في ذكرى رحيل نزار قباني... علاقة شاعر الشّام بوجهائها

الأحد 1 مايو 202210:00 ص

يصادف الثلاثون من نيسان، الذكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشاعر السوري الكبير نزار قباني، في إحدى مستشفيات لندن، سنة 1998. كنت طالباً في جامعة بيروت الأمريكية يومها، وكنّا قد تواصلنا معه قبل أسابيع قليلة، ندعوه لإقامة أمسية شعرية في حرمنا الجامعي، على غرار تلك التي أحياها سنة 1995. ردّ نزار أنه سيفعل فور تحسّن صحته، وقال إنه بشوق دائم لبيروت وجامعتها وطلابها السوريين والعرب، ولكن القدر حرمنا من تحقيق هذه الأمسية.

أذكر أني ذهبت إلى أحد أساتذتي اللبنانيين وطلبت منه أذن التغيب عن الامتحان، بداعي حضور جنازة نزار بدمشق. كان جوابه: "أذنك معك، اذهب وودّع نزار، وكن فخوراً أنك أنت وأبناء جيلك كنتم آخر جيل عاش في عصر نزار قباني.".

كانت جنازة مهيبة، قلّ مثيلها في تاريخ دمشق. كان نزار مسجى في صندوق خشبي، مجلّلاً بالعلم السوري، يسمع المشيعين ولا يجيب وهم يهتفون: "لا تقولوا هالشعب منين... من الشّام وعالراس والعين... شيلوا جبال وحطوا جبال... هادا هو الشامي يا خال".

كان نزار صديقي في مرحلة المراهقة المبكرة، وقد كبرت وأنا أحفظ أشعاره العاطفية والسياسية. مع الوقت، ومع تطور اهتمامي بتاريخ مدينة دمشق المعاصر، بدأت أبحث عن علاقة نزار بتاريخ دمشق الثقافي، الاجتماعي والسياسي، بعيداً عن الشعر. فقد تأثر نزار بعدد من الرجال في حياته، فجّروا في داخله روح التحدي والتغيير، وهم جدّه الأكبر أبو خليل قباني، والده توفيق قباني، وقادة الكتلة الوطنية الذين قضى نزار طفولته وشبابه محاطاً بهم، في منزل أبيه في حيّ مئذنة الشحم.

تأثر نزار قباني بعدد من الرجال في حياته، فجّروا في داخله روح التحدي والتغيير، وهم جدّه الأكبر أبو خليل قباني، والده توفيق قباني، وقادة الكتلة الوطنية، الذين قضى نزار طفولته وشبابه محاطاً بهم في منزل أبيه

نزار قباني في السلك الدبلوماسي سنة 1950

العلاقة مع أبى خليل

لم يعرف نزار جده الأكبر أبا خليل القباني، الذي توفي قبل ولادته بعشرين سنة. ولكن صورته الكبيرة كانت تزيّن منزل الأسرة، بقنبازه الدمسكو وعمامته المقصّبة، وكانت سيرته لا تُفارق شفاه الكبار في السن من عائلة قباني.

التشابه بينه وبين جده كان كبيراً جداً، فكلاهما خرج عن الأعراف وتحدى التوقعات التقليدية له من المجتمع الدمشقي المحافظ. أبو خليل قرر امتهان التمثيل والغناء والإخراج المسرحي، في وقت كان أصدقاء أبيه يتوقعون له أن يسلك طريق العِلم (الدروس الدينية) أو أن يصبح تاجراً مثل سائر أفراد الأسرة، أمّا نزار، فقد امتهن الشعر وعمل موظفاً في وزارة الخارجية، في وقت كان أصدقاء الأسرة يتوقعون له مستقبلاً في معمل السكاكر والملبس الذي كان يملكه والده في سوق البزورية.

نزار قباني: "العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل طالبت بشنقي، والذقون المحشوّة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي"

كلاهما تعرض لمضايقات شتى من مشايخ دمشق: أبو خليل أُقصي عن الشّام سنة 1882 عند صدور قرار بمنعه من التمثيل، وقف خلفه عدد من المشايخ والأئمة. أما نزار،  فقد حورب من قبل المؤسسة الدينية ذاتها في الخمسينيات، لأن أشعاره كانت تحكي عن الحب وتتغزّل بمفاتن النساء وتدعوهن للتحرر وكسر قيد المجتمع الذكوري.

عند صدور ديوانه الأول "قالت لي السمراء" هاجمه قاضي دمشق، الشيخ علي الطنطاوي، وفي الخمسينيات، طالب نواب الكتلة الإسلامية في البرلمان بطرده من وزارة الخارجية عند نشر قصيدة "خبز وحشيش وقمر".

وقد علّق نزار على هذا التشابه الكبير بينه وبين جده المُلهم، حينما قال: "دمشق الأربعينيات لم تكن مستعدة أن تتخلى عن حبّة واحدة من مسبحتها لأحد. لذلك جاءت ردود الفعل جارحة… وذابحة".

ثم أضاف: "وحين أفكر في جراح أبي خليل، وفي الصليب الذي حمله على كتفيه، وفي ألوف المسامير المغروزة في لحمه، تبدو جراحي تافهة، وصليبي صغيراً صغيراً. فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة، والبندورة، والبيض الفاسد، حين نشرت عام 1954 قصيدتي خبز وحشيش وقمر. العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل طالبت بشنقي، والذقون المحشوّة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي".

ومع توفيق قباني

كان نزار في الواحدة والثلاثين من عمره يوم وفاة أبيه سنة 1954. منه تعلّم الصبر وطولة البال، والابتكار في العمل. عاش الحاج توفيق سنوات شبابه المبكر في القاهرة، حيث تعلّم من الجاليتين الإيطالية والفرنسية فن صناعة الملبس والنوغا والشوكولا. بعد العودة إلى وطنه، أدخل صناعة الملبس إلى مدينة دمشق، التي لم يكن أهلها يعرفون إلا الحلويات التقليدية المصنوعة من الفستق والقشطة. أبهر الدمشقيين بمنتجاته، فكانت هي المرة الأولى التي يرى فيها الناس حبة لوز مغلفة بالسكر، وقطعة شوكولا مصنوعة يدوياً. أسس معملاً للحلوى قريباً من منزله، عمل فيه خمسة عشر عاماً، وكان نزار يساعده وأخوته خلال الإجازات الصيفية، وكانت كلمته الشهيرة: "أبي كان يصنع الثورة والملبس معاً".

نزار قباني مع رئيس الحكومة جميل مردم بيك سنة 1948

في سيرته الذاتية: "قصتي مع الشعر"، يتحدث نزار عن أبيه وعن الدروس والعبر التي تعلمها منه، قائلاً:

"وإذ أردتُ تصنيف أبي، أصنفه دون تردد بين الكادحين، لأنه أنفق خمسين عاماً من عمره، يستنشق روائح الفحم الحجري، ويتوسّد أكياس السكر وألواح خشب السحاحير… وكان يعود إلينا من عمله في زقاق معاوية كل مساء، تحت مياه المزاريب الشتائية، كأنه سفينة مثقوبة. وإنني لا أذكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم وثيابه الملطّخة بالبقع والحروق، كلّما قرأت كلام من يتهمونني بالبورجوازية والانتماء إلى الطبقة المرفهة، والسلالات ذات الدم الأزرق. أي طبقة، وأي دم أزرق هذا الذي يتحدثون عنه؟ إن دمي ليس ملكياً، ولا شاهانياً، وإنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقية الطيّبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف والاستقامة والخوف من الله".

نزار والكتلة الوطنية

في الصورة المرفقة مع هذا المقال، تظهر أرض ديار آل قباني في دمشق، وفيها جمهور غفير يستمع للزعيم الوطني فوزي الغزي، واضع دستور سورية الجمهوري الأول سنة 1928. يقف الغزي على المنبر، ولو دققنا قليلاً نجد بين الحاضرين عدداً من الشخصيات الوطنية، مثل هاشم الأتاسي وفخري البارودي، وطفلاً صغيراً أشقر، هو نزار قباني. لا يمكن لأحد أن يستخف بمدى تأثر أي طفل بمشهد مبهر كهذا، فكيف لو كان طفلاً فضولياً محبّاً للمعرفة، ويسأل باستمرار عن كل شيء.

لا بد له أن يكون قد سأل أبيه عن سبب تغيّب فوزي الغزي عن حضور اجتماعات الكتلة الوطنية في دارهم بعد حزيران 1929. كيف كانت ردة فعله عندما علم نزار أن هذا الوطني الشاب، الذي صفق له طويلاً مع الحاضرين، قد مات مسموماً؟ وتكرر السؤال سنة 1939، عند اقتحام جنود السنغال، التابعين لجيش الشرق الفرنسي، منزل آل قباني واعتقالهم الحاج توفيق بسبب نشاطه الوطني.

"هدئ أعصابك يا نزار، وثق إن جميع هذه الأصوات النشاز التي تهاجمك سوف تطحنها عجلات الأيام، ولن يبقى في خزانة التاريخ سوى أنت... وقصيدتك"

في هذه المرة كان السؤال موجهاً لأمه، وقيل له رداً على سؤاله إن "أبا المُعتز" كان أحد قادة الحركة الوطنية في سورية، ومُتهم بتمويل الكتلة الوطنية وحملة مقاطعة البضائع الصهيونية، ومعونة عائلات الشهداء وتعليم أولادهم. زُجّ الأب في سجن تدمر وسط البادية السورية، وحُكم عليه بالأشغال الشاقة، كتكسير الحجارة تحت لهيب الشمس، ثم نُقل إلى سجن الرمل في بيروت، الذي قضى فيه أكثر من عشرة أشهر.

خلال غيابه، لم ينقطع زعماء سورية عن الاطمئنان عن عائلة الحاج توفيق، عن زوجته وأولاده، مثل شكري القوتلي ولطفي الحفار وفارس الخوري وغيرهم. وقد رد نزار بالمثل، وفي مراسلاته مع الأديبة سلمى الحفار الكزبري في مرحلة الستينيات، كان يبدأ كلامه بالاطمئنان عن أبيها "لطفي بك،" بعد تعرضه للاعتقال في زمن الانفصال. وعندما كان يزور صديقته الأديبة كوليت خوري، كان يطلب منها الذهاب إلى منزل جدها "فارس بك" للاطمئنان عليه. ذات يوم خلال عمله الدبلوماسي في لندن، طلب منه السفير فائز الخوري، شقيق فارس الخوري، أن يأتي إلى مكتبه، بعد الضجيج الذي أثير في دمشق حول قصيدة "خبز وحشيش وقمر"، وقال له:

"هدئ أعصابك يا نزار، وثق إن جميع هذه الأصوات النشاز التي تهاجمك سوف تطحنها عجلات الأيام، ولن يبقى في خزانة التاريخ سوى أنت... وقصيدتك". وقد علّق نزار على كلام السفير الخوري بعد مرور سنوات طويلة: "أخجلتني كلمات السفير، فكفكفت دموعي، وخرجت من مكتبه وأنا على قامة... وأكثر كبرياء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard