أمجد يوسف ونجيب الحلبي ليسا وحدهما... روايات توثّق القتلة من التضامن إلى الحراك وصيدنايا

الأحد 1 مايو 202202:21 م

كانت المشاهد التي ظهر فيها اثنان من جلادي رئيس النظام السوري بشار الأسد، أمجد يوسف ونجيب الحلبي، في حي التضامن جنوب دمشق، كفيلةً بأن يستعيد السوريون ذاكرتهم القريبة، ليعيشوا مجدداً عشرات المجازر، وتذكّر مجرمين مرّوا في حياتهم طوال سنوات وساقوا آلاف المدنيين نحو حتفهم من دون أن يجدوا من يوقفهم، على الرغم من اتفاق العالم المزعوم وإجماعه على أن ما يجري في سوريا جرائم غير مسبوقة.

لا أحد يعلم إن كان تاريخ نشر "الغارديان" البريطانية لتقريرها الجديد، والذي قام به باحثان سوريان، في نيسان/ أبريل الحالي، والمتضمن مشاهد مصورةً لأحد ضباط أمن نظام الأسد وهو يقتاد 41 مدنياً بينهم نساء، ليعدمهم ثم يقوم بإحراق جثثهم مصادفةً، فالجريمة نفسها وقعت في نيسان/ أبريل من العام 2013، على يد عناصر الفرع 227، "فرع المنطقة"، التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية، بعد قيامهم بعزل حي التضامن جنوب دمشق، وتنفيذ عملية إعدام جماعي وحرق جثث الضحايا في حفرة أُعدت مسبقاً لذلك.

حي التضامن

من المهم التعرف على حي التضامن، الذي يوصف بأنه سوريا المصغرة، فهو يقع جنوب دمشق ويفصل بين مخيم اليرموك ومدينة دمشق، وتسكنه مكونات عرقية ودينية مختلفة، كانت السبب بعد اندلاع الثورة السورية في 2011، في إفراز مواقف متباينة بين أبنائه، منهم من وقفوا في صف الثورة، وقسم آخر قام بتشكيل ميليشيات مسلحة تابعة للنظام لقمع الثوار.

وفي مطلع 2012، قام النظام بإلحاق مختلف ميليشيات الشبيحة في سوريا به بشكل رسمي تحت مسمّى "قوات الدفاع الوطني"، ومُنحت هذه المجموعات صلاحيات كبيرة في إقامة الحواجز ونقاط التفتيش، وتنفيذ عمليات اعتقال وقتل خارج نطاق القانون.

في مطلع 2012، قام النظام بإلحاق مختلف ميليشيات الشبيحة في سوريا به بشكل رسمي تحت مسمّى "قوات الدفاع الوطني"، ومارست شتّى أنواع القتل والتنكيل

كانت مجزرة التضامن التي وقعت في نيسان/ أبريل 2013، لتكون مخفيةً حتى الآن، لولا الصدفة التي شاءت أن يحصل أحد عناصر الأمن على أشرطة مصورة تبيّن المجزرة، واستطاع بعد هروبه في رحلة استمرت لنحو ثلاث سنوات، أن يوصلها إلى ناشطَين في فرنسا، استطاعا بالتعاون مع صحيفة "الغارديان" البريطانية، توثيق الجريمة بشكل كامل ودقيق، وباعتراف صريح من مرتكبها الرئيسي.

بتاريخ 16 نيسان/ أبريل 2013، قام كل من أمجد يوسف ونجيب الحلبي، بإعدام 41 مدنياً عبر إلقائهم في حفرة كبيرة تُظهر المشاهد أنها أُعدت مسبقاً، وفُرشت أرضها بإطارات السيارات، ثم تم إطلاق النار عليها تباعاً، بعدها أُحرقت جثثهم.

نُفّذت المجزرة في يوم واحد، وبشكل وصفه التقرير بأنه اعتيادي، من دون أن يكون هناك أي تعاطف من منفذيها مع الضحايا الذين استغاث بعضهم بعد سقوطهم في الحفرة، كما لم تُسمَع من مرتكبي المجزرة سوى كلمات مثل "قوم وطلاع وإمشي وأركض"، في إيحاء للضحايا معصوبي الأعين بأنهم يمرون من منطقة فيها أحد القناصين، لم يكونوا مدركين أنهم يساقون إلى حتفهم حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم.

كما توضح مشاهد المجزرة، أن مدة اعتقال الضحايا قبل إعدامهم كانت قصيرةً، وذلك من خلال لباسهم المدني الذي لم يكن متّسخاً ما يدلّ على اعتقال معظمهم من منازلهم أو على الحواجز، كما لم تظهر عليهم آثار تعذيب، أو هزال في الجسم، كما اعتاد أن يظهر المعتقلون في مراكز احتجاز النظام.

لم تقتصر الضحايا على الرجال، بل كان من ضمنهم سبع نساء، ست منهن يرتدين الحجاب واللباس الذي يدل على أنهن مسلمات، حسب التقرير، ولم تشفع استغاثة بعضهن لدى القاتل الذي نعتهن بألفاظ قبيحة للغاية قبل أن يطلق عليهن النار.

استطاع الناشطون الذين حصلوا على مشاهد الفيديو، ومن بينهم الناشطة أنصار شحود، استدراج المسؤول عن المجزرة أمجد يوسف، من خلال انتحال شخصية فتاة موالية للنظام عبر حساب فيسبوك، واعترف بعد محادثات استمرت لأشهر بقتل الكثير من الأشخاص، إذ قال في إحدى المحادثات: "لقد انتقمت. أنا لا أكذب عليكِ. لقد انتقمت. لقد قتلت. لقد قتلت كثيراً. قتلت كثيراً، ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم"، وأضاف في تعليقه على فيديو مجزرة التضامن: "أنا فخور باللي عملته".

جزّارو التضامن

أمجد يوسف، قائد المجزرة، من مواليد 1986، في قرية نبع الطيب التابعة لمنطقة الغاب في وسط غرب سوريا، تربّى على معتقد والده، أحد أهم شيوخ الطائفة العلوية في سوريا، والتحق بمدرسة المخابرات العسكرية في منطقة ميسلون في 2004، وخضع لدورة مدتها تسعة أشهر، ليلتحق بعدها كمحقق بفرع المنطقة رقم "227"، التابع لشعبة المخابرات العسكرية والمسؤول عن دمشق وريفها. وبعد انطلاق الثورة، تم تعيينه مسؤولاً عن قيادة العمليات العسكرية وخطوط الجبهات في جنوب دمشق بين عامي 2011 و2021، في منطقتَي التضامن واليرموك.

أمجد يوسف، قائد المجزرة، من مواليد 1986، في قرية نبع الطيب التابعة لمنطقة الغاب في وسط غرب سوريا، تربّى على معتقد والده، أحد أهم شيوخ الطائفة العلوية في سوريا

نجيب الحلبي، وهو شريك أمجد يوسف في المجزرة، من سكان حي التضامن، ويُعرف بـ"أبو وليم"، وهو ابن لعائلة درزية نازحة من الجولان المحتل، كان مديراً لأحد الملاهي الليلية في حي باب شرقي قبل 2011، وهو أول من أنشأ ميليشيا مسلحة، "شبيحة"، في التضامن، وتُعدّ خبرته في حفر الخنادق والأنفاق سبباً لتزكيته أمام القيادة الأمنية في المنطقة، وسبباً لاستدعائه للمشاركة في الإعدامات الميدانية. قُتل نجيب في العام 2015، في أثتاء حفر أحد الخنادق على جبهة التضامن، من دون أن يتم تحديد كيف قُتل أو الجهة التي قامت بقتله.

وبالإضافة إلى يوسف والحلبي، هناك قتلة آخرون في التضامن لم يظهروا في المجزرة، لكنهم ارتكبوا جرائم لا تقلّ بشاعةً عنها، أبرزهم، فادي أحمد المعروف بـ"فادي صقر"، والذي كان مسجوناً قبل الثورة، وقيل إنه قتل أحد المسجونين معه، ليخرج بعد انطلاق الثورة بعفو رئاسي خاص، بسبب خبرته الإجرامية، وأسس مجموعةً من الشبيحة وشوهد مرات عدة يهاجم المتظاهرين بنفسه بالسلاح الأبيض، كما ظهر برفقة بشار الأسد أكثر من مرة في ريف دمشق.

وهناك صالح الراس، الملقب بـ"أبو منتجب"، من حي التضامن، وهو في العقد الخامس من عمره، أُطلق عليه لقب "هتلر سوريا"، إذ استطاع بث الرعب في التضامن والمناطق المحيطة به، وهو متّهم بالعديد من جرائم الاغتصاب، بحسب التقرير الذي أعدته صحيفة الجمهورية حول المجزرة.

لم تكن هذه المجموعة هي الوحيدة، فعلى مساحة الأرض السورية انتشرت مجموعات مماثلة مارست أشد أنواع الإجرام بحق المدنيين خاصةً خلال عمليات الاقتحام والمداهمة.

مجزرة الحراك

بتاريخ 18 آب/ أغسطس 2012، اقتحمت قوات الكتيبة 159 ميكا التابعة للواء 52 الموجود قرب مدينة الحراك، المدينة، إذ صادف يوم الاقتحام أول أيام عيد الفطر، وشن عناصر الكتيبة، يرافقهم عناصر من الأمن العسكري حملة دهم وتفتيش واسعة، تخلّلها ارتكاب مجزرة في المدينة، استمرت على مدى أربعة أيام، استخدم فيها عناصر النظام أساليب بشعةً.

ويُعدّ كلّ من العقيد الركن مالك كامل ضرغام، والنقيب غدير معلا من الكتيبة نفسها، والملازم أول رامي مهنا، وهو من ضباط هذه الكتيبة، المسؤولين المباشرين عن المجزرة، والتي رواها شهود عيان، وتم الحصول على المعلومات منهم بطريقة خاصة، مع الاحتفاظ بأسمائهم سريةً للحفاظ على أمانهم.

بحسب الشاهد (س)، من أهالي مدينة الحراك، والذي كان ممن تم اعتقالهم خلال الاقتحام، وكان شاهداً على هذه الجرائم، خلال اقتياده مع معتقلين آخرين ضمن المدينة، فإن مالك ضرغام هو الرجل الأول في اللواء 52 المسؤول عن قتل المدنيين وقمعهم، وهو المسؤول عن الحواجز التي كانت متمركزةً في بلدة الحراك، والتي كانت مركز اعتقال وتعذيب ويساعده في ذلك كل من النقيب غدير معلا والملازم أول رامي مهنا.

ويروي (س)، أنه شاهد عناصر العقيد مالك ضرغام، وهم يعتقلون ثلاثة شبان من الحي الذي يسكنه، وتم إعدامهم رمياً بالرصاص بعد أن اقتادوهم وهم مكبّلين ومعصوبي الأعين إلى الحي الشرقي من المدينة، بجانب محل تجاري بالقرب من طريق المليحة الشرقية، وتم إعدامهم هناك، وهم: عبد الكريم محمود قداح ويعمل صيدلانياً، وشادي محمود قداح، ومحمد محمود قداح، وهم أشقاء، ويضيف أن "ضرغام لم يكتفِ بهؤلاء الثلاثة، بل قام بمساعدة غدير معلا، بإحراق كل من، الشيخ عبد المنعم عبد المولى قداح، والطفل ناصر القداح، بالإضافة إلى قنص كل من الشاب محمد وليد كسابرة والطفل إبراهيم محمد القداح".

في اليوم الثاني من الاقتحام، قام غدير معلا، بحرق الشيخ عبدو عليوي قومان، البالغ من العمر 90 عاماً في منزله حيث قام بسكب مادة البنزين عليه وأشعله حياً

ويضيف الشاهد (س)، أنه "في اليوم الثاني من الاقتحام، قام غدير معلا، بحرق الشيخ عبدو عليوي قومان، البالغ من العمر 90 عاماً في منزله حيث قام بسكب مادة البنزين عليه وأشعله حياً، كما أقدم على قتل كل من ناصر يونس الحريري، وباسل يونس الحريري نحراً بالسكين، وأقدم على تقطيع أوصالهم في الاقتحام عينه والتمثيل بجثثهم".

كما قام معلا، بذبح طفلين شقيقين لا يتجاوزان من العمر 10 سنوات، وهما أحمد مصطفى حمادي، ومحمد مصطفى حمادي، وحاولت والدة الطفلين التوسل لمعلا كي يترك الأطفال، إلا أنه لم يستجب لها، وقام بقتلهما أمامها.

وأضاف الشاهد، أن "كلاً من غدير معلا، ورامي مهنا، قاموا باعتقال مجموعة من الشبان واصطحابهم إلى محل أدوات منزلية ويحمل هذا المحل اسم "البلخي للأدوات المنزلية"، وقاما بإعدامهم بالرصاص، وهم: حسن علي الزعبي، ومحمد علي الزعبي، وخالد علي الزعبي، وعبد الرزاق علي الزعبي، وبشار صالح الزعبي، وأحمد صالح الزعبي، مشيراً إلى أن هذه الجريمة وقعت في حي الجامع الكبير الذي كان المكان الرئيسي للمظاهرات في بدايات الثورة.

تنكيل وإعدامات

وفي السياق نفسه، وخلال الاقتحام، قام العقيد ضرغام يرافقه الملازم رامي مهنا، بمداهمة منزل خالد محمد حسين أبو صافي، حيث قام مهنا بأمر من ضرغام بإعدام أبو صافي ميدانياً، بإطلاق ثلاث رصاصات على رأسه، أمام زوجته وأطفاله الصغار، كما قام بحبس كل أفراد العائلة في غرفة من غرف منزلهم تطل على الشارع العام، وقام بتوجيه عربة "بي إم بي"، وتم إطلاق قذيفتين لكن الإصابة لم تكن دقيقةً وأصيبت الأم والأطفال الستة بشظايا.

لم يترك ضرغام ومن معه حتى الكبار في السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، فخلال الاقتحام، دخل ضرغام إلى منزل عبد المجيد مرعي أبو صافي، والبالغ من العمر 80 عاماً، وأطلق رصاصات عدة على قدميه وساقيه، ولم يتمكن أحد من إسعافه ما أدى إلى وفاته في اليوم التالي نتيجة النزف، كما قام ضرغام باعتقال كل من راكان عبد الله الزعبي البالغ من العمر أربعين عاماً، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، وطفله محمود البالغ من العمر 11 عاماً، إذ قام بإحراق الطفل حياً أمام والده، وبعدها أقدم مالك ضرغام على كسر رأس الأب راكان بالساطور إلى نصفين، وقام بقية العناصر بتقطيع جثته إلى قطع عدة تم جمعها لاحقاً ودفنها.

وخلال الاقتحام، كانت النساء هدفاً للقنص من قبل مجموعة العقيد ضرغام، وخاصةً رامي مهنا، الذي قام بقنص العديد من النساء، ومنهن مها الحريري، وهي أم لسبعة أولاد ما أدى إلى موتها.

خرج أحمد وابنه في اليوم الثاني من اقتحام درعا من أحد الأقبية التي كانا يختبئان فيها، وذهبا إلى منزلهما ليريا ما حل به، وفوجئا بوجود العقيد ضرغام الذي قال لهما بلهجته: "جيتوا ولّا الهوى رماكم"، حيث قام العناصر بسكب مادة البنزين عليهما وحرقهما حيَّين

الشاهد (ع)، من مدينة الحراك، وكان شاهداً على بعض الجرائم خلال تخفّيه في المدينة، يروي أن اثنين من جيرانه، خلال الاقتحام، وهما أحمد الكسابرة 60 عاماً، وابنه ثابت، في العقد الثالث من العمر، خرجا في اليوم الثاني من الاقتحام من أحد الأقبية التي كانا يختبئان فيها، وذهبا إلى منزلهما ليريا ما حل به، وفوجئا بوجود العقيد ضرغام الذي قال لهما بلهجته: "جيتوا ولّا الهوى رماكم"، فأمر عناصره بتكبيلهما وعصب أعينهما، ثم تم اقتيادهما إلى محل تجاري بجانب المنزل تعود ملكيته لسيدة تُدعى أم علي أبو سالم، وقام العناصر بسكب مادة البنزين عليهما وحرقهما حيَّين، ولاحقاً، تمّ التعرف إلى بقايا جثتيهما من خلال بعض أسنان أحمد كسابرة "المعدنية".

والأطفال أيضاً

رواية أخرى، لشاهد ثالث من مدينة الحراك، كان مُحتجزاً في إحدى السيارات التابعة للكتيبة، يتحدث فيها عن قيام رامي مهنا باعتقال الطفل رسلان إسماعيل التركماني خلال وجوده مع أمه، وقام مع عناصره بذبحه أمام والدته، في الطريق بجانب الجامع الكبير في المدينة.

كما قام عناصر الكتيبة، باعتقال كل من الشقيقين، عبد الناصر موسى القداح، وحافظ موسى القداح من منزلهما الذي يأوي والدتهما المسنة، وقاموا بذبحهما ثم حرق جثتيهما، كما قاموا بذبح المسن صبري نزال القداح وعمره نحو 80 سنةً داخل منزله.

لاحقاً تم نقل هؤلاء الضباط من اللواء 52 في مدينة الحراك إلى مناطق أخرى، وهو أسلوب اعتمده النظام بنقل الضباط خاصةً من عُرف عنهم ارتكاب مجازر في مناطق معيّنة إلى قطع عسكرية أخرى، وغالباً ما تكون بعيدةً عن الأماكن التي عملوا فيها.

لم تكن مجزرتا، التضامن والحراك، هما الوحيدتان اللتان نُفّذتا بطريقة بشعة، فهناك العديد من المجازر التي نفذها ضباط النظام وقادة ميليشياته وحتى ميليشيات تابعة لإيران وعلى رأسها حزب الله اللبناني، كان أيضاً من أبرزها مجزرة بانياس في العام 2013، والتي ارتُكبت بتحريض وتنفيذ من معراج أورال، والذي ينحدر من أصل تركي، ومن الموالين لنظام الأسد، والتي راح ضحيتها عشرات السوريين قتلاً، بإطلاق النار من قرب، وباستخدام حراب البنادق، وأُطلق عليه لقب جزار بانياس على إثر تلك المجزرة.

صيدنايا ومجازر المعتقلين

في نهاية العام 2018، نشرت صحيفة الواشنطن بوست، تحقيقاً أظهر ازدياداً كبيراً في وتيرة الموت في سجن صيدنايا، الذي عدّه التحقيق أسوأ سجن في العالم، وتحدث عن عمليات إعدام يتم تنفيذها على نطاق واسع في السجن، بحسب معتقلين، حيث تبدأ جولات السجانين أيام الثلاثاء للمناداة على أسماء المعتقلين المدوّنة في قوائم الموت، فتطرق أبواب المهاجع المعدنية ويتم الصراخ على المعتقلين للالتفات بوجوههم نحو الجدار، ليتم سحب كل معتقل سيتم إعدامه.

ارتُكبت مجزرة بانياس في العام 2013، بتحريض وتنفيذ من معراج أورال، والذي ينحدر من أصل تركي، ومن الموالين لنظام الأسد، والتي راح ضحيتها عشرات السوريين قتلاً

وتحدث التقرير حينها عن أن نظام الأسد كان يسرّع في تلك الفترة وتيرة عمليات الإعدام في سجن صيدنايا، بالاعتماد على قضاة عسكريين، إذ لم يكتفِ النظام بالمعتقلين الموجودين في السجن نفسه، بل كان ينقل معتقلين من جميع أنحاء سوريا إلى سجن صيدنايا، بحيث تُعقَد لهم محاكمات في أقبية السجن، وتتم تصفيتهم قبل الفجر.

وأشار التحقيق، إلى تضاؤل عدد المعتقلين، في تلك الفترة، في السجن الذي كان يتراوح عدد المعتقلين فيه ما بين عشرة وعشرين ألف معتقل، بسبب عمليات الإعدام التي لم تتوقف، حتى أن قسماً واحداً على الأقل من السجن أصبح خاوياً بالكامل بسبب تصفية المعتقلين فيه.

كما لفت إلى دور المحكمة الميدانية في فرع الشرطة العسكرية في دمشق، والتي ازداد فيها معدل أحكام الإعدام، إذ يروي أحد المفرج عنهم أنه حكم في جلسة واحدة على جميع المعتقلين الموجودين بالإعدام، وكانت الأحكام تُتلى بصوت مرتفع.

وبيّن التحقيق، أن العديد من المعتقلين كانوا يموتون قبل الوصول إلى حبل المشنقة، بسبب سوء التغذية، أو الإهمال الطبي، أو الاعتداء الجسدي، مشيراً إلى حالتين على الأقل لمعتقلَين اثنَين أحدهما قُتل بأنبوب معدني أُدخل في فمه، والآخر أجبر السجانون المعتقلين على ركله بأرجلهم حتى الموت، بالإضافة إلى حالات موت نتيجة الانهيار العصبي.

وأكد التحقيق، أن عشرات الجثث المتراكمة، ظهرت في صور تم التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية في الأول والرابع من شهر آذار/ مارس 2017، في باحات سجن صيدنايا، لمعتقلين تمت تصفيتهم ورمي جثثهم في ساحة السجن الأبيض المخصص لاحتجاز العسكريين.

وحول سجن صيدنايا، قال المعتقل السابق في هذا السجن، محمد منير الفقير، لرصيف22، إن "مجازر النظام لم تكن تُرتكَب في الخارج وفي حق المتظاهرين فقط، بل كان للمعتقلين نصيب وافر منها، فخلال إدارة العميد محمود معتوق للسجن في العام 2013، ارتُكبت أبشع الجرائم في حقهم".

وأضاف: "في العام 2013، بدأنا خلال اعتقالنا، نشتمّ روائح احتراق غريبة ونحن في المهجع، كما بدأت حشرات غريبة بالظهور، وبعد خروجي أخبروني بأنه في التاريخ نفسه أُشيع أن السجن تعرّض لحريق وقُتل فيه العديد من المعتقلين، ولاحقاً تم التأكد من أن إدارة السجن كانت قد أنشأت محرقةً لحرق جثث المعتقلين".

تنويع الأساليب

يروي الفقير من خلال مشاهداته، بعض الأساليب التي يمارسها عناصر الشرطة العسكرية والتي أدت إلى وفاة معتقلين، ففي بداية اعتقاله في سجن صيدنايا، يقول: "كان معنا شاب اسمه ع.ش، مات في السجن وكان وزنه نحو 180 كغ، ولكن جسمه رياضي، وكان ضخم الجثة لم يدخله العناصر إلى الزنزانة وأبقوه في الخارج عارياً، وصاروا يركبون عليه تشبّهاً بالحمار، ويجعلونه يمشي على أربع، وهم يركبون على ظهره ويضربونه على مؤخرته ومشوا فيه بين كل الزنزانات، "ع" كانت لديه شهامة وعزة نفس وهذا ما جعله لاحقاً ينهار نفسياً، ومات بعد فترة نتيجة الإذلال والتعذيب إذ انخفض وزنه بشكل كبير، وازدادت نبضات قلبه وتأزمت حالته في الزنزانة فأخذوه إلى المشفى وأعادوه إلى المهجع ومات فيه".

توزيع الطعام ارتبط بموت العديد من المعتقلين في السجن، فحين يوزَّع الطعام يتم إخراج القصعة من فتحة أسفل الباب تُعرف بالشراقة، وعند وضع الطعام تُسحب بسرعة. كان الطعام يأتي فيتم إخراج القصعة من تلك الفتحة ليضعوا فيها الطعام. كانت الكمية قليلةً جداً أي نحو ملعقة من الأرز و حبات عدة من الزيتون رائحتها مازوت، ونحو ملعقة من المربّى، وربع حبة من البطاطا أو نصف بيضة، ويُفترض أن يكون المعتقلون جاهزين عند توزيع الطعام بحيث تُسحَب القصعة فوراً عند وضع الطعام ويتم إدخاله بسرعة وكانت كمية الطعام هذه لمدة 24 ساعةً، وكان من يتأخر في سحب القصعة يعاقَب، فمن الممكن أن يقول له العنصر مدّ يدك فيضربه عليها، أو يدوس عليها، أو أن يجعله يمدّ رأسه ليدوس عليه أو يضربه بالأنبوب الأخضر على رأسه، وقد مات معتقلون عدة نتيجة هذه الضربة، أو كان السجان يقوم بإغلاق الباب الحديدي على رأس المعتقل، بحسب الفقير.

في الشتاء كانت طريقة السجانين في العقوبات تتغير في سجن صيدنايا، فالضرب يخفّ ولكن تتم الاستعاضة عنه بالعقوبات بالماء البارد. كانوا يغرقون الزنزانة بالمياه إلى أن يموت معتقل أو اثنين، فيكتفون 

يضيف: "في الشتاء كانت طريقة السجانين في العقوبات تتغير في سجن صيدنايا، فالضرب يخفّ ولكن تتم الاستعاضة عنه بالعقوبات بالماء البارد. في إحدى الليالي جعلوا المعتقلين يخلعون ثيابهم، وفتحوا أبواب الزنزانات وأغرقوها بالماء البارد وبقي الماء في الزنزانات لمدة يومين، ولم يسمحوا بتصريف المياه حتى مات من كل زنزانة معتقل أو اثنان. كانت هذه العقوبة لكل زنزانة يُسمَع فيها أي همس إذ يغرقونها بالماء حتى يموت فيها معتقل على الأقل".

القتل وإعدامات المشفى

يُكمل الفقير روايته، أو بعضاً من رواياته الكثيرة حول ما عاشه وشهده في صيدنايا، ويقول: "قبل ترحيلنا بأيام عدة من الفرع 291، التابع للأمن العسكري، أصبح الطعام قليلاً جداً، لذا قررنا أن نرفض تناول الطعام المقدَّم إلينا وفعلاً حين قدموا لنا الطعام قلنا لهم إننا لن نأكل، فجاء مساعد وكان قاسياً، وسأل من منكم لا يريد الطعام فقلنا جمبعنا، فقال: أريد شخصاً واحداً يكلّمني وعليه الأمان، فوقفت أنا واثنان معي وقلنا له نحن لا نريد تناول الطعام فهو قليل ولا يكفي فقال لنا هكذا أنتم تقومون بالتمرّد على الدولة، وسيعاقبكم القانون".

حينها، وقف فقير وقال: "إذا أردت الكلام عن القانون أنا موجود هنا منذ 120 يوماً، وأهلي لا يعرفون أين أنا، والقانون يقول إنه يحق لي التزام الصمت حتى يحضر معي محامٍ ويجب أن يعرف أهلي أين أنا موجود، ويجب أن أخضع لمحاكمة بعد أيام من اعتقالي، وأنا حتى الآن مختفٍ وفي حالة انقطاع عن العالم الخارجي. فقال لي عن أي قانون تتكلم؟ أنت هنا بمعرفة القاضي، وهو من يقوم بتمديد اعتقالك، فقلت له أنا لم أرَ أي قاضٍ وأريد رؤيته، فقال لي نحن بكل بساطة الآن نستطيع قتلكم جميعاً هنا، ونرميكم في أقرب حاوية نفايات، ونقول إن مسلحين إرهابيين قتلوكم".

في مشفى 601 في المزة، يُكمل فقير، كانت هناك حالات إعدام في الليل إذ يسحبون المعتقلين ويعدمونهم خصوصاً من عنبر الأمن العسكري. كنا نرى خيالاتهم وهم يضربون المعتقلين من خلف الزجاج المحجّر المطلّ على بهو العنابر، وفي الصباح نشاهد جثث المعتقلين الذي قُتلوا ممدةً في الحمام، وبعضهم كان من عناصر السخرة وكنا نعرفهم. وحين سألنا بقية عناصر السخرة عنهم وأين يذهبون بجثثهم؟ قالوا لنا إنهم يأخذونها إلى كراج تحت المشفى، وكان هو الكراج الذي ظهر لاحقاً في صور قيصر المسربة".

بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تم توثيق ما لا يقل عن 50 مجزرةً نُفذت بشكل طائفي في الفترة ما بين آذار/ مارس 2011، و15 آب/ أغسطس 2018

حتى الآن لا يمكن إحصاء كل المجازر التي ارتكبتها أجهزة النظام الأمنية، وقواته العسكرية، فمعظمها لا يزال مخفياً، وما تم توثيقه هو ما ظهر منها إلى العلن فقط.

فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تم توثيق ما لا يقل عن 50 مجزرةً نُفذت بشكل طائفي في الفترة ما بين آذار/ مارس 2011، و15 آب/ أغسطس 2018، كانت حصيلة ضحاياها ما لا يقل عن 3،098 شخصاً، يتوزعون كالتالي: 3،028 مدنياً بينهم 531 طفلاً، و472 سيدةً بالغةً، و70 من مقاتلي المعارضة المسلحة.

وتوزعت هذه المجازر بحسب المحافظات كالتالي:

حمص: 22 مجزرةً راح ضحيتها 1،040 شخصاً.

حلب: 8 مجازر راح ضحيتها 416 شخصاً.

حماه: 8 مجازر راح ضحيتها 197 شخصاً.

ريف دمشق: 5 مجازر راح ضحيتها 686 شخصاً.

طرطوس: مجزرتان راح ضحيتهما 473 شخصاً.

إدلب: مجزرتان راح ضحيتهما 35 شخصاً.

درعا: مجزرتان راح ضحيتهما 59 شخصاً.

دير الزور: مجزرة واحدة في حيَّي القصور والجورة، راح ضحيتها 192 شخصاً.

تشير كل المعلومات، إلى أن هناك العشرات من المجازر التي لا تزال مخفيةً حتى الآن، وربما تحتاج إلى سنوات لاكتشافها، فمجزرة التضامن لم تكن لتكتَشف لولا الصدفة، ومن الناحية العملية لن يُكتَشف كل شيء إلا بعد حدوث انتقال سياسي كامل في سوريا يتيح للجان التفتيش الأممية البحث في المجازر والمقابر الجماعية التي لم تتسرب معلومات حتى الآن سوى عن عدد بسيط منها، وإلى ذلك الحين هناك كُثر ينتظرون خبراً عن قريب أو عزيز، وهم اليوم يعيدون مشاهدة فيديوهات حي التضامن، ويدققون في الوجوه، ويغرقون في حزنهم، لا أكثر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard