بين "سوناتا عزيزة" و"عايقة" جزيرة غمام... حكايات الغجر في الأدب والدراما

الثلاثاء 19 أبريل 202206:11 م

تحمل الجدة الهموم والتراث، ويشبّ الفتى بِرهان وقد اعتادت عيناه مشاهد الانتهاك البدني والجنسي والجريمة باعتبارها حقائق حياة. كل فرد في العائلة يمارس جريمة يدينها القانون والمجتمع بصورة أو أخرى. لكن الجدة المتسولة والخال اللص والصديقة التي تقدم الخدمات الجنسية مقابل المال أو تفادي الضرب والتعذيب، لا ينظرون إلى ما يفعلون باعتباره جرائم بل مِهناً عادية فرضت عليهم. وكذلك بِرهان صاحب القدرات الخاصة الذي كبر ليصبح زعيم جريمة، قبِل الدور الذي رسمه له المجتمع وفرضته عليه ظروف الميلاد بين عائلات الروما (الغجر).

 هذه حكاية فيلم زمن الغجر Time of the gypsies للمخرج الصربي إمير كوستريتسا (كوستريكا)، وهو واحد من أفلام قليلة ناجحة سعت إلى تقديم صورة إنسانية لعوالم الغجر، التي تحضر أحياناً في أفلام شرق أوروبا باعتبارها من مناطق انتشارهم، وإن كانوا يعيشون فيها على الهامش كما يعيشون في غرب أوروبا وفي العالم العربي. أما صورتهم في العالم العربي فلها أبعاد أخرى.


سُبَّة هوياتية

يتمثل الغجري في الثقافة الشعبية من خلال صورة نمطية لرجل أشعث الشعر يربط عربته الكارو بحمار هزيل أو حصان بلدي مستنزف العزم، خائر القوى، يزركش صندوقها الخشبي بألوان مبهرة ورسوم لأزهار كبيرة بألوان صارخة، رايته المرفوعة منديلاً من الحرير الأحمر، وربما تزين صندوقها برسم لوجه إمرأة جميلة هي حبيبته. وهو شخصية سهلة الاستدعاء لتجسيد الأفكار الهوياتية التي يحبها ويستثمر فيها صناع الرواية والدراما التي تبحث عن رموز جاهزة لأفكار وطنية أو قومية غير مباشرة.

هذا الاستدعاء، لجأ إليه الكاتب المصري عبدالرحيم كمال لدى كتابته المسلسل الرمضاني "جزيرة غمام"، الذي يحوز إعجاب الكثير من أعضاء الوسط الثقافي المصري خلال رمضان الجاري.

ينسج كمال بعض خيوط الغزل الهشة حول شخصية الغجري في مسلسله ليجدد الجدل حول تلك الهالة الأسطورية المحيطة بها، في إسقاطات تستثمر الميثولوجيا الدينية والاجتماعية، مستدعياً بعض ملامح شخصيات كتّاب عالمين ونصوص أدبية مؤسسة كفاوست غوته.

تغلّف الكتابات عن مجتمع الغجر الأساطير بغلالة دينية هشة ومزيفة، تطل من خلفها أساطير غارقة في الدنيوية والشهوات والشره في تحقيق اللذة الآنية. فهم القادمون من عوالم ذات رابط بثقافة الرمل وخلفية البداوة، ومن حياة الطبيعة البكر لأبناء المطر والريح، بلا هوية محددة ولا أوراق ثبوتية، وإناثهم يتمتعن بجمال فوضوي، جاذب رغم فوضويته الطافحة بعفوية أحياناً، وغارق في المكر والغواية أحياناً أخرى.

يمثل الغجري شخصية سهلة الاستدعاء لتجسيد الأفكار الهوياتية التي يحبها ويستثمر فيها صناع الرواية والدراما التي تبحث عن رموز جاهزة لأفكار وطنية أو قومية غير مباشرة

عبّرت بعض الفنون البصرية عن صورة الغجري في الثقافات العربية والغربية فتركت لوحات فنية مدهشة٠

في لوحته "المرأة الغجرية" خاض الرسام البلجيكي جان فريدريك بيتر مغامرة فنية رائعة، رسمها عام 1873 وبارزه الفن بالفن الرسام الألماني تشارلز كريستيان بلوحة بنات الغجر.

التمييز العرقي والجندري

 وفي روايتها "سوناتا عزيزة" الصادرة عن دار بتانة تفضح الكاتبة أميرة بهي الدين الزعم الأوروبي بالمناداة بحقوق الإنسان، في وقت تمارس تلك المجتمعات العنصرية والتمييز دون هوادة، ويتبدى ذلك في نظرتها إلى الروما (الغجر) العالقين بين الثقافات والقارات، المشتبكين مع كل الحضارات من دون أن يتحولوا إلى نسخة مقلدة من أيٍ من المجتمعات والبيئات الأوربية التي اشتبكوا معها.

تقدم بهي الدين لوحة صاخبة فيها حكاية سردية مغايرة عن الترا الدرامي والأدبي المكرر لشخصية الغجري والغجرية. فمن أسرة لأسرة ومن بيئة لبيئة أخرى، تجري الحياة بالطفلة الغجرية المتبناه "عزيزة".

تتعدد الشخصيات وتتشابك الأحداث وتتكتل الرؤى لصنع مادة تشويقية دسمة وخطوطاً درامية متوازية، وتمسك الكاتبة بخيوط شخوصها بتمكن لتطرح من خلالها عدة قضايا إنسانية شديدة الحساسية وواسعة التأثير.

تغلّف الكتابات عن مجتمع الغجر الأساطير بغلالة دينية هشة ومزيفة، تطل من خلفها أساطير غارقة في الشره للَّذة. فهم القادمون من عوالم البداوة، وحياة الطبيعة البكر بلا هوية محددة، وإناثهم يتمتعن بجمال فوضوي، يطفح بالعفوية حيناً، ويغرق في المكر والغواية أحياناً أخرى.

نظرة عربية واحتقار عالمي

يورد حمزة الأصفهاني في كتابه "تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء" اسماءً كثيرة  للغجر، ينطوي معظمها على الإهانة والتحقير منها: التتار، الكفار، العرب، الإغريق، الأتراك، اليهود، القرج، الفراعنة، الآثينيون، الحمقى، الاتزينغانيون.

وأطلق العرب عليهم اسم "الذُطّ". وثمة من يرى أن كلمة الغجر لفظة تركية من "كوجر" ومعناها الرُّحّل. ومن المحتمل أن تكون كلمة الغجري تصحيف لـ "القاجاري" نسبة لقبيلة تركية.

ويحتفظ العرب بسجل قديم يتصل بتأصيل جذور الروما. في الحكاية الأسطورية، أن الزير سالم شقيق الملك البكري كليب عندما انتصر على قوم جسّاس في حرب البسوس الشهيرة بين بكر وتغلب، أمر أعداءه المغلوبين بالترحال الدائم وعدم الاستقرار في أي مكان، ومنعهم من إشعال النار في ديارهم، وعند وفاته، ابتهجوا وأقاموا الإحتفالات وأشعلوا نيراناً كثيرة وكبيرة، ومن هنا جاء اسم "النَوَر" الذي يطلق عليهم في بلداننا العربية، نسبة للنور الهائل الذي أحدثته نيران احتفالاتهم إثر وفاته.

في الإنجليزية يسمّونهم Gypsies جبسي. وهناك من يرد أصولهم لطائفة إغريقية يطلق على أفرادها "الذين لا يُلمسون" وهم طائفة فارسيّة تتكوّن من السحرة والعرّافات. عام 1979، أقرّ أحد المؤتمرات في سويسرا تسمية Rom للغجريّ و Roma للجمع ولغتهم الأساسيّة "الرومانيّة" والكلمات السيئة التي تزخر بها بعض اللغات ترجع بجذورها لكلمة "غجر".

قبل 77 عاماً، وضع المنظر وقائد القوات النازية الخاصة SS هاينرش هيملر الغجر ضمن قائمته للعرقيات التي يجب التخلص منها للحفاظ على نقاء العرق الآري على أراضيه. وكان للغجر نصيب لا يقل عن اليهود في المحارق والانتهاكات التي مورست في معسكرات الاعتقال الجماعية، وإن لم يكن لهم قوة تذكر ولا تأثير يجعل مأساتهم ضمن أجندات المحاسبة والتعويضات.

احتل الغجر مرتبة متدنية في الترتيب العرقي للنظرية النازية، بحسب قوانين نورمبيرج لعام 1935 باعتبارهم "شعوباً غير آرية"، وبالتالي يمنع عليهم الزواج بألمانيات، ووصفوا بأنهم مجموعات منغلقة على نفسها في قانون 1937، وهي تهمة جنائية يعاقبون عليها، وإن لم يرتكبوا أي جريمة. وعام 1938، أنشأ هتلر مكتباً مركزياً لمكافحة خطر الغجر.

لم تكن هذه هي المذبحة العرقية الأولى في حقهم، فقد تعرضوا لممارسات عدوانية من الشعوب المستقرة على مر التاريخ، كالترحيل القسري وعدم الاعتراف بهم كمواطنين في البلدان المقيمين فيها، ورُحّلوا من مناطق عديدة في أوروبا، ووصلت قمة الكراهية في الأمر الذي أصدره ملك (بروسيا) في عام 1725 وقضي بقتل كل غجري بلغ الثامنة عشرة من العمر وما فوق.

من هم؟

يقال في وصف الغجر إنهم شعب أطواره غريبة. وينتسب شعب "الروما" بشكل أساسي إلى الرومن (فى أوروبا) والنَوَر والكاولية والدومر (فى الشرق الأوسط)، بعضهم يتكلم لغة مشتركة قد تكون من أصل هندي، ولهم ثقافة وتقاليد متشابهة، وحتى أواخر القرن العشرين ظلت شعوب الغجر تعيش حياة التنقل والترحال.

تختلف الآراء حول تاريخ الغجر وأصولهم. يقول مؤرخون إنهم مصريون هاجروا قديماً ويقول آخرون إن أصولهم تعود إلى الهند وإيران ومناطق وسط آسيا وجنوبها، وإنهم هاجروا من أراضيهم قرابة القرن الرابع الميلادي، بينما ذهب مؤرخون ميدانيون إلى أنهم هاجروا في منتصف القرن الخامس عشر لمناطق المجر وصربيا وباقي بلاد البلقان الأخرى، وبعدها انتشروا في بولندا وروسيا، إلى أن بلغوا السويد وإنجلترا غذ القرن السادس عشر، كما استوطنوا في إسبانيا بأعداد كبيرة، وتعد هي الحاضنة الأكبر لهم.

هذه الصورة الشائعة ساهمت في جعلهم زاداً لكتابات روائية تعيد استثمار تلك الصورة عنهم، وتكاد إدانتهم وإلصاق الوضاعة بهم ممارسة متكررة في أغلب الأعمال التي تناولتهم، خاصة في العالم العربي

وهم مجتمع مغلق على ذاته، لا يتزوجون من خارج طوائفهم. تفيد الصور الشائعة عنهم بأنهم بلا تعليم ولا مرجعية دينية أو أخلاقية، وغارقون في الملذات الحسية، ويمارسون السحر الأسود.

هذه الصورة الشائعة ساهمت في جعلهم زاداً لكتابات روائية تعيد استثمار تلك الصورة عنهم، وتكاد إدانتهم وإلصاق الوضاعة بهم ممارسة متكررة في أغلب الأعمال التي تناولتهم، خاصة في العالم العربي. بينما سعى أدباء وفنانون، غالباً من غير العرب، إلى حلحلة تلك النظرة، واستخدام الصورة الشائعة في رسم صورة إنسانية لهذه المجتمعات المهمشة.

 من أشهر من قدموا شخصيات الغجر مستعينين بصورة "السحر" الشائعة عنهم، الروائي غابرييل غارسيا ماركيز، رائد تيار الواقعية السحرية الذي قدم في عمله الأبرز "مائة عام من العزلة" شخصية "ميلكيادس" الغجرية. كما استلهم منهم فيكتور هوجو العناصر التي شكلت شخصيات روايته الاشهر "أحدب نوتردام"، واستدعاهم الجزائري عمارة لخوص في رواية "مزحة العذراء الصغيرة في شارع أورميا"، التي تعرض فيها لما يلاقيه الغجر من استهداف وإلصاق الجرائم بهم.

ومن أهم الأدباء الذين مجدوا حياة الغجر الذين يعيشون في أحضان الطبيعة، الإسباني ميغيل دي سرفانتيس (1547-1616) مؤلف "دون كيخوته"، وذلك في كتابه الأقل شهرة "لا غيتانيلا". وأشاد الموسيقي الفرنسي جورج بيزيه (1838-1875) في أوبرا كارمن بحياة الغجر الطليقة.

وأبدع الروائي الروسي مكسيم غوركي في وصف تناقضات الشخصية الغجرية في "الغجر يصعدون إلى السماء" التي تحولت إلى فيلم أخرجه الشاعر والسينمائي الروسي إميل لوتيانو. 

ثقافة ثرية

تفرقت لغاتهم بتفرقهم وتأثرهم بألسنة القوميات المتعددة التي خالطوها، وهناك محاولات لتدوينها على الرغم من أن المنشورات الغجرية المكتوبة ظهرت فعلاً أيام الاتحاد السوفياتي في عهوده الأولى.

انقسموا في دياناتهم فأصبح جزء منهم مسلمين كما في البوسنة والهرسك، وبعضهم اتبعوا المسيحية الأرثوذكسية (الكنيسة الشرقية السلافية الروسية) في صربيا والجبل الأسود، ومعظم الغجر في أوروبا الغربية رومان كاثوليك، ولكنهم حافظوا على كثير من معتقداتهم السابقة قبل اعتناقهم المسيحية.

تتشكل ثقافاتهم من مخزونهم الحكائي ومرويات الأجداد لتصنع المعرفة التراكمية التي أطَّرت معتقداتهم، وغذتها الأساطير بأن الإنسان خلق من ثلاثة أصول، وأن أجداد البشرية ثلاثة رجال، أولهم أبيض وهو جد الأوروبيين وأمثالهم من البيض، والآخر أسود وهو جد الأفارقة، والأخير جد الغجر، ويسمى "كين Cain" وهو النطق الغربي لاسم قابيل، وفي حكاياتهم، قتل جدهم شقيقه وعوقب من الله بأن جعله هائماً في الأرض هو وذريته من بعده.

يصعب الإمساك بمفردات الإبداع الغجري، خاصة في مجال الأدب المكتوب أو الشفاهي، فكل مفردات حياة الغجر ترتحل معهم في فضاءات الحرية وإسقاط الحدود. ولم يسجل التاريخ الأدبي عامة أسماء لمثقفين وأدباء من أصول غجرية، وما سُجل عنهم لا يتعدى القصائد القصيرة المرتجلة. فالصفة المميزة للأغنية الغجرية هي الارتجال وتغنى بشكل تلقائي دون أن يفكر المغني أن يحفظها يوماً ما أو يسجلها بشكل من الأشكال. فالهدف إدخال البهجة الموقّتة في النفوس.

غير أن برونسلافا واجس أو بابوسا شذت عن هذه القاعدة، فهي شاعرة ومغنية عاشت في بولندا وتوفيت عام 1987 ولم يسمع بوفاتها أحد، وأرَّخت لطقوس الرقص وعازفي القيثارات الغجرية في ليتوانيا وبولندا وكرواتيا وفارس والهند والأندلس وبلغاريا وتشيكيا.

في الغرب، جمعت مس يتس أشعارهم وقصصهم وحكاياتهم الشعبية في كتاب وصف تراثهم وأناشيدهم بالجمال والسخر والبساطة، وجمع الصربيّ راد أوليك أغانيهم وأصدرها في بيوغراد في عام 1982 تحت عنوان "أشعار الغجر".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard