"جلسة صلح أشمون"... عندما تضيع حقوق سيّدة مسيحيّة بذريعة "وأد الفتنة"

السبت 30 أبريل 202203:21 م

تداول ناشطون ومحامون نبأ "إرغام" سيدة مسيحية على "التصالح" مع صيدلاني مسلم اعتدى عليها لفظياً وجسدياً قبل أيام اعتراضاً على ملابسها "غير المحتشمة" في نهار رمضان، قائلين إن ذلك حدث بذريعة "وأد الفتنة بين المسيحيين والمسلمين".

الحادثة غير الفريدة من نوعها وقعت يوم 21 نيسان/ أبريل الجاري، في قرية "سبك الأحد" مركز أشمون محافظة المنوفية، وأعقبتها صرخة استغاثة ومناشدة من الضحية، وتدعى نيفين صبحي (30 عاماً)، إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي والمجلس القومي للمرأة في البلاد، لدعمها حتى تأخذ حقها وتقتص من المعتدي ويدعى علي أبو سعدة.

لكن ردة الفعل وهي أيضاً ليست الأولى من نوعها، جاءت بعكس ما اشتهت الضحية التي تحالف الجميع عليها تقريباً: الكنيسة التي تتبع لها، وكبار المسؤولين التنفيذيين في منطقة سكنها، والسلطات الأمنية، ووسائل الإعلام التي روجّت تكذيباً للواقعة، وأخيراً زوجها ووالدتها (وإن كان عن طريق الإجبار والتهديد كما أُشيع).

فات هؤلاء كلهم أن "الصلح" المزعوم يمثّل انتهاكاً لجميع حقوق المعتدى عليها في المواطنة والمساواة أمام القانون والعيش الآمن في بلدها، وأنه لا تشفع بهم "النيّة الطيبة" - إذا سلّمنا جدلاً بوجودها - في إنهاء العداوة ووأد الفتنة المزعومة.

خلال الساعات الماضية، أُعلن خبر عقد "جلسة صلح عرفية" بين الطرفين، ونُشرت بضع صور تُظهر نحو 15 رجلاً يحيطون بنيفين صبحي التي تقف حزينة محبطة. وهو ما ترتبت عليه الكثير من التعليقات الساخطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ما زاد الغضب هو تداول عدد من الناشطين والمحامين نقلاً عن السيدة المعتدى عليها قولها إنها تعرضت للصفع على الوجه مرتين أمام طفلها الذي اصطحبته لشراء دواء من صيدلية المعتدي الذي نهرها موجهاً إليها ألفاظاً "مليئة بالكراهية"، ثم تعرضها لاحقاً لـ"ضغوط للتصالح" داخل مركز الشرطة الذي قصدته لتحرير محضر بالواقعة. 

"قصّة مكرّرة حزينة ومؤلمة"... غضب واسع في #مصر إثر "إرغام" سيدة مسيحية على "التصالح" مع صيدلاني مسلم صفعها على وجهها مرتين لأنها غير محجبة في نهار رمضان بذريعة "وأد الفتنة بين المسيحيين والمسلمين"

ورد أيضاً أن صيغة المحضر كُتبت بشكل "يبرىء المعتدي ويخالف الواقع" بالزعم أن الصيدلاني كان "يداعب" الضحية بوصفه "صديقاً للعائلة"، مع إشارة إلى توقيع زوج الضحية ووالدتها على هذه الأقوال وتجاهل أقوال الضحية وسط تمسكها بحقها في تحرير المحضر ورفض الضغوط لإتمام "صلح".  وروجت وسائل إعلام محلية تكذيباً للواقعة ونشرت في المقابل الرواية التي تبريء المعتدي.

"قصة مكرّرة حزينة ومؤلمة"

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، استنكر معلقون "الصلح" المزعوم، متساءلين: "ليه المتطرف ميتعاقبش؟"، ومتعجبين: "هي دي دولة القانون!".

ونشر الصحافي سامح حنين إحدى صور الجلسة العرفية معلقاً عليها "أكثر صورة مؤلمة خلال الفترة اللي فاتت"، مشدداً على أن تلك الحادثة هي "قصّة مكرّرة حزينة ومؤلمة".

في حين اعتبر الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إسحق إبراهيم أن "مؤسسات الدولة ظلمت نيفين صبحي مرتين، واحدة بسبب عدم الاهتمام بالمحضر الذي حررته وذكر وقائع على خلاف الحقيقة لمساعدة المعتدي على الإفلات من العقاب، ومرة ثانية بالمشاركة والقبول بالصلح العرفي الذي تم غالباً تحت ضغوط اجتماعية".

وشدد إبراهيم على أن صورة الصلح "معبرة" وتظهر كيف أنه "في حين يهتم المشاركون باللقطة تظهر السيدة وحدها في لحظة انكسار".

لمناسبة "جلسة صلح أشمون"... المحامية الحقوقية انتصار السعيد: نحب نفكر الكنيسة المصرية إنها للدين والروحانيات مش لقعدات العرب والتصالح... وأن القانون لازم يبقى السيّد عشان حقوق الناس متضيعش

بدورها، تساءلت المحامية انتصار السعيد عن "حقوق المواطنة" التي يكفلها الدستور لهذه السيدة المسيحية، مستنكرةً أن نصّب الصيدلاني نفسه "مندوباً لله على الأرض"، ومذكرةً إياه بأن وظيفته هي صرف الدواء لا إعطاء النصائح.

وأردفت: "ونحب نفكر الكنيسة المصرية إنها للدين والروحانيات مش لقعدات العرب والتصالح... وأن القانون لازم يبقى السيّد عشان حقوق الناس متضيعش".

وعلّق الكاتب عمر طاهر على الحادثة بقوله إن "المجتمع اللي بينجي راجل قليل الرباية والدين من العقاب بعد ما مد إيده ونزل تلطيش في بنت على وشها، نجاه بس بكلمة اعتذار، يستاهل يشوف أيام شبهه".

وتابع: "كل اللي نجّى الراجل السنح ده ووقّف البنت مكسورة سواء كانوا شيوخ ولا قساوسة ولا ضابط شرطة في قسم ولا الناس اللي واقفه ضبها مفشوخ. الدنيا ضيقة".

نمط شائع

وشاركت الناشطة الحقوقية لبنى درويش رابطاً لورقة بحثية نشرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عام 2015 عن دور الجلسات العرفية في إنهاء "اعتداءات طائفية"، وقالت إنها "لكل المخضوضين من صورة ‘صلح‘ أشمون".

"مؤسسات الدولة ظلمت نيفين صبحي مرتين، واحدة بسبب عدم الاهتمام بالمحضر الذي حررته وذكر وقائع على خلاف الحقيقة لمساعدة المعتدي على الإفلات من العقاب، ومرة ثانية بالمشاركة والقبول بالصلح العرفي الذي تم غالباً تحت ضغوط اجتماعية"

وتُشير الورقة إلى رصد المبادرة الحقوقية "منذ 25 يناير 2011 حتى نهاية العام 2014، 45 حادثة اعتداء طائفي، تم التعامل مع كل حادثة وتداعياتها عن طريق جلسات الصلح العرفية، وهذا الرقم لا يمثل جميع حالات الاعتداءات والتوترات الطائفية التي شهدتها مصر خلال هذه الفترة".

وخلصت المبادرة في ورقتها إلى أن "ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن القيام بوظيفتها في حماية السلم الاجتماعي وحياة وممتلكات المواطنين يؤديان إلى لجوء قطاع من المواطنين إلى هذه الجلسات كأسلوب لحل النزاعات وتسوية الخلافات، خوفاً من تفاقمها وتداعياتها، خصوصاً في ظل مظاهر التوتر الطائفي والديني المنتشرة في العديد من محافظات الجمهورية".

كما اتهمت الأجهزة الأمنية بلعب "أدوار مختلفة، بداية من المشاركة الشرفية، مروراً بعقد الجلسات بمقار أقسام الشرطة أو مديريات الأمن، انتهاءً بالرعاية الكاملة والمشاركة في صنع قرارات الجلسات".

وختمت: "في بعض الجلسات، صدرت قرارات مخالفة للقانون، تتضمن انتهاكات واضحة لحقوق الطرف الأضعف".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard