خلطة أحمد مكي... اخترع صندوقك الخاص ثم فكر خارجه

الأحد 1 مايو 202204:00 م


كطاه لا يخطئ مقاديره، دخل الكوميديان المصري أحمد مكي، سباق موسم الدراما الرمضاني، بخلطة كوميدية راهن البعض على فشلها، إلا أنها لم تخيب الظن في انتزاع الضحكات، والتفاعلات اليومية، لينتهي شهر رمضان وقد احتل "مهرجان المزاريطة السينمائي الدولي" لصاحبه "الكبير" رأس قمة الترند.

بخلطة كوميدية، كان بطلها مكي ورفاقه من نجوم الصف الثاني الذين قدمهم بنفسه إلى الجمهور على مدار 6 مواسم، بدأت في 2010، وتوقفت في 2015. سعى مكي إلى التغلب على التغييرات الكبيرة التي طرأت على تركيبة المتلقي المصري، سواء بقوة الإفيهات، وتصميم إسكتشات مبتكرة، تواكب أجيال وجدت ملاذاً آمنا في منصات حديثة كـ"تيك توك"، عبر فيها الشباب العربي عن قدرات تمثيلية مكبوتة، جعلت منهم مشاريع كوميديانات.

ورغم مخاوف فريق العمل وفي مقدمتهم مكي ومخرجه أحمد الجندي وكتيبة المؤلفين، من السقوط في فخ الملل واستنساخ ما سبق، إلا أن مكي ورفاقه كسبوا الرهان مع توالي أحداث المسلسل. تجسد ذك في ذيوع صيت شخصياته، الجديد منها والقديم، وتداول مقاطع الإفيهات على شبكات التواصل الاجتماعي. ليحصل مكي على دفعة قوية لاستكمال موسمه برتم متصاعد وتفاعل كبير، توجت بحشد نجوم السينما المصرية داخل مسلسله عن طريق مهرجان المزاريطة السينمائي.


لا يمكن الحديث عن"الكبير أوي"، المحطة الأنجح في رحلة مكي الفنية، من دون ربطها بسيرة بطلها وقصة صعوده، لمحاولة الإجابة عن سؤال هل يملك أحمد مكي خلطة جعتله يتفوق على كثيرين من نجوم الكوميديا في مصر، منهم القديم الراسخ كمحمد هنيدي وأحمد حلمي، ومنهم من صعد نجمه كالثلاثي أحمد فهمي وشيكو وهشام ماجد أو أعضاء فريق مسرح مصر؟

اقتحم مكي الساحة عقب الثنائي الأول بعشر سنوات على الأقل واستبق ظهور الفريق الآخر بمثلهم، وبين المرحلتين بقي رقماً مهماً في الكوميديا المصرية.

بخلطة كوميدية، كان بطلها مكي ورفاقه من نجوم الصف الثاني، سعى مكي إلى التغلب على التغييرات الكبيرة التي طرأت على تركيبة المتلقي المصري، عبر تصميم إسكتشات مبتكرة تواكب أجيال وجدت ملاذاً آمنا في منصات حديثة كـ"تيك توك"

الإرهاصات الفنية الأولى لمكي كانت إخراجية بحتة، عندما أخرج عدداً من الأفلام القصيرة من بينها "ياباني أصلي" و"الحاسة السابعة"، الأخير إنتاج 2005 من بطولة أحمد الفيشاوي.


ورغم أن الفيلم لم ينجح سينمائيا لكنه ترك بصمة كبيرة في الأوساط الشبابية لاعتماده كوميديا لاذعة تعتمد على الصورة بعيداً عن موجة الإفيهات وكوميديا التنمر و"السخرية من العاهات" اللتان سيطرتا دوماً على الكوميديا المصرية. وتوقع كثيرون أن يواصل مكي مغامراته في الإخراج لكنه شق طريق التمثيل من بوابة الأعمال الصغيرة مع نجوم تصدروا المشهد في بداية الألفية الجديدة مثل علاء ولي الدين وأحمد السقا.

بدأ تعلق الجمهور المصري بمكي بعد تجاوزه مرحلة الأدوار الصغيرة، وتحديدا منذ اختلاقه شخصية "هيثم دبور"، الشاب الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية راقية، حصل على تعليم أهله للحديث بالإنجيلزية بطلاقة، ويمتك غابة من الشعر المجعد فوق جمجته، يطلق الإفيهات مستخدما لغة الجسد والموقف.

تركيبة نجح بها مكي في فرض اسمه على الساحة، أو إعادة تقديم نفسه للساحة الفنية، واستعادها ثلاث مرات، بدأت في مسلسل كوميدي "تامر وشوقية" وفيلم مرجان أحمد مرجان، وأخيرا في أول أفلامه السينمائية "إتش دبور".

قدرة مكي على اختلاق شخصيات هزلية منها الوهمي والواقعي، وضعته في مكانة المشخصاتي المبدع، فهو يصنع عالما للشخصية وليس مجرد تقليد حرفي لشخصيات قابلها في حياته، فحزلقوم الشخصية التي قدمها في "لا تراجع ولا استسلام"، إنتاج 2010، تركيبة بنيوية جديدة لشخص نشأ في حي شعبي لم يحظ بفرصة الترقي في التعليم، يتميز بلون بشرته وطريقة نطقه، وهي شخصية لم يستغن عنها مكي في رحلته مع "الكبير أوي".

يدور مكي في فلك الإنترنت، فهو ابن جيل صنع شعبيته من "النت"، بفضل إتاحة حلقات الكبير أوي على يوتيوب، ما حافظ على ذكرى إفيهاته كل هذه السنوات

بعد نجاحات "إتش دبور" و"طير أنت" و"لا تراجع ولا استسلام"، تراجع مكي خطوات إلى الخلف في "سمير أبو النيل"، إنتاج، 2013، الذي جسد فيه شخصية رجل بخيل يقطن حياً شعبياً، يتسبب بخله الشديد في العديد من المشاكل والمفارقات، وبين ليلة وضحاها يحصل أبو النيل على ثروة أحد أبناء عمومته، حقق بها حلمه بأن يكون شخصية مشهورة بامتلاك قناة فضائية وتأسيس حزب سياسي، في مقاربة لشخصية الإعلامي المصري توفيق عكاشة الذي ذاع صيته عقب ثورة 25 يناير. الفيلم تعرض لانتقادات كبيرة على مستوى النقدي، بسبب اعتماده على كليشيهات، والخلل الكبير في تركيبة أبو النيل، وهو ما عزاه نقاد إلى عدم وجود انسجام بين شخصيات مكي وشخصيات مؤلف الفيلم أيمن بهجت قمر. 


خسائر مكي في السينما عوضتها نجاحاته في "الكبير أوي"، فحتى الجزء الخامس الذي عرض في 2015، ظلت شخصيات الكبير محبوبة عند الجميع، ولعب رفاق مكي دنيا سمير غانم، التي زاملته في أغلب مشروعاته الفنية، ومحمد سلام وهشام إسماعيل، دوراً كبيراً في تلك النجاحات، إلى الدرجة التي جعلت الجمهور ينتقد غيابهم عن أي عمل فني له.

يدور مكي في فلك الإنترنت، فهو ابن جيل صنع شعبيته من "النت"، بفضل إتاحة حلقات الكبير أوي على يوتيوب، ما حافظ على ذكرى إفيهاته كل هذه السنوات، لكن خلطته دائماً لا تخلو من السخرية من الشبكة العنكبوتية، وتسليط الضوء على مشاكلها، وأحياناً أوهامها، كما حدث من قبل بقطع كابل الإنترنت عن القرية، لأن زوجته هدية تقضي وقتاً طويلا في التصفح، خشية أن تفسد الأعمال الرومانسية التي تشاهده هدية، حياته الأسرية مطلقاً الإفيه الشهير " يقطع النت على النتيت على اللي هينتتوا عليه".

 وفي هذا الموسم سلط الكبير الضوء على انتشار صناع المحتوى والمؤثرين، ولهاثهم وراء المشاهدات مستخدمين سبلاً "غير أخلاقية"، من خلال الصراع الذي نشب بين "هدرس" و"جوني" من أجل حصد المشاهدات.

يعتبر الناقد الفني خالد محمود أن الجزء السادس من الكبير أوي هو أنجح أجزاء المسلسل، لأسباب عزاها إلى قدرة مكي على مفاجأة جمهوره باستمرار، وتقديم شخصيات جديدة في مجتمع المزاريطة.

يبين محمود، في حديثه لرصيف22، أن مكي رغم امتلاكه رصيداً جماهيرياً كبيراً، لكنه احتاج أن يفاجئ الجمهور في كل حلقة حتى يحصل على إعجابهم واستمرارهم، وهو ما تحقق بالفعل، لأنه اعتمد على شخصيات جديدة من الموهوبين، لمست قلوب الجماهير وتفاعلت معها مثل "مربوحة- نفادي- العترة" ومنحهم فرصة إلى دخول عالم الكبير، وهو ما يصفه محمود بالتحدي الذي يحسب لمكي برهانه على وجوه جديدة.

ويشير الناقد الفني إلى أن المواقف الكوميدية طغت على النجوم أنفسهم، وظهر مكي نفسه كمايسترو للعمل الفني ككل، واتسم أداؤاه بالنضج الكبير، فهو بات يمتلك خلطة حقيقية ظهرت في بداية ظهوره مع عادل إمام بشخصية دبور بفيلم مرجان أحمد مرجان، وقدرته على التلوين والتقمص عبر ثلاث شخصيات، حقق لكل منها نجاحاً خاصاً، "حتى وصل إلى مرحلة أنه يحمل على عاتقه عبء الكوميديا في الوطن العربي"، ويحسب له أيضا إشراك عدد كبير من الكتاب الذين يجيدون الكتابة للكوميديا.

ما ساعد مكي أيضا خلو الساحة من الأعمال الكوميدية البارزة، فبات هو العمل الكوميدي الأساسي، وتوقيت عرضه عقب الإفطار مباشرة، تزامناً مع برنامج رامز جلال منحه الضوء الأخضر للانتصار.

يرجح الكاتب آدم ميكوي، الذي شارك في ورشة كتابة مسلسل "خلصانة بشياكة"، إنتاج 2017، والذي تقاسم مكي بطولته مع شيكو وهشام ماجد، حفاظ الكوميديان الشاب على نجاحه طوال هذه السنوات، إلى عمله بشكل مؤسسي، فهو ليس مجرد فرد بطل يؤدي أدواره، إنما يحمل على عاتقه نجاح العمل، لذا يفرد مساحات لجميع أفراد العمل، ليس فقط الممثلين، ويحرص على أن يكون جزءا من الكتابة والإخراج وليس التمثيل فقط.

يشبه مكي في تفاصيله عادل إمام، بحسب تعبير ميكوي، فهو أحد أبناء مدرسة العمل الفني المتكامل التي يكون فيها البطل هو المايسترو، ينسب له الإخفاق قبل النجاح.

من هنا نفهم الإشادة التي يحصل عليها أبطال أعمال مكي، فمحمد سلام، الذي يؤدي شخصية "هدرس"، على سبيل المثال ترس أساسي في هذه المنظومة، وما إن انضم عضو جديد مثل رحمة أحمد "مربوحة" إلى فريق المزاريطة نالت حظها من الإشادة، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة قائد العمل.

"كوميديا مكي قريبة من الواقع  حتى لو كان الإطار فنتازي فهو حريص أن يكون الجمهور قريب من الأحداث التي يراها بعينه ويتفاعل معها" يقول ميكوي لرصيف22، وهو ما يلمسه الجمور باستمرار في الكبير أوي، فالأحداث التي تعيشها القرية الافتراضية، بما فيها الإفيهات، هي شديدة الواقعية،  بينما يتحدث أن تجربته الوحيدة مع مكي في الكتابة مسلسل "خلصانة بشياكة" لم تسر على خطى الكبير أوي، بسبب وجود فريق يميل إلى الواقعية يمثله مكي وآخر يميل إلى الفانتازيا يمثله شيكو وهشام ماجد.

يلفت ميكوي إلى أن كوميديا مكي أقرب إلى الكباريه السياسي، وهو نمط مسرحي يستخدم في النقد السياسي للسلطة، يسلط فيه كتاب المسرحية الضوء على قضايا تثير اهتمام الرأي العام بطريقة هزلية، لكن مع الاختلاف أن مكي لا يتقاطع مسرحه مع القضايا السياسية، لذا من الممكن أن نطلق عليه "كباريه اجتماعي" فهو يقدم نقداً للثقاقات والعادات عند مجتمع الصعايدة، ويسلط الضوء على قضايا واقعية آنية مثل ما جاء في حلقات الأنلفونسر والمستريح.

يقارب الناقد الفني آدم ميكوي بين ما يقدمه مكي وما قدمه نجيب الريحاني في الربع الأول من القرن العشرين، فالأخير قدمت فرقته استعراضات موسيقية غنائية فكاهية في صورة لوحات انتقادية هزلية ساخرة للأحداث الاجتماعية، من خلال شخصيات نمطية كاريكاتورية مثل شخصية كشكش بيه، عمدة كفر البلاص.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard