات الحركة، النشيطات في أعمال المنزل، بينما أنا علقت مرارة هذا الحكم الاجتماعي السهل الإطلاق على الموائد الرمضانية وغيرها، كخرزة زرقاء على باب بيت الذاكرة، المُقفل، والذي تطل منه مرات وجوه تأكل من وجهي قطعةً كأنه تفاحة، إن أمسكت نفسي بقي كاملاً لامعاً، وإن أفلتت مني دمعة، بكيت ثم نمت. مع ذلك، أحنّ إلى من كان حيّاً آنذاك، إلى صورتنا جالسين كأننا داخل مسلسل رمضاني، كلّ أنهاه على طريقته.

لذا أصاب بالخوف ما أن أحاول مشاهدة تلك المسلسلات. إنها مرآة في زاوية الغرفة، صندوق فرجتنا الذي ونحن نشاهده كان يشاهدنا ويحمل في داخله جزءاً منا.

السبب الثاني يتعلق بأن أيمن زيدان يشبه أبي، أو ربما هو مجرد وهم كونه كان هو وأبي يحملان الملامح ذاتها؛ واحد وراء الشاشة، والآخر مستمر داخل المدى غير المشذب لما يدعى حياتي. والآن انتهى أبي، راقبت من بعيد كيف كبر بسرعة بسبب المرض ومات، كأن من كتب المسلسل قرر وضع نهاية ما لقصتي، وزيادة الحبكة ولفها جيداً حول صورته. أراقب أيمن زيدان بين وقت وآخر، إنه يكبر أيضاً، صار الآن علينا أن نقيّمه بسبب مواقف سياسية وغيرها. أجمّد كل الأسئلة على صورة قديمة له من "أيام الغضب"، وأحاول هزّها، لكن عبثاً لا تخرج ولا ذرة غبار، الذاكرة لامعة، ملونة، مصونة، براقة وتنحت فيك مثل سيل صغير داخل كتلة من صخر لها يدان وساقان... هيا إلى الرقص في رمضان؛ أحرّك يدي إلى الأعلى، فينثني الخصر، وأحرك الورك في الهواء، فينعصر الخصر. أقرّب رأسي لينسدل شعري نحو جاذبية الأرض، وأسمع دقة قلبي بشكل خاطف. ألقي بأسفل البطن إلى الأمام باندفاعة متحمسة تشبه النبضة، تخرج ليرة وتصدر رنيناً على البلاط. حتى هذه الليرة صارت ذكرى. ألفّ رأسي مقلدةً درويشاً يبحث عن شيء ما.

على الجدار، رصاص قديم. مرةً شرحوا لك أنه من صُنع الفرنسيين، وثمة رصاص جديد لم يشرحوه لك بشكل حيادي وسلمي. سمعتهم يفصّلون القصص، كلّ على هواه، من خلف شاشات اليوتيوب وأنت بعيدة.

أدخل في دزينة "الفصول الأربعة" همساً، أنزع نفسي مما أنا عليه. بيوت الشاميين مفتوحة لأهل القرى، حتى وهم في فرنسا ومشتتو الهوية، بيوتهم في المسلسلات على الأقل. زفير طويل تطلقينه لتكتشفي أن النوافذ ليست مفتوحةً صوب أي مكان تشتاقين إليه. هل عليكِ أن تشعري بالاختناق من ذكرى يخلقها مسلسل، أم بالتحرر؟

غير آبهة، تخلعين خفَّيك وتضعين ما يشبه قماشة تغطي الشعر الطويل على رأسك، ثم تجلسين في مقهى النوفرة، كأنك داخل الجامع الأموي، قبالته، الفرق هو كأس الشاي ومرور العابرين.

على الجدار، رصاص قديم. مرةً شرحوا لك أنه من صُنع الفرنسيين، وثمة رصاص جديد لم يشرحوه لك بشكل حيادي وسلمي. سمعتهم يفصّلون القصص، كلّ على هواه، من خلف شاشات اليوتيوب وأنت بعيدة. منذ ما يقرب من اثنتي عشرة سنةً لم "تطأ قدماك" أرض الشام، إلا داخل المسلسلات على بلاتفورمز، مترافقةً مع فيروسات. تتقاسمك مواردك الإلكترونية، وأنت تفصفصين البزر القليلَ الملح، لأنك تشعرين بالعطش ليلاً، وهذا غالباً ما يدفعك للاستيقاظ ومحاولة الاستيعاب فجأةً أنك لست في أي مكان مما كنت تتخيّلين. إنها مجرد مسألة إدارة للوهم فقط، وللممثلين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard