سكان دارفور يدفعون مجدداً أرواحهم ثمناً لصراعات الساسة في السودان

الثلاثاء 26 أبريل 202202:48 م

تصاعدت وتيرة أعمال العنف في دارفور، غرب السودان، مؤخراً بصورة مُفضية إلى عقد مقارنات مباشرة مع ما جرى في الإقليم من إبادة وجرائم ضد الإنسانية في الفترة من 2003 إلى 2008، إلى حد صدور مذكرات توقيف حمراء بحق الرئيس المعزول وقتذاك، عمر البشير (1989-2019).

وفي آخر موجات العنف الدموي، المحرَّكة من منصات قبلية، قضى ما يزيد عن 200 شخص، الأحد الماضي، في منطقة كرينك التابعة لولاية غرب دارفور، على يد مليشيات مسلحة، ومن ثم تواترت الأحداث لتدخل حاضرة الولاية، مدينة الجنينة، بدءاً من يوم الإثنين.

وللمفارقة، فإن كل ذلك العنف يجيء على إثر تأكيدات قائد الانقلاب، الجنرال عبد الفتاح البرهان، في أول تصريحاته بأن نشر السلام وإنهاء الحروب والاقتتال في قمة أولوياتهم في المرحلة الحالية. كما يجيء التصعيد الأخير، بعد مرور قرابة العام ونصف العام على توقيع اتفاقية سلام جوبا مع أبرز الحركات المسلحة في إقليم دارفور.

وقضى ما يزيد عن 250 شخصاً من سكان الإقليم في صراعات قبلية، أعقبت انقلاب البرهان، وكان أبرزها ما جرى في كرينك في شهر كانون الأول/ ديسمبر العام المنصرم.

ما الذي حدث؟

هناك روايات عدة لما جرى في المنطقة القريبة من الحدود السودانية التشادية.

الرواية الحكومية تصنّف الأحداث بأنها أحداث عنف قبلي، ولذا اكتفى مجلس السيادة بالإعراب عن أسفه لما جرى، ودعوة كافة الأطراف للتسامي فوق الخلافات، مع أحاديث عن بذل مزيد من الجهد لفرض هيبة الدولة وسيادة حكم القانون.

أما رواية منسقية النازحين، وهي هيئة مستقلة، فتتحدث عن مهاجمة قوات ذات أصول عربية تتبع لقبيلة الرزيقات، مدعومةً بقوات الدعم السريع والجنجويد للمنطقة صباح الأحد الماضي، انتقاماً لمقتل اثنين من أفرادها على يد أفراد من قبيلة المساليت ذات الجذور الإفريقية التي تستوطن كرينك.

الرواية الحكومية تصنّف الأحداث بأنها أحداث عنف قبلي، ولذا اكتفى مجلس السيادة بالإعراب عن أسفه لما جرى، ودعوة كافة الأطراف للتسامي فوق الخلافات، مع أحاديث عن بذل مزيد من الجهد لفرض هيبة الدولة وسيادة حكم القانون

والجنجويد مصطلح ارتبط بقوات سيئة الصيت، من ضمنها كتائب للخيّالة، مارست فظائع ضد المدنيين والعُزّل في دارفور إبان حكم البشير المعزول.

رواية منّي أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور المعيّن بناءً على اتفاقية السلام الموقعة في جوبا، ترمي باللائمة في الأحداث على القوات الحكومية التي انسحبت عناصرها من المنطقة قبل الهجوم.

وقال مناوي تعليقاً على الأمر: "الأجهزة الأمنية إما متواطئة، أو متباطئة، أو مشاركة في الانفلات الأمني".

بدورها، وصفت هيئة محامي دارفور (هيئة مستقلة)، الأحداث بأنها ناجمة عن صراعات في شأن الأراضي ومسارات الرعي، فاقمت من وتيرتها مظاهر غياب الدولة.

وفي مظهر آخر للصراع، نشب اقتتال استُخدمت فيه الأسلحة الثقيلة، بين مليشيا الدعم السريع التي يترأسها نائب البرهان، الجنرال محمد حمدان (حميدتي)، وحركة التحالف السوداني الموقِّعة على اتفاق السلام، داخل عاصمة الولاية (مدينة الجنينة)، الأمر الذي أدى إلى توقف المرفق عن تقديم خدماته الصحية، طبقاً لما أفادت به لجنة أطباء السودان المركزية، وهي نقابة مستقلة.

ردات فعل دولية

إزاء تطور الأحداث، ووجود ملمح لتوسع رقعتها بشكلٍ أكبر، سارعت بعثة الأمم المتحدة في السودان (يونيتامس)، إلى إدانة أحداث العنف، مطالبةً بوقفها، و"إجراء تحقيق شفاف لمعرفة الملابسات".

وطالبت سفارة الولايات المتحدة في الخرطوم، بنشر فوري لقوة حفظ السلام في إقليم دارفور، ونادت بأهمية التزام قوات الأمن السوداني بضمان سلامة المتضررين من "الأعمال المؤسفة".

"السلطات تركّز جهودها على قمع الاحتجاجات الشعبية، وتحشد لذلك قوات من خارج الخرطوم، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى تحوّل العاصمة إلى ثكنة عسكرية"

أما سفير المملكة المتحدة في الخرطوم، جايلز ليفر، فعبّر عن قلقه من الأحداث في دارفور، لا سيما التقارير عن هجمات على المرافق الصحية،

نافياً أن أحداث كرينك منعزلة، وقال إنها تأتي في ظل تصاعد للعنف في الإقليم منذ شهور، مذكِّراً السلطات والجماعات المسلحة بالتزاماتها القانونية الدولية لحماية المدنيين والعُزّل.

أسباب الصراع

بعيداً عن رؤى الأطراف المنغمسة في الصراع، وللوقوف على الرأي الأكاديمي، لجأنا في رصيف22، إلى الباحث المتخصص في الشأن الدارفوري، حمدان أزرق.

طالب أزرق في حديثه، بضرورة قراءة الصراع الحالي ضمن مسارين زمنيين، الأول خاص بالاختلالات التي أحدثها نظام المعزول البشير بمساندة مجموعات سكانية في الاستيلاء بالقوة على أراضٍ خصبة أو غنية بالمياه والموارد، من سكانها الأصليين.

أما المسار الثاني، فخاص باستمرار الحكومة العسكرية الحالية في النهج ذاته عبر إسناد مليشيا الدعم السريع في أطماعها التوسعية في الإقليم، بضمّ المناطق الغنية بالذهب (كرينك نموذجاً)، لضمان استمرار ولاء حميدتي الذي تقول الأخبار إنه لا يخفي طموحاته إلى شغل منصب الرجل الأول في الدولة.

ولعب البرهان دوراً مهماً في السيطرة على الأوضاع داخل المنظومة الأمنية، جراء احتجاجات قادة الجيش على النفوذ المتنامي لحميدتي ومحاولاته المستمرة لخلق جيش موازٍ شبيه بحزب الله في لبنان.

ضعف الدولة

يعتقد الصحافي المتخصص في النزاعات، أيمن ميرغني، أن انشغال السلطة المركزية في الخرطوم بتثبيت أركان حكمها، جعلها غير عابئة بما يحدث في بقية الأقاليم.

ودخلت الاحتجاجات المناوئة للانقلاب شهرها السادس، ولم تتوقف حتى في شهر رمضان المتزامن مع فصل الصيف الحار.

وقال ميرغني، لرصيف22، إن السلطات تركّز جهودها على قمع الاحتجاجات الشعبية، وتحشد لذلك قوات من خارج الخرطوم، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى تحوّل العاصمة إلى ثكنة عسكرية.

وتساءل: إن كانت سلطة الانقلاب غير عابئة بالانفلات الأمني الذي يضرب العاصمة الخرطوم، وتتورط فيه قوات عسكرية، فهل يمكن أن تتحرك لما يجري في أقصى دارفور؟

اتفاقية السلام

تصدت الحكومة الانتقالية المعزولة، لإرساء دعائم السلام في البلاد إنفاذاً لشعارات الثورة التي أطاحت بالبشير (حرية... سلام... عدالة).

ووقعت الحكومة الانتقالية في عاصمة دولة جنوب السودان جوبا، في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، على اتفاق سلام مع قادة كبريات الحركات الدارفورية، كحركة جيش تحرير السودان بقيادة أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان المجلس الانتقالي بقيادة الهادي إدريس.

ولكن الملاحَظ أن وتيرة العنف تصاعدت من وقتها، بالرغم من وصول قادة الحركات إلى مناصب مؤثرة في كابينة الحكم، ما يطرح تساؤلات عن المشكلة وهل هي في بنود الاتفاق أو في التطبيق؟

يقول القيادي في حركة مناوي، ياسر آدم، لرصيف22، إن المشكلة في التطبيق، إذ إن بنوداً رئيسةً كبند الترتيبات الأمنية الخاصة بإدماج جيوش الحركات في الجيش السوداني، لم تتم حتى الآن.

"قادة الحركات الموقعة على السلام، تكالبوا على المناصب، وساهموا في إسقاط الحكومة الانتقالية، وذهبوا في نهاية المطاف إلى موالاة الانقلاب، لضمان امتيازاتهم السلطوية، حتى لو كان ذلك على حساب مواطني دارفور"

وأشار إلى وجود أزمة كبيرة تتعلق بتمويل الاتفاق، لإكمال بروتوكولات تتعلق بإعادة النازحين، من جراء توقف المانحين عن دعم الحكومة الحالية بتوصيفها حكومةً انقلابيةً.

ويحتاج إنفاذ الاتفاق إلى 7.5 مليار دولار بحسب المسؤولين السودانيين.

أما حسن عبد المجيد، وهو قيادي في قوى الحرية والتغيير في إقليم دارفور، فيرى أن المشكلة متمثلة في قادة الحركات المسلحة أنفسهم.

ويقول لرصيف22، إن قادة الحركات الموقعة على السلام، تكالبوا على المناصب، وساهموا في إسقاط الحكومة الانتقالية، وذهبوا في نهاية المطاف إلى موالاة الانقلاب، لضمان امتيازاتهم السلطوية، حتى لو كان ذلك على حساب مواطني دارفور.

سيناريوهات

يقول حسن عبد المجيد، إن الأوضاع ناحية نحو حرب شاملة في دارفور، أسوة بما جرى في حقبة المعزول البشير.

وقال إن العسكر وحلفاءهم في الحركات، تحولوا من كوابح للصراع، إلى متورطين في أحداثه بانحيازاتهم القبلية والإثنية غير الخافية على أحد،

مشيراً إلى أن الحل يكمن في الإطاحة بالعسكر، ومن ثم فإن بقية المشكلات ستتساقط وحدها على طريقة الدومينو الشهيرة.

أما حمدان أزرق، فيصرّ على أن سكان الإقليم فقدوا الثقة بالقوات الحكومية، وشبه الحكومية، وعناصر الحركات المسلحة، والأمر يستدعي تدخلاً دولياً، عبر إعادة قوات بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور (يوناميد).

وأعلن ياسر آدم، رفضهم للتدخلات الأجنبية، وقال إن الأزمة يمكن معالجتها بإنفاذ بنود اتفاق السلام، وعلى رأسها تكوين جيش قومي من واجباته إرساء السلام، والفصل بين المتنازعين، وضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب.

وبين كل تلك الأحاديث والرؤى، تبقى الحقيقة المُرة غير القابلة للمحو، أن سكان دارفور باتوا الوجهة المحببة للقادة والحكام، لسداد فواتير صراعاتهم على السلطة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard