عن الكنيسة التي تتبرأ من يسوع الناصريّ... أقدم معتقل رأي

الأحد 24 أبريل 202208:09 ص

أرسلت لي أصغر خالاتي، والوحيدة المتبقيّة من العائلة في سوريا، صورةً موسيقيةً لأسبوع الآلام. فيسبوك العائلة، وكل عائلة، ملوّثٌ بتلك الصور المتحركة التي تعتمد تقنية الجيف، لكن مع إضافةٍ موسيقية في الخلفية.

النساء لا أرواح لهنّ، ولا رأس. وكما المسيح رأس الكنيسة، فالنساء يحتجن إلى رجل ليكون رأسهن.

أغلب مواضيع تلك الصور المتحركة هي مواضيع دينية يرسلها الناس للمعايدة بعد أن ينقروا في الغالب مختارين all، فتتواتر هذه الصور بين صناديق المحادثات وتتكرر، فيما تتصاعد فيها شوائب لامعة كغبار النجوم في استخدام لكيتش الجمال حتى آخره، تذكرني ببطاقات المعايدة الورقية الحقيقية التي انتشرت بين تسعينيات القرن الماضي والألفية، وكانت تجمع كل تقنيات الإصدارات الورقية في تلك الحقبة، إذ كانت الصور مغطاةً برقاقة بلاستيكيّة محززّة تعكس تواتراً بين صورتين متداخلتين، فيُهيأ لك أن الصورة متحركة، فيما تصدر موسيقى صدئة من جهاز صغير حين تُفتح البطاقة.

تهنئني خالتي بأسبوع الآلام للطوائف الأورثوذكسية التي لا زالت تتبع روزنامةً قديمةً، رافضةً بتعنّت مشرّف التغيير أو التبديل حتى لو عرّض ذلك منطق أتباعها وأعصابهم لامتحانات وجودية.

في ما سبق، كانت نيللي، أنا سابقاً قبل أن أصبح أنا حالياً، تدخل في حالةٍ من الشجن العميق الصامت، يكاد يكون تأملاً "حزائنياً" لآلام يسوع وإنصاتاً مهذّباً لجراح الإنسان المتمثّل في شهيد الكلمة.

كان البكاء مريحاً ومحرراً.

كان الحزن مريحاً ومحرراً.

كان السلم الصاعد نحو السماء ضاهراً للعيان.

وكانت نيللي تصعد عليه كما في أحلامها صغيرةً.

وفيما كانت تلك الأحلام الطفولية كفيلةً بإرسال أي صبي إلى أديرة الرهبنة، واعتمادها كدعوةٍ من الرب للخدمة، لم تكن تلك الرؤى تعني لرجال العائلة سوى دليل على غرائبية نيللي

كانت الطفلة الوحيدة في أبناء العائلة ذات الأصول المزركشة بالجدود القساوسة والرهبان، وكانت الوحيدة التي تأتيها العذراء في الأحلام سابحةً على غيمة من نور، أو ينادي عليها الرسل الثلاثة لطريق الرب.

وفيما كانت تلك الأحلام الطفولية كفيلةً بإرسال أي صبي إلى أديرة الرهبنة، واعتمادها كدعوةٍ من الرب للخدمة، لم تكن تلك الرؤى تعني لرجال العائلة سوى دليل على غرائبية نيللي.

النساء لا أرواح لهنّ، ولا رأس.

وكما المسيح رأس الكنيسة، فالنساء يحتجن إلى رجل ليكون رأسهن.

في زمنٍ بعيد، قام شابٌ آخر برمي ردائه، أناه السابقة، وأصبح أنا جديدةً: حين وجد يسوع الشاب الناصري الشاب نفسه مرفوضاً، لكن هذه المرة ليس لجندره، بل لفقره ولماضي أسرته المريب، بين أبٍ ليس أباه وأمٍ تائهة في صلوات وعبادات لا تنتهي، قرر ألا يتبع المنطق البشري ويقوم مثل أي رجلٍ مشحونٍ بالغضب والازدراء، بطعن الأب ونحر الأم، ومن ثم إغراق البشر من حوله في بحرٍ من الدمّ والمأساة.

عبرت ثورته إلى العالم، فيما تعرّض هو للاعتقال والإهانة والتعذيب ثم القتل مثل كل الخارجين عن العدالة، عدالة العالم القديم المختل.

قرر يسوع أن يجنّ ويؤسس لمشروعٍ يخلّص البشرية من عشقها الأزلي للقتل المجاني والانتقام. سامح يسوع أمه وأباه الذي لم يكن أباه، بل سامح أباه الحقيقي الذي رماه من السماء، وبدأ بمسح الدموع والتبشير بالمحبة.

وفي أرضٍ محرضّة للثورة على تقاليدها البالية وحكامها المتواطئين، أصبح يسوع الناصري الشاب الفقير الذي لا يملك حجراً يسند إليه رأسه، رمزاً للأفكار الثورية لعصره. لا شيء يولد من رجلٍ واحد، لقد كان الشرق مهيّئاً للثورة بعد أن تهيأت له ظروف الاتصال بالعالم الجديد وقتها، روما العفيّة الثرية المتوهّجة وهي تكبّل أورشليم مدينة الربّ التافهة وعاصمة الشرق المتفسّخ.

يسوع واقفٌ بين جموع المشردين والفقراء يقول لهم: أتظنون أن الصالح هو من يحب أقرباءه؟ حتى الأشرار والقتلة يحبون أهلهم ويعتنون بأحبائهم. إن الصالح هو من يحبّ كارهيه ويصلّي للاعنيه. نظر الناس إلى بعضهم البعض، واكتشفوا أن محبتهم ناقصة.

لم تكن تلك أفكاراً جديدةً يقول الباحثون، وكان الشرق بحكامه وكهنته وجلّاديه معتاداً على كتم تلك الهرطقات، إلا أن تلك الأفكار وجدت وقتها ما يعبر بها إلى العالم الجديد الذي يتكوّن في أوروبا، عالم المواطن بدل التابع. وهكذا عبر يسوع أو بالأحرى ثورته إلى أوروبا مع تلميذه بولس الذي ذهب ينشر الخلاص في العالم الجديد مستعملاً وسائط ذلك العالم.

عبرت ثورته إلى العالم، فيما تعرّض هو للاعتقال والإهانة والتعذيب ثم القتل مثل كل الخارجين عن العدالة، عدالة العالم القديم المختل.

صُلب على خشبة.

صُلب كاللصوص والقتلة.

كمغتصبي الأطفال.

صُلب كالثوار.

كان يسوع معتقل رأي. ربما أقدم معتقلي الرأي، وربما أولهم.

 في نهاية درسٍ روحي، انتظرت دوري في آخر الطابور لأتحدث إلى الأبونا عن هواجسي. حدّثته عن طلّ الملوحي، وشرحت محاولاتي الفاشلة لمساعدة المعتقلين وخلاصهم. ارتبك وصمت بحذر لبرهة قبل أن يجد التخليصة المناسبة لمأزقه وقال بابتسامة انتصار: "الخلاص هو بالمسيح وحده". وقتها قررت ترك الكنيسة

خافت منه حفنةٌ من الكهنة المتواطئين، وكتبوا فيه تقارير مغرضةً لحاكم مدينتهم التافهة. وحتى المحتل نفسه، حاولوا توريطه فغسل يديه من سقامة أفكارهم. استعملوا كل الطرق والوسائل لكتم صوت رجلٍ واحد لا يفكر مثلهم.

ورجال الكنيسة اليوم، الكنيسة المشرقية التي تدّعي أنها كنيسة المسيح، رجال الكنيسة الذين يرفعون أذرعهم أمام مذبح المسيح في كل قدّاس، بعضهم كهنةٌ متواطئون مع حكومات قمعية قميئة قاتلة للبشر ولأفكارهم.

في نيسان/ أبريل 2011، وفي نهاية درسٍ روحي، انتظرت دوري في آخر الطابور لأتحدث إلى الأبونا عن هواجسي. حدّثته عن طلّ الملوحي، وشرحت محاولاتي الفاشلة لمساعدة المعتقلين وخلاصهم. ارتبك وصمت بحذر لبرهة قبل أن يجد التخليصة المناسبة لمأزقه وقال بابتسامة انتصار: "الخلاص هو بالمسيح وحده".

وقتها قررت ترك الكنيسة التي تقبّل حذاء الحاكم وتتبرأ من يسوع الناصري.

في أسبوع آلامك يا يسوع، خلّصتني من تبعية المنافقين والقتلة.

في أسبوع آلامك نصلي للمعتقلين.

في أسبوع آلامك نتذكر شهداء الكلمة.

في أسبوع آلامك يا يسوع، نتذكر بشرى الثورة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard