يونس يعود إلى بلده والمسيح يُبعث في "جزيرة غمام"... دراما قصص الأنبياء

الاثنين 25 أبريل 202204:00 م

منذ الصغر، نتعلق بالحكايات وعوالمها السحرية العابرة للزمان والمكان، نستقي منها خبرات حياتية ويتشكل وعينا الإنساني ومعرفتنا بماضي البشرية السحيق.

وقد اغتنت الديانات الإبراهيمية الثلاث بقصص تحتل مكانة مهمة في الثقافة الشرقية، نحفظها عن ظهر قلب، وتتجذر في وجداننا.

تجسيد الأنبياء والرسل في الأعمال الفنية محظور.

هذه القصص المقدسة تثير اهتمام المبدعين على نحو خاص، لما تحمله في بنيتها من عناصر درامية جذّابة، ولكنهم يعجزون عن تناولها بحرية تجنباً للمُساءلة القانونية والمجتمعية، فضلاً عن أن تجسيد الأنبياء والرسل في الأعمال الفنية محظور بحكم قضائي في مصر.

يصبح الخيال هنا ملاذاً من القيود المفروضة على العملية الإبداعية، ويلجأ الفنانون إلى تضمين إشارات ورموز تفتح الباب أمام التأويلات والقراءات المتعددة للنصوص، بحيث تخلق صلات بين الماضي والحاضر، دون الالتزام بالمثالية المطلوبة في مثل هذه الموضوعات.

تستدعي الذاكرة تجارب سينمائية لمخرجين استلهموا قصص الأنبياء في أفلامهم، مثل داود عبد السيد ويوسف شاهين، لكن هناك أيضاً مسلسلات خاض صُنّاعها في هذه المنطقة الشائكة بعمق وذكاء، آخرها مسلسل "جزيرة غمام"، الذي كتبه عبد الرحيم كمال، وأخرجه حسين المنباوي.

حكاية النجّار والعايقة

نحن أمام عالم آسر، له رائحة الملاحم الشعبية المصرية، شخصياته محملة بتفاصيل تتسع على دلالات سياسية ودينية متعددة، وأحداثه تتغول في جدليات الخير والشر، الدين والسلطة، الاستبداد والعدل.

تغلب على لغته مفردات وتراكيب ذات إيقاع شعري، وتعكس صورته جمالاً طبيعياً يعكره صفوه الغيم.

ندخل هذا العالم من بوابة الحقبة الساداتية، وتتكوّن انطباعات لدينا أن الجزيرة الهادئة إحالة إلى أرض فلسطين، وأن طرح البحر هم قوات الاحتلال، ويتضمن العمل إشارات تعزز هذا الطرح، مثل اقتراح تقسيم الأراضي بين الفئات المتصارعة، وإقامة الحواجز أمام الناس.

ومع الانغماس في الحكاية واتضاح خيوط صراعها، يُلاحظ أن السرد يتلامس مع قصة المسيح، القصة التي يحبها عبد الرحيم كمال، ولها أثر كبير في نفسه منذ قرأ الروايتين البديعتين "المسيح يصلب من جديد"، و"الإغواء الأخير للمسيح" للأديب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس.

يرسم عبد الرحيم كمال شخصية عرفات "أحمد أمين" متأثراً بسيرة مُعلم المحبة، فهو نجار عالق قلبه بالأطفال، يستمتع بمجالستهم ويحزن لامتناعهم عنه، تتحقق المعجزات على يده؛ تخضع الأرض القاحلة لزراعته، وتنقشع غيوم السماء لحضوره، ويستجيب البحر لكلماته، لا يخشى مواجهة رجال الدين بأخطائهم، وينحاز للفقراء مستشعراً آلامهم.

تتقرب منه العايقة "مي عز الدين"، لتغويه بجمالها وتلوث سمعته، لكن قربها منه يبدّل حالها، في تماس واضح مع تلميذة المسيح مريم المجدلية، وصورتها الذهنية الرائجة المرتبطة بالخطيئة، رغم صدور قرار من الكنيسة الكاثوليكية يبطل تعريفها بالعاهرة التائبة منذ عام 1969.

أما علاقته المتقلبة بحاكم القرية العجمي "رياض الخولي" الذي يتعاطف معه، يصدق كراماته حيناً ويسجنه ويتوعده حيناً آخر، يبدو أنها ستؤول في النهاية إلى ما فعله الحاكم الروماني بيلاطس البنطي مع المسيح، إذ لم يرد بداية أن يتورط في صلبه، لكنه انصاع للضغوطات حفاظاً على منصبه، أو ربما تبتعد تماماً عن الإسقاط الديني وتكون سبباً في نجاته.

يضيف المؤلف صفات أخرى لشخصية عرفات، حتى لا يقتصر التأويل على المسيح، لكن يتمسك بالمثالية التي تتناسب مع رؤيته لثنائية الخير والشر، إذ يصبح عرفات تجسيداً لنزعته الصوفية وقيمه الروحية، كرجل زاهد، متعفف عن المسألة، يمتلئ قلبه بالمحبة ونور البصيرة.

يعي أن سبحة شيخه هدية عظيمة لا يعرف قيمتها سوى المحب المخلص، لكن روحه تؤرقه من حين لآخر، وتغرقه في تساؤلات عدة عن ذاته وهدفه في الحياة.

بشكل عام، ينفتح النص على قراءات متباينة، تجعل المتلقي قادراً على تأويل الشخصيات المتربصة بعرفات وفقاً لرؤيته له.

بمعنى إنها قد تمثل الكهنة والقادة أصحاب النفوذ المعارضين للمسيح، أو تعبر عن التيارات الإسلامية المتشددة، والمنتفعين في مقابل المتصوف الإصلاحي، أو تكون مجرد شخصيات سلبية طامعة في المكانة التي يكتسبها رجل طيب، يرى جمال الخلق وعظمة الخالق.

في جميع الأحوال، يظل المتربص الأكبر هو خلدون "طارق لطفي" مجسداً الشيطان بكافة شروره وألاعيبه.

حكاية "أولاد حارتنا"

بنية نص جزيرة غمام ورمزيته دفعت كثيرين إلى الربط بينه وبين الرواية الأشهر في هذا الصدد "أولاد حارتنا"، التي كتبها الأديب نجيب محفوظ، وتعد صاحبة الحظ الأوفر بين رواياته المتأثرة بالقصص الديني.

التماثلات واضحة من الحلقة الافتتاحية في المسلسل، التي تشهد رحيل الشيخ مدين "عبد العزيز مخيون"، حيث يجمع مريديه الثلاثة ويوزع إرثه عليهم، يمنح كل منهم ما يستحقه، ويمنع عنه حسب إرادته.

نعرف أن لديه دفتراً يسجل فيه خطايا أهل القرية، وأنه مطلع على قرب الخطر، ويعرف علاماته.

يتشابه هذا الحدث مع ما فعله "الجبلاوي" في الرواية، حينما جمع أولاده ليعلن من سيورثه إدارة الوقف قبل الاعتزال. الفارق أن الأول يرتدي حلة الصوفية، أما الثاني فينحدر من عالم الفتوات والنبابيت.

ولأن ملحمة الجزيرة في طيتها تحمل طيفاً من قصة المسيح، فإن شخصية عرفات تبدو مشابهة لرفاعة في الرواية، وكما يدعو الصوفي إلى الرضا والتسليم، يقول رفاعة: "سعادة الحياة الغنّاء هي كل شيء، ولا يحول بيننا وبين السعادة إلا العفاريت الكامنة في أعماقنا".

ورغم أن قصة الخليقة وتعاقب الحيوات والأشخاص عليها تلوح في حكاية الجزيرة مثلما تتبناها حارة محفوظ، إلا أن تأثر عبد الرحيم كمال بقصص الأنبياء ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى بداياته في التليفزيون، ويمتد على مدار مسيرته الفنية.

عبد الرحيم كمال وقصص الأنبياء

يدرك عبد الرحيم كمال جيداً أن الكتابة حرفته ومصدر رزقه، لكنه لا يكتب إلا ما يحب ويلمس قلبه. يستلهم حكاياته من مصادر مختلفة؛ أدب عالمي، روايات عربية، قصص تاريخية وتراث شعبي، وقبل كل هذا، من نشأته الصوفية وثقافته الدينية. يطوع النصوص لتناسب البيئة، ويجعلها مفتوحة على تفسيرات وإسقاطات عدة، لأنه مؤمن "أن التاريخ دائماً يعيد نفسه، من ماض وحاضر ومستقبل، لكونه امتداداً للتجربة الإنسانية".

في أول أعماله التليفزيونية "الرحايا" مع المخرج حسني صالح، يفتتح الكاتب الأحداث بمشهد الأب "نور الشريف" يعثر على جثة ولده غارقة في النيل، يشك أن الفاعلين هم أبناؤه الثلاثة، الذين يغيرون من حبه لشقيقهم وتفضيله عليهم.

يصبح حادث الموت مأساة الأب وهمه الشاغل، وعندما تثبت صحة شكوكه يثقل حزنه ويزداد غضبه. تحضر في الأذهان قصة النبي يوسف، ومكانته الكبيرة في قلب أبيه يعقوب التي جعلت أخواته يحسدونه ويلقونه في البئر.

تتردد أصداء القصة الدينية في حبكات فرعية داخل الأحداث، منها مشهد ذهاب أحد الأبناء لشقة بغرض الاستمتاع بالرقص وجلسة اللهو دون التورط في علاقة حميمية. تنجذب السيدات لوسامته غير المعهودة في رجال البلد، ويحاولن إرغامه على ممارسة الجنس، إلا أنه يرفض الانصياع لهن، ويفر من تحت أيديهن.

يستلهم عبد الرحيم كمال قصص الأنبياء في كتابته للدراما، ولكنه يرفع عن شخصياته القدسية، ويجعلهم بشراً يصيبون ويخطئون، لهم سقطاتهم ومزاياهم... وآخرها مسلسل "جزيرة غمام"

يُظهر عبد الرحيم كمال تأثره بالقصة، لكن يرفع عن شخصياته القدسية، ويجعلهم بشراً يصيبون ويخطئون، لهم سقطاتهم ومزاياهم. يأتي في مقدمتهم الأب، الرجل ذو النفوذ، الذي يتزوج ويطلق كيفما يشاء، يفرض قوانينه على الجميع، ويتحكم في مصائرهم. يمتلك فلسفة فاسدة عن العدل، تجعله مستبداً في أحيان كثيرة. كذلك الحال بالنسبة للأبناء؛ كل منهم تتلون شخصيته بالرمادية التي تحملها النفس البشرية.

يعيد المؤلف استخدام نفس التركيبة في مسلسل" يونس ولد فضة"، الذي أخرجه أحمد شفيق، إلا أن حضور القصة الدينية يتراجع في مقابل الحبكة الأثيرة لديه عن الطمع والرضا، ويكتفي باستلهام خيط منها في سرديته.

يحيلنا اسم المسلسل إلى النبي يونس، المنسوب إلى أمه "يونس بن متى"، ويبدو الإطار العام لرحلة البطل (عمرو سعد) متأثراً بقصة تركه لقومه ثم عودته إليهم، حيث تبدأ الأحداث بخروجه من البلدة، إثر التورط في جريمة شرف دفاعاً عن أخته، والانتقال لمكان جديد ينتحل فيه اسماً وصفة آخر، ثم العودة بعد سنوات إلى مسقط رأسه.

"هناك تشابه مع أزمة النبي يونس، من بعيد، وأيضاً قصة النبي إبراهيم عندما تم وضعه في النار، فالدراما في شخصية يونس كمثل من ألقى في النار"، هذا ما قاله عمرو سعد عن حبكة المسلسل والدراما التي يقدمها.

تجارب سابقة بين الوضوح والاستحياء

بالتأكيد عبد الرحيم كمال ليس وحده المستلهم من قصص الأنبياء والرسل، وإنما هناك عدد من الكتاب والمخرجين، تأثروا بثرائها وخيوطها الدرامية المتشابكة.

يميل البعض إلى الكشف بوضوح عن مصدر الإلهام، مثل المخرج محمد سامي، الذي كتب مسلسل "البرنس" متأثراً بقصة النبي يوسف، حيث قدم حبكة تعتمد على صراع ينشب بين أشقاء على الميراث، بعدما كتب والدهم كل ممتلكاته للابن الأقرب له، والأكثر التزاماً بوصيته.

أما البعض الآخر فيفضل التورية، وينشغل بصناعة عوالم وشخصيات تمتاز بقدرات إعجازية، دون أن يحصر إسقاطها على معنى محدد أو نبي بعينه، مثل الكاتب محمد أمين راضي.

فهو يصبغ حكاياته بصبغة ميتافيزيقية، تفتح الباب للتأمل والتأويل، كان آخرها "منورة بأهلها" للمخرج يسرى نصرالله. إذ يهب شخصية علياء فوزي (غادة عادل) صفات خارقة، تجعلها قادرة على إدراك الخير في نفوس البشر، وتخليصهم من آثامهم.

ومن بين التجارب المستترة أيضاً في ثوب الخيال، تجربة الكاتب مصطفى محرم في مسلسل" عائلة الحج متولي" الذي أخرجه محمد النقلي.

يوسف ألقي في البئر، ويونس هجر قومه لسنوات، ومحمد تزوج الكثيرات بعد موت خديجة... تعرف على الحكايات الدرامية المصرية التي استلهمت قصص الأنبياء، وآخرها "جزيرة غمام"

يناقش العمل قضية تعدد الزوجات في المجتمع الإسلامي، ويتناول حياة رجل طموح (نور الشريف) يتصف بالشرف والأمانة، تأتيه فرصة الزواج من أرملة رب عمله، ويتولى إدارة أملاكها وميراثها، ثم بعد رحيلها، يتزوج أكثر من مرة لأغراض مختلفة.

استوحى الفكرة من عدل النبي محمد مع زوجاته.

كان هناك تكهنات كثيرة حول المسلسل وشخصياته، وظل الكاتب صامتاً لسنوات حتى كشف أخيراً أنه استوحى الفكرة من عدل النبي محمد مع زوجاته.

كان المقرر هو إعادة تقديم مسلسل" الساقية" الذي عُرض في منتصف ستينيات القرن الماضي، إلا أن محرم لم تعجبه فكرة صراع الزوجات على الرجل، وشعر أنها مكررة.

يقول: "فجأة خطرت في بالي حياة سيدنا محمد، ووجدت أنه لم يتزوج على السيدة خديجة، بينما تزوج بعد وفاتها عدداً من الزوجات. قلت سأقدم قصة شبه مستوحاة عن زوج نجح في أن يعدل بين زوجاته، في إطار من العلاقات غير التقليدية، على أن تكون لكل شخصية منهن صفة تقربها من الناس. وكان هدفي كمؤلف أن أوضح أن الرجل إذا حقق العدل بين زوجاته سيعيشن جميعاً في سلام".

قد تتباين الآراء حول تقديم الشخصيات المقدسة على الشاشة، إلا أن خيال المبدعين سيظل خصباً يصوغ الحكايات في بنية سردية مسترسلة، قابلة للتلقي على أكثر من مستوى.

المهم أن تتسع القلوب قبل العقول لفهم الرؤى، واستيعاب المعالجات التي تستحضر ما فات لتعلق على قضايا معاصرة مهمة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard