رحلتي إلى تندوف، الخاصرة الأفريقيّة المنسيّة للجزائر

الجمعة 29 أبريل 202204:07 م

تملك روحُ تندوف التي تبعد 1700 كيلومتر إلى الجنوب من الجزائر العاصمة، قدرةً خاصةً على أن تجعل الرجلَ ينتبه إلى نعمة أنه يملك زوجةً يعتمد عليها، أثناء غياباته؛ المنطقة التي تأسست في القرن السادس عشر نسبةً لبئر تسمى "ثيمندوس" كما ورد في كتاب "الممالك والمسالك" للبكري.

في تندوف، تملك المرأة حضوراً قوياً ومؤثراً، وهي تختفي وراء "الملحفة" التي تجعلها شبيهةً بالحمامة الأليفة التي تفضل الاحتكاك بالأرض، رغم أنها تحسن الطيران، انسجاماً مع الثقافة الحسانية السائدة في موريتانيا والجنوب الغربي للصحراء الجزائرية. وهي مزيج متعايش تاريخياً من الثقافة الأمازيغية والعربية.

أخذتُ عن الطيور الشغفَ بالصحو باكراً والاستمتاع بفعل التحليق، فكانت متعتي بتشكلات الفجر في طريقي إلى مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة طريقاً إلى النشوة. تغريني الطرق الفجرية المرتبطة ببزوغ الضوء.

أردت أن أعمّق اللحظة، فاستدعيت موسيقى عميقة وأصيلة لفرقة "غونا" التندوفية، ثمّ تعمّقت أكثر بلقاء صديقي الممثل المسرحي رياض سقني، الذي رافقني سابقاً في سيارته شرقاً وغرباً لإطلاق مقاهٍ ثقافية. أراد أن يفاجئني، فاقتطع تذكرة من جيبه الخاص ليرافقني إلى مدينة تندوف، وأردت أن أكافئه على اللفتة، فشرعت في كتابة الشعر.

لم أدرِ هل أشمئز من كون المضيف فرض عليّ أن أجليس بعيداً عن رفيقي، أم أفرح لأن جليستي في السماء كانت سيدة يعلن الرقي فيها عن نفسه بأشكال واضحة وعفوية. وعرفتُ كونَها "عديلة" من بجاية من خلال جمل أمازيغية ودّعتْ بها أباها هاتفياً، قبيل انطلاق الرحلة في وقتها تماماً، فشكرتُ ما أعرفه من قاموس أمازيغي على أنه مكّنني من مضاعفة تذوّقي لكلمات وجمل جليستي. كان صوتها سماءً، وكانت روحها الجزائرية عالية.

ـ ما طبيعة شغلك في تندوف؟

ـ طبيبة.

ثمة نساء نحار في حضرتهن هل تمرض أم تُشفى للاستفادة من حكمتهن. ثم إنه تروق لي أحاديث الطيّارة. أجدها أكثرَ صدًقا. ربما الخوف الذي يسكننا ونحن بعيدون عن الأرض واحتمال أن نعود إليها موتى هو ما يغلّب جرعة الصدق فيها على جرعة التلاعب.

في تندوف، تملك المرأة حضوراً قوياً ومؤثراً، وهي تختفي وراء "الملحفة" التي تجعلها شبيهةً بالحمامة الأليفة التي تفضل الاحتكاك بالأرض، رغم أنها تحسن الطيران

ما إن بدأت تضاريس الصحراء تلوح في الأفق، حتى دخلتْ طائرة البوينغ 736 بقيادة الكابتن بولحبال، في مطبات هوائية مخيفة. وهي اللحظة التي صعد فيها كل خوف الدنيا إلى ملامح الطبيبة، فبادرتُ إلى اصطناع الشجاعة والتماسك حتى تستعير مني جرعةً، لكنني اكتشفتُ لاحقًاً أنها محتاجة إلى يدي، لكنها استحت أن تطلبها مني، فمنحتها إيّاها مكثراً من وصفها بأختي رفعاً للحرج الذي انتعش في ملامحها.

أرحام مشتاقة

كنت أتوقع وجود خط يربط تندوف بموريتانيا، فهي جارة وراسخة في المخيال والوجدان التندوفيَين، بكل ما يتبع ذلك من علاقات وتعاملات شعبية متبادلة، ففاجأني خليل بأنه خط غير موجود، وأن السفر من وإلى نواديبو ونواكشوط خاضع للطريق البري فقط، بعد إعادة فتح المعبر الحدودي عام 2018. شطره الجزائري مريح أما شطره الموريتاني فمهترئ ومتعب. هل تعرفون أن وزير خارجيتنا في زيارته الموريتانية الأخيرة قال إن الجزائر ستتكفل بإنجاز هذا الشطر؟

قالها مصحوبة ببريق ملأ كامل وجهه. ولأنه تفطن إلى حاجتي لشرح مبررات تلك الفرحة، قال إنه علينا الانتباه إلى كون الحدود سياسيةً، وليست ثقافية واجتماعية، فالأعماق متبادلة بين المناطق الحدودية من الجهتين. ثمة أنساب ومصالح مشتركة بين أهل تندوف وأهل شنقيط (التسمية التاريخية للموريتانيين). ومن شأن تهيئة هذا الطريق أن يجعل التبادلات الاجتماعية والثقافية والتجارية نشيطة.

لاحقاً أدركت فعلاً عمق ما يربط المواطن الجزائري في تندوف بالفضاء الموريتاني، من خلال ما رصدته من تفاعل مع تأهل الفريق الموريتاني إلى كأس أمم أفريقيا. كان الشباب يتابعون المقابلة بالحرارة نفسها التي تابعوا بها مقابلة الفريق الوطني مع بوتسوانا.

سألت بعضهم: ماذا لو التقى الفريقان في إحدى المقابلات؟ هل ستساندون الفريق الموريتاني أم الفريق الجزائري؟

دفعني أحدهم مازحاً، فقد تفطن إلى "خبث" سؤالي: اسحب سؤالك يا عمي. كوننا نحب جيراننا لا يعني أن نخون وطننا.

"السلام عليكم" في منطقة عسكرية

وقعت في قلبي ووجداني تسمية "السلام عليكم" وقعَ الماء في فم العطشان (السياق الصحراوي يجعل هذا التشبيه صالحاً في كل زمان)، حين علمت أنها تُطلَقُ على شارع رئيسي في حي القصّابي. أليس جميلاً أن يُسمّى شارع بتحيّة؟

دخلته ليلاً رفقة نخبة من الأصدقاء الفنانين، فوعدتُه بالعودة إليه وحدي، حتى يتاح لي الاحتكاك بتفاصيله بعيداً عن الأحكام المسبقة والجاهزة التي بات يخضع لها الفنانون الجزائريون في نظرتهم إلى الأحياء الشعبية؛ فهي في نظر قطاع واسع من منتجي الفنون والآداب الجزائريين بؤر موبوءة ومؤذية وجرباء. هل يرجع هذا إلى كونهم هربوا إلى ممارسة الفنون حتى يعوّضوا فشلهم في إثبات ذواتهم داخل هذه الفضاءات الشعبية؟

أية قطيعة حدثت حتى انتقلنا من مقام كانت فيه نخبنا الوطنية تتخذ من الحي الشعبي منصةً لإطلاق مشاريعَ ثقافيةٍ وفنيةٍ ورياضية؛ في زمن الاحتلال، إلى مقام المجانبة والازدراء في زمن الاستقلال؟ لماذا هيمن الشارع المخملي على مسلسلاتنا الدرامية، حتى جاء مسلسل "أولاد الحلال"؟

السلام عليكم يا شارع "السلام عليكم"! كان يجب أن تكون مبرمجاً على السلام، حتى تستطيع أن تستوعب العربي والأمازيغي والمدني والعسكري والمواطن والأجنبي والمقيم والسائح والكبير والصغير والغني والفقير والمرأة والرجل. أنت في الحقيقة جزائر مصغرة متعايشة، بعد أن فشلت الجزائر الكبيرة في الحفاظ على أبجديات التعايش التي كرسها الحراك الشعبي والسلمي في بداياته، قبل أن يجهضوه.

كان فضولي لمعرفة المضمون البشري للشارع كبيراً، مع استشعاري ضيقَ الوقت، فتعمدت نخبةً من الحيل منها أن أدخل المحلّ لأسأل عن سلعة ما، فيكون ذلك مدخلاً لتجاذب أطراف الحديث.

وقعت في قلبي تسمية "السلام عليكم" حين علمت أنها تُطلَقُ على شارع رئيسي في حي القصّابي 

وحدث أن تزامن دخولي إلى أحد المقاهي مع بث العدد الأول من البرنامج الثقافي الأسبوعي "تباين" الذي أقدمه للتلفزيون الجزائري، فراح الشاب النادل يقارن بين وجهي في الواقع وفي الشاشة، ولأنه تأكد من التطابق، فقد ضاعف جرعة الاهتمام والترحيب.

الحقَّ أقول إنني وقعت بين صوتين. واحد يحثني على أن أتخذ لي مقعداً وأطلب لي مشروباً وأشاهد البرنامج، وصوت يقول لي إنك تستطيع أن ترجع إلى الفندق وتشاهد البرنامج من خلال رابطه في صفحة التلفزيون، فلا تضيّع ما يمكنك تعويضه، مشاهدة نفسك، بما قد لا تستطيع تعويضه، التعرف إلى الشاب القادم من الشمال للعمل في تندوف، وقد استجمع كل إشارات المودّة.

حكاية بطعم الرمل

تركتُ نفسي في الشاشة خلفي، وواجهتُ الفتى القهوجي. كان انتصاراً مني لصوت الآخر على صوت الذات. وهو ما أثّر فيه. فاستأذن مني للغياب لحظةً وعاد من الطابق الثاني الذي يبدو أنه يتخذه مسكناً له محمّلاً بما زوّدته به أمه، أثناء زيارتها الأخيرة له من مأكولات.

كان يضع خيرات أمه أمامي وهو يتحدث عنها. متى ننتبه إلى معطى أن الشاب الجزائري ينشأ مرتبطاً بأمه أكثر من ارتباطه بأبيه؟ فهو يلجأ إليها في السراء والضرّاء مادياً ومعنوياً؛ ولا يذكر في الغربة سواها.

قال: كنت تلميذاً نجيباً في مدينة تيزي وزّو. لكنني تشاجرت مع أستاذ التربية الإسلامية، فكان ذلك مقدمةً لتسرّبي من الدراسة، إذ أزعجتني المجالس التأديبية التي كانت تقام لي أسبوعياً تقريباً!

لماذا يتحالف الأساتذة الجزائريون على تلميذ يخاصمه واحد منهم؛ فيصبح خصماً مشتركا لهم جميعاً؟ لماذا لا نسمع بمجلس تأديبي يقام لأستاذ يشكو منه التلميذ؟ ولم يقف معي أبي، فكان يضربني أمامهم كلما استدعته الإدارة.

هربت إلى بيت الخال، فأحالني على خدمة كاراجات الدجاج التي كان يملك. ووجدت في عزلتي راحتي، فلم أغادر المكان سبعة أشهر كاملة. وهو ما فهمه أبي مؤامرةً من خالي عليه؛ فقام بحماقة سوّدت صورته في عيني أكثر. هل تتصور أنه أضرم النار في كاراجات الدجاج؟ فانتفض خالي طالباً مني أن ألتحق بأبي المجرم. "لا خير في سلالتكم" قال. ولم أجد أمامي سوى أن أستجيب للاستدعاء الأخير من الجيش، فحوّلوني إلى تندوف.

أنت في الحقيقة جزائر مصغرة متعايشة، بعد أن فشلت الجزائر الكبيرة في الحفاظ على أبجديات التعايش التي كرسها الحراك الشعبي والسلمي في بداياته، قبل أن يجهضوه؟

كان البعض يشكو من بعد المسافة، وكنت أجد في ذلك راحةً عظيمة. وكانوا يعودون إلى أسرهم من حين لآخر، وقضيت شهور الخدمة الوطنية كلها من غير عودة. هل تعرفون ما معنى أن تصبح الثكنة بيتَكم؟

خلال الأيام التي كنت أخرج فيها إلى مدينة تندوف لأروِّح عن نفسي، تعرفت إلى فتاة تعمل في البعثة الأممية، فأصبحت لاجئاً عاطفياً لديها. لقد تغيرت حياتي وباتت مبرمجة على الأمل والتفاؤل والتشوق إلى المستقبل.

كان ذلك شهرين قبل انتهاء فترة الخدمة العسكرية المؤقتة التي كنت أنوي أن أجعلها دائمةً، فعرضتْ عليّ أن أخرج لتفتح لي مشروعاً تجارياً في تندوف، ثم نتزوج وننشئ أسرةً نرعاها بعقلينا وقلبينا، وصرت اليوم أباً.

بداية الرحلة

ما هذه الأقدار؟ في تلك اللحظة بالذات وصلتني هذه المكالمة:

ـ من معي؟

ـ صديق لك من مدينة الأغواط يعمل في تندوف.

ـ أملك أصدقاء كثراً في الأغواط.

ـ سأضيّق لك الدائرة. أنا فنان. وفد تعودنا على أن نحلم معاً بزيارة أعماق الصحراء.

ـ ياسين تاج. ما الذي أتى بك إلى هنا يا مخلوق؟

ـأشتغل في البعثة الأممية. أين أنت؟

ـ في شارع السلام عليكم.

ـ انتظرني. ستبدأ رحلتنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard