شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
لم يفكر الصائمون، جلُّهم، بغيرهم… حيث يهزم الدنيويُّ الدينيَّ في رمضان

لم يفكر الصائمون، جلُّهم، بغيرهم… حيث يهزم الدنيويُّ الدينيَّ في رمضان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي

الجمعة 8 أبريل 202211:44 ص

شعيرتان دينيتان تستأثران دون غيرهما باتصالهما بالناس، وتحصدان، على المدى السريع، نتائجَ منافعهما على الإنسان، وهما الزكاة والصيام، في حين أنّ الأركان الثلاثة الأخرى: الشهادة بالله والنبي محمد، والصلاة، والحجّ، تندرج في إطار العبادات الفردية التي لا توسّط فيها بين الأرض والسماء.

ولئن كان الصيام في شهر رمضان يشتمل في أواخره على تقديم الزكاة لمستحقيها، فإنّه في مبتداه ووسطه ومنتهاه، فرصة للإطلالة على آلام الآخرين، وتقاسم النعماء معهم، ليس في الطعام والشراب وحدهما، بل في السلوك العام الذي يتّسم بفيوضات من الورع لا نحسبها سلوكاً موسمياً، ولو كانت كذلك، لكنها بمثابة استراحة وإراحة للقوى الشريرة في داخلنا التي تظل تعمل بضراوة طوال أشهر السنة.

هاهنا، يبدو الورع أمراً شكلانياً يتصل بالإقلاع عن بعض الممارسات، والامتناع عنها خلال شهر واحد في السنة، يقال إنّ الذنوب كلَّها تُغتفر خلاله، ما يعني تجديد المعاصي بعد انقضائه، في فهم سقيم لمضامين الخطاب الديني، الذي يتوخى من الصيام أن يكون شهراً لتدريب النفس على الإيثار والصبر، والتعاطف مع عذابات البشر، والتضامن معهم، ومساعدتهم على العيش الكريم، وهنا يكمن جوهر الفهم الإيماني لرمزية الصوم.

ولئن كان الصيام في شهر رمضان يشتمل في أواخره على تقديم الزكاة لمستحقيها، فإنّه في مبتداه ووسطه ومنتهاه، فرصة للإطلالة على آلام الآخرين، وتقاسم النعماء معهم، ليس في الطعام والشراب وحدهما، بل في السلوك العام الذي يتّسم بفيوضات من الورع لا نحسبها سلوكاً موسمياً

قيل الكثير حول خروج "رمضان" عن سياقاته المقاصدية، وتحوّله إلى "كرنفال" لإشباع الملذات الحسية التي تتعدى الأكل والشرب إلى الاسترخاء الطويل، وضعف الإنتاجية، وقتل النهار بالنوم، وقضاء الليل في السهر و"الطرنيب" ومتابعة المسلسلات، وزيادة الإنفاق، وسوى ذلك من مظاهر نزعت عن الصيام طبيعته التقشفية، وأفسدت مقومات الزهد فيه، وفتحت للنفس أبواب الشهوات وطلب الملذات، فاختلّ الميزان النفسيّ والصحي للصائمين، جُلِّهم.

ويتحمّل الفقه مسؤولية هذه "الانحرافات" في فهم الطبيعة الروحانية للصيام الذي يعني الامتناع والتعفّف، والسخاء عبر تزكية النفس ببذل الخير، وتصفية الروح من سموم العداوات.

في معنى "احتساباً" يكمن الأمل بـ"الجزاء الوفير" الذي وعد به الله الصائمين، وتلك جزء من المصفوفة الإيمانية التي ربطت العمل بالجزاء، ولم تجعل العمل مفتوحاً على أفق الخيريّة لكونه عملاً صادراً عن إرادة خيّرة ترى.

وقد ساهمت نصوص دينية في جعل "رمضان" موسماً لـ "التخفيضات" بهدف تحفيز المؤمنين على هذه الشعيرة، حيث تُفتح في هذا الشهر "أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار"، وأنّ الله فضّل "رمضان" على باقي شهور العام، "فأنزل فيه القرآن وفيه تغفر الذنوب، ويَعتق الله من يشاء من النار، وفيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم، وفيه تصفّد الشياطين، وهو شهر البركة".

ويروى عن النبيّ قوله: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"

وفي معنى "احتساباً" يكمن الأمل بـ"الجزاء الوفير" الذي وعد به الله الصائمين، وتلك جزء من المصفوفة الإيمانية التي ربطت العمل بالجزاء، ولم تجعل العمل مفتوحاً على أفق الخيريّة لكونه عملاً صادراً عن إرادة خيّرة ترى، كما قال كانط، في أداء الواجب ضرورة نابعة من احترام القانون الأخلاقي، ما يجعله أمراً حريّاً بالاتباع، لا لنتائجه بل لطابعه الإلزامي. الربط، الناشىء عن تلازم الفعل بالجزاء، هو ما وفّر للبؤساء الملاذ بالوعود الخُلّبية التي انهكمت في تزيين المآلات (التي فيها أنهار عسل وخمر، وحور عين، وما لا خطر في بال) لمن يقتل نفسه في عمل "استشهادي" حتى لو استهدف مقهى أو مدرسة أو كنيسة.

وما يُعيد شعيرة الصوم إلى سِكّتها السليمة هو الدفاع المجتمعي والفقهي والأخلاقي عن مكاسبها في تحويل "رمضان" إلى محطة للخير والإيثار، بشكل منهجي ومؤسسي، وهنا يأتي دور الفقهاء والدُعاة (وخصوصاً "اليوتيوبر" منهم) في توجيه دفة الصائمين نحو تخصيص جزء من أموالهم المُنفَقة على الطعام والشراب والمآدب العامرة، لمصلحة محتاجين يأملون أن يسهم هذا الشهر في سدّ رمقهم، وإعالتهم ومساعدتهم على مواجهة غوائل الحياة، فـ"ما ضُرب العبادُ بسوط أوجعَ من الفقر".

الدين، مثل أية فكرة، يكسب عندما تتحوّل نصوصه إلى خطط عمل، أو إلى مشاريع ينتفع منها النّاس، وهنا تأتي مركزية "الزكاة" كأيقونة لأركان الإسلام الخمسة. وعند هذه الشعيرة تُمتحن الإرادة الحقيقية للصائم من كونه كائناً يؤدي واجباً دينياً كي تُغسل ذنوبه أو ينال أجراً، أو تُبيّض صفحته، فيعود بعد رمضان "للرقص مع الشيطان"... أو كونه جزءاً من الجماعة البشرية التي تصنع آلامَها الدعوةُ إلى "فكّر بغيرك" وشاركه لقمة الخبز بأن تشبعه، أو تتعفّف فتشاطره أوجاع الحياة.

ليس في التصور السابق نزوعاً إلى "شعْرَنة" القضية وإسباغ المثالية والرومانسية عليها، ولكنّ الجوع حين يعضّ الناس فذلك يعني تصدّع مقاومة إكراهات العيش في الصحارى الأخلاقية، وغياب قيم العدل والخيريّة والأخوة الإنسانية، وهذا ما تثبته الوقائع والبيّنات.

الفساد ليس حكراً على الأنظمة الحاكمة، بل أيضاً على النفس الحاكمة التي نظرت إلى متعتها بعينين جاحظتين، فلم ترَ أبعد من ذلك، ولم تسمع، ووكّلت أمرها لله، ونامت ليلها الطويل، وهي تحلم بجنة "عرضها كعرض السماء والأرض"

الأرقام تقول إنّ نسبة الفقراء في العالم العربي في ازدياد مضطرد، هذا يشمل سوريا، اليمن، العراق، مصر، غزة والضفة الغربية في فلسطين المحتلة، لبنان، الأردن، المغرب، الجزائر، السودان، ليبيا، موريتانيا، جيبوتي، ما يعني أنّ الدول المستثناة من ذلك هي فقط دول الخليج.

وعمقت جائحة كورونا جراح الفقراء، وزادت نسبة العاطلين عن العمل، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا حاملة معها نذر أزمة غذائية قد تمهد لما قدّره خبراء بانتفاضات جديدة، على غرار ما جرى في "الربيع العربي" يخرج فيها الجياع في الدول التي يعصف بها الفساد والاستبداد، وما أكثرَها، لا سيما أنّ تقريراً أممياً أكد أنّ "ما يقرب من ثلثي السكان العرب إما فقراء أو معرّضون للفقر".

أخفقت السياسات العربية، بمجملها، في إحداث تنمية جوهرية تحقق للإنسان الكرامة والعدالة، فجاع كثيرون، وما زال اليأس يطوف في الشوارع العربية. فشلت الحكومات بسبب فسادها، وفشل الإنسان العربي في أن ينظر أبعد من قدميه أو من سيقان طاولته العامرة بمائدة إفطار رمضاني يذهب أكثر من نصفها إلى حاويات القمامة، فيما يئنّ كثيرون.

لم يفكر الصائمون، جلُّهم، بغيرهم. فتصدّع التضامن الإنساني، وذبلت المعاني المنمّقة التي تتستّر بها الشعائر، وتقشّر الورع عن سلوك "كرنفالي" مؤقت تواطأت الغالبية على تأديته والانخراط فيه، وهزم الدنيويُّ الدينيَّ. الفساد ليس حكراً على الأنظمة الحاكمة، بل أيضاً على النفس الحاكمة التي نظرت إلى متعتها بعينين جاحظتين، فلم ترَ أبعد من ذلك، ولم تسمع، ووكّلت أمرها لله، ونامت ليلها الطويل، وهي تحلم بجنة "عرضها كعرض السماء والأرض".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard