صلاة تحت المراقبة… ما وراء قرار "الأوقاف المصرية" منع الاعتكاف والتهجد؟

الأربعاء 27 أبريل 202204:54 م


تراجع وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة عن قراره السابق منع صلاة التهجد في المساجد، وتحديد الساعة التاسعة مساءً لإنهاء صلاة التراويح. هذا القرار صدر متزامناً مع قرار آخر حدد فيه الوزير عدد تكبيرات صلاة عيد الفطر وزمنها ومنع إقامتها في الساحات العامة.

جاء تراجع الوزير بعد موجة غضب عارمة، انضمت إليها أصوات اعتادت تأييد القرارات الصادرة عن أجهزة الدولة والترويج لها، وذلك عقب انتشار فيديو يظهر من قيل إنهم موظفون بالأوقاف يقاطعون صلاة مقامة بأحد المساجد ويطردون المصلين، وانتشرت أخبار حول معاقبة الإمام لمخالفته قرارات الوزير، إلا أن الوزارة أصدرت بياناً أرجعت فيه تدخل الموظفين إلى "قيام شخص غير مصرح له بالإمامة بقيادة الصلاة".

كان مبرر وزير الأوقاف في قراره الذي أثار غضبة شعبية هو "توصيات لجنة الأوبئة التابعة لمجلس الوزراء" للتحوط من انتشار فيروس كورونا المستجد، إلا أن مبررات الوزير لم تقنع كثيرين، منهم نواب برلمانيون سرعان ما نوهوا برفع الإجراءات الاحترازية في المنشآت السياحية والترفيهية والأماكن العامة ودور العبادة المسيحية، متسائلين عن سر تطبيقها على المساجد تحديداً مع انتشار تكهنات بأن تكون وراء القرار دوافع أمنية.

جاء تراجع الوزير بعد موجة غضب عارمة، انضمت إليها أصوات اعتادت تأييد القرارات الصادرة عن أجهزة الدولة والترويج لها

وعلى الرغم من عودة الوزير في جزء من قراره بإعلان الموافقة على التهجد في المساجد منذ ليلة السابع والعشرين من رمضان حتى نهاية الشهر، أصر الوزير على منع طقس الاعتكاف للعام الثالث على التوالي، إلا أن هذا التراجع لم يوقف الهجوم عليه لدرجة أنه أبدى استياءه منه، وكتب على صفحته في فيسبوك: "حيث وجدت البذاءة علي أي صفحة من صفحات التواصل فتوقع أن وراءها إحدى خلايا أهل الشر الذين لا أخلاق لهم".


 وكتب عبر حسابه على تويتر : "اللهم إني قد احتسبت ما يصيبني من أذى عندك. اللهم إن كنت تعلم صدق نيتي معك وحرصي على خدمة دينك فأعني على ذلك وتقبله مني يا أكرم الأكرمين".

تراجع لم يوقف الهجوم عليه لدرجة أنه أبدى استياءه منه، واتهم معارضيه ومهاجميه بأنهم "ممولين من أهل الشر"

المدافعون والمهاجمون يتفقون

اللافت أن المدافعين عن قرار وزير الأوقاف اتفقوا مع مهاجميه والمعترضين على قراره في أن تلك القرارات وراءها دوافع أمنية وسياسية، إذ دافع مؤيدون للوزير عن قراراته وربطوها بـ"الحرب على الإرهاب"، وقلق الدولة من "استغلال جماعات العنف المسلح للمساجد وخاصة في فترة الاعتكاف، لرصد عناصر جديدة وتجنيدهم في صفوف تلك التنظيمات"، ما يضع قرارات الوزير – في نظرهم- جزءاً من إستراتيجية الدولة المصرية لمكافحة الإرهاب. ومن مرددي هذا الرأي ومؤيديه الدكتور خالد الجندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الذي قال في برنامجه "لعلهم يفقهون" المذاع على قناة دي إم سي المصرية، إن وزير الأوقاف "موظف بدرجة وزير، واجه جماعات الشر بكل رجولة"، مشيراً إلى أن كل قراراته "اتخذها بمرجعية من الحكومة المصرية".


وعدّد الجندي مواقف وزير الأوقاف، قال: "الوزير أوقف التكية اللي كانت موجودة في المساجد من صناديق النزور والتبرعات، اللي كانت بتدخل في كروش البعض، نظف المساجد، شوف مسجد الحسين أصبح مزار عالمي، وقف فوضى الخطابة، ونظم حركة الدعوة، وكل شيء أصبح مقنن ومحدد، بعدما كانت حالات فوضى في يد جماعات الشر، وبعد كل هذه المجهودات اللي عملها الدكتور مختار جمعة، جايين يشكّكوا فيه وفي دينه؟ بعد كل هذه المساجد والكتاتيب الجديدة التي تم بناؤها؟ والله الراجل ده في حرب ضد تنظيم دولي، بيتصرف عليه مليارات، من كل الأشخاص اللي كانوا بيأكلوا البط مع الإخوان في الاتحادية".

اللافت أن المدافعين عن قرار وزير الأوقاف اتفقوا مع مهاجميه والمعترضين على قراره في أن تلك القرارات وراءها دوافع أمنية وسياسية، ولا علاقة لها بمكافحة انتشار عدوى كورونا المستجد

وممن أيدوا قرارات الوزير وحظوا بشكر منه، داعية الفضائيات الشيخ مبروك عطية الذي يحظى بدعم خاص من الرئيس عبدالفتاح السيسي. وهو أيّد كلام الوزير عن صلاة التهجد في فيديو نشره على صفحته في فيسبوك، نافياً أن يكون إلغاء الوزير لتلك الصلاة في المسجد "نوعاً من أنواع الإنكار لما هو صحيح في الدين". كتب: "من يقول لوزير الأوقاف اتق الله فيه موت وحساب، لا يحق له قول ذلك إلا لو أنكر [الوزير] مثلاً صلاة الصبح أو حين يقول كلام لا يرضي الله ورسوله، اتقوا الله في بلدكم، اتقوا الله في رئيسكم، اتقوا الله في الوضع اللي احنا فيه، واسألوا الله السلامة فيما هو آت كما سلم فيما مضى".

فرصة للتجنيد

الباحث في شؤون الإسلام السياسي خميس الجارحي، المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين، كان من الرافضين لقرار الوزير بمنع الاعتكاف وتقصير زمن الصلوات، على الرغم من تأكيده على صحة استغلال جماعات الإسلام السياسي طقس الاعتكاف في المساجد من أجل تجنيد منتمين جدد. وهو كتب: "تم تجنيدي ضمن صفوف الإخوان في الثمانينيات أثناء اعتكافي بأحد المساجد".

إلا أنه رأى أن القرار السابق الذي تراجع عنه وزير الأوقاف – من دون استثناء الاعتكاف الذي لا يزال محظوراً- لم يكن موفقاً: "القرار أدى إلى حالة غضب في الشارع استغلتها جماعات التطرف في تشويه صورة الدولة والوزارة، وجعلتها في صورة المحاربة للعبادة وهي ليست كذلك، وكان من الأجدى أن تقصر الوزارة صلاة التهجد على مساجدها التي تشرف عليها فقط، وبذلك تضمن عدم استغلال جماعات التطرف للمساجد والصلاة في تجنيد واستقطاب مزيد من الأتباع، وتظهر [الوزارة] في الوقت نفسه بمظهر الحريص على العبادة في هذا الشهر الفضيل".

رفضُ الجارحي للقرار تقتصر أسبابه على الحفاظ على صورة الوزارة، فهو من مؤيدي رؤية الوزير في أن "صلاة المرء في بيته بالحمد والإخلاص، مستحضراً طاعة ولي الأمر، أفضل من القيام سراً في المساجد بالسور الطوال، مع تعمد مخالفة قرار الوزارة".

الباحث في شؤون التطرف والإرهاب محمد جاد الزغبي يرفض اعتبار أن الدوافع الامنية وراء قرار الوزير بتقصير صلاة التراويح والجمعة والعيد، ودعوة المصلين إلى الصلاة في بيوتهم، وبرر رؤيته بقوله: "مساجد مصر بأكملها تحت إدارة وتفتيش وزارة الأوقاف، ولا يصعد أي خطيب للمنبر سوى الحاصلين على تصريح الخطابة من الوزارة نفسها، وبالتالي فإن قرار تقصير المدة المسموحة لصلاة التراويح أو خطبة الجمعة ومنع الدروس الدينية لا مبرر له مطلقاً".

كما رأى "فكرة تحديد مدة صلاة التراويح وصلاة الجمعة بمدة زمنية قصيرة لا محل لها من الإعراب".

وقال الزغبي لرصيف22: "صلاة التهجد سنّة نبوية يمارسها المسلمون حتى في أمريكا وأوروبا، وليس كما قال الوزير أنها ليست من الدين، وبالتالي منع هذه الشعائر في الشهر الفضيل تحت زعم التطرف يمنح الفرصة كاملة للجماعات الإرهابية كي تزعم أن الدولة والحكومة تحاربان الإسلام، لا الإرهاب. هذه القرارات هي التي تخدم التطرف وتشعل فتنة نائمة لأن الناس ثاروا واشتعل غضبهم من هذا التضييق في شهر العبادة من دون أي مبرر".

أيد هذا الكلام حسن إبراهيم، الباحث السوداني في شؤون الإرهاب. قال لرصيف22: "الشعب المصري شعب وسطي، ومظاهر التدين ليست غريبة عليه". محذراً من أن تكون هذه القرارات حجة لترديد جماعات التطرف أن هناك من يشن الحرب على الدين، وبالتالي "يساعدها هذا في التجنيد، وخاصة في ظل الجدل حول المسلسلات الرمضانية وبرامج إبراهيم عيسى التي أصبح الهجوم عليها الوسيلة المفضلة للمتطرفين لتجنيد الشباب المتدين".

وأضاف أن غضب الشعب بسبب قرارات وزارة الأوقاف ذكّره "بالقوميسار جوكوف الذي أرسله ستالين في القرن الماضي إلى طشقند، وأغلق المدارس القرآنية والكتاتيب ثلاثة أشهر، فثار المسلمون هناك. عندئذ اضطرت الحكومة السوفياتية إلى فتحها مرة أخرى واستقدمت بعثة من الأزهر لتهدئة غضب المسلمين".

وختم إبراهيم أن الجماعات المتطرفة "لا تحتاج إلى تجمعات كي تعمل. بالعكس فإن أسلوب التجنيد يُبنى أساساً على التواصل الفردي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard