"تزوجنا في السنة اللي السادات منع فيها اللحمة"... قصص مصرية عن الحبّ الأوّل في الجامعة

الاثنين 25 أبريل 202211:03 ص

قد نجد الحب في المدرسة أو في بيت الجيران أو بين أقاربنا أو حتى على الطرق، لكن يبقى لحب الجامعة خصوصية تتعلق بنمو عقولنا وأرواحنا وتجربتنا الجديدة في الحياة خارج كل الأسوار لأول مرة، فقلت لمَ لا أسأل بعض الأشخاص عن حبهم الأول بالجامعة، وهل عاش هذا الحبّ أم بقي "هناك"؟

تجربة العمّ علي

العمّ علي (66 سنة) هو صديقي يعمل بدار نشر. يرشدني دائماً عندما أذهب إليه تائهةً في متاهات الحياة. حين سألته عن الحب على الهاتف، قهقه وقال: "لا أنتي تجيلي نشرب شاي وأنا أحكيلك". كان العمّ يعدّ لي كوباً من الشاي ويزينه بالقرنفل، بينما يشغل إحدى الأغنيات القديمة. وبعدما أشعل سيجارته، سألني: "ماذا أحكي بالضبط؟ أخبريني من أين أبدأ؟ حكايتي طويلة أوي".

قد نجد الحب في المدرسة أو في بيت الجيران أو بين أقاربنا أو حتى على الطرق، لكن يبقى لحب الجامعة خصوصية تتعلق بنمو عقولنا وأرواحنا وتجربتنا الجديدة في الحياة خارج كل الأسوار لأول مرة، فقلت لمَ لا أسأل بعض الأشخاص عن حبهم الأول بالجامعة، وهل عاش هذا الحبّ أم بقي "هناك"؟

حكى العم علي: "حتى تفهمي تجربتي بالجامعة، عليّ أن أحكي لكِ كيف كنت قبلها، كنت ولداً من عائلة بسيطة بالمرحلة الثانوية إما أدرس أو أقرأ. وكنت أنظر لزملائي في الثانوية على أنهم تافهون. لا أستطيع أن أكوّن معهم حواراً أو صداقة، فكنت متحمساً جداً للجامعة لأن فيها أناساً يشبهونني". يضحك العم علي بصوت عالٍ ويكمل: "قال يعني اللي معايا في الجامعة مش همّ همّ اللي معايا في الثانوي".

"وفي يوم 30 أذار/ مارس 1975 فوجئت بها في الكلية وخرجنا معاً. رحنا كازينو برج القاهرة وهناك قالتلي بحبك".

ويضيف: "سنة 73 دخلت الجامعة وقت حرب أكتوبر. دخلت كلية الآثار وكانت وقتها لسه تابعة لكلية الآداب. جت قعدتي جمب [سمارة] (ليس اسمها الحقيقي، ولكن هكذا يطلق عليها العم علي). كانت بنت مبهرة عكس أي بنت شفتها في عائلتي أو في حياتي، قوية ونشيطة وجريئة قطر كده مفيش حاجة بتوقفها، مكنتش البنت المكسورة اللي بنشوفها. وبدأ يبقى بينا شيء، كنت سعيد جداً وطاير بالإحساس الجديد اللي أنا حاسه. اعترفنا لبعضنا بالحب، ورغم أن هذه العلاقة أفادتني لأنها كانت مختلفة وجاءت في وقت كنت أربي نفسي فيه من جديد ثقافياً وروحياً وعلمياً، إلا أنها لم تستمر كثيراً ربما 4 شهور. وذلك لأنّ سمارة شعرت أن حياتها تختلف عن حياتي، هي عايزة تنطلق وتسافر وتجري، وأنا كنت بحبها، وبحب واحدة يعني هتجوزها ونستقر هو كده، ففضلت أن ننفصل لأنها لم تكن تفكر بالزواج، وإلى يومنا هذا أنا وهي أصدقاء جداً جداً".

ويردف: "في السنة الثانية من الجامعة كنت أنا تغيرت كثيراً، وتخلصت من نظرتي المثالية للحياة. أصبحت أكثر نضجاً، كان لي أولاد إخوتي بمعهد التعاون. وكنت أذهب لهم وهم يأتون لي وهكذا. هناك، تعرفت على (أسماء) كانت عكس سمارة تماماً، ملتزمة جداً ومتحفظة، لكنها نشيطة ومجتهدة تعمل أثناء الدراسة. وبدأ حب جديد بيننا. كنت أظهر اهتمامي بها طوال الوقت، لكن بلطف ودون إلحاح لأنها كانت رقيقة جداً. وفي يوم 30 أذار/ مارس 1975 فوجئت بها في الكلية وخرجنا معاً. رحنا كازينو برج القاهرة وهناك قالتلي بحبك".

ويكمل: "استمرت العلاقة بيننا. كان شعوراً جميلاً ومختلفاً وقوياً. ذات سنة سافرت إلى العراق في الإجازة لأعمل. كنا وقتها نتواصل عن طريق الجوابات في بوسطة العتبة، حتى أنني مازلت أحتفظ بكل هذه الجوابات إلى الآن. تخرجنا والتحقت بالجيش لأنهي الخدمة الإجبارية. في هذه الفترة، تقدم أحد لخطبتها، فأخذت إجازة من الجيش وقابلت أخاها". قال العم علي لأخيها: "شوف أنا وأختك بنحب ببعض وأنا ناوي إني أخلص جيش وأشتغل ثم أخطبها، لأني حالياً مش جاهز، بس لو عايزني أبقى جاهز دلوقت أنا هحاول أتصرف". ثم أضاف: "كان أخوها متفهماً لحسن الحظ وقال لا ظلوا كما أنتم على خطتكم الأولى".

"لكل علاقة خصوصيتها لا يمكن أن يفهمها إلا من يعيشها. وإلى اليوم، إن سألتيني: (ماذا تعني لك؟) سأقول هي حبيبة وصديقة، وزوجة وأم أولادي"

قاطعت العم علي مستغربة: "هو وافق على طول كده ازاي يعني؟" قال: "لأن الراجل الجد بيبان حتى لو ظروفه صعبة وأنا كنت جد". أنهيت خدمتي والتحقت بوظيفة. كنت أعمل ليلاً نهاراً. وسنة 79 تزوجنا، وقضينا شهر عسلنا ببور سعيد، في السنة اللي السادات منع فيها اللحمة"، يضيف عمو علي وهو يضحك.

ويتابع: "الحياة بتتغير والظروف بتتغير بس الحب هيفضل هو الاهتمام الصادق واللا محدود مع شوية الغيرة اللذيذة وغير اللذيذة أيضاً. مرت سنين طويلة وتغيرت أشياء وانفصلنا أنا وهي قبل وفاتها بشهور قليلة في 2013. استمرينا ثلاثين سنة حدث بهم الكثير من الأشياء لا يمكن لأحد فهمها، لأن لكل علاقة خصوصيتها لا يمكن أن يفهمها إلا من يعيشها. وإلى اليوم، إن سألتيني: (ماذا تعني لك؟) سأقول هي حبيبة وصديقة، وزوجة وأم أولادي".

لم يفكر في الحبّ قبل الجامعة

هشام زكري (56 سنة)، مدرب تنمية بشرية. حدثني كأنه ابن عشرين، ممتلئ بالطاقة والحيوية، يمازح ويلقي النكات، ويحكي عن المزيكا وعن فرقته الموسيقية حتى أنه دعاني لحفلة لها، وحذرني: "أنا تعليمي طول حياتي إنجلش ومفرداتي إنجلش فياريت متضايقيش مني في الكلام أو تقولي عليا بتفزلك".

سرد لي أيضاً حكايته قبل دخوله إلى الجامعة، حيث كان مغروراً بنفسه، لا يفكر بالحب، مشغولاً بفرقته الموسيقية الصغيرة، يقيمون حفلات في نادي الجزيرة. يقول: "القلب وقتها مكنش له أحكام، كنت ستار بقا ومنطلق بصاحب وأعيش، بس من غير ما أعمل حركات بلدي أو أجرح واحدة أو أخون، لأني متربي ومن عائلة، فكنت واضح مع كل اللي بعرفهم".

ويضيف: "استمر الوضع هكذا في الجامعة أيضاً. التحقت بكلية التجارة قسم إنجليزي، لم أكن أبذل أي مجهود في العلاقات، هن كن يحاولن التعرف علي" ويواصل: "كانت (داليا) زوجتي الأولى وقتها في الثانوية كانت تحبني تأتي إليَّ في الجامعة. كنت وقتها أعرف الكثير من الفتيات، لكنني لم أعش أي تجربة جنسية كاملة، كنا في فترة الثمانينات، وكانت تربيتي بها شيء من الوازع الديني، كما لم أحب أن أخون فتاة أو أتخلى عنها.. أنا متربتش أني أعمل كده".

"كانت كل البنات يغرن منها، ويعاملنها على أنها (ماي جيرل فريند) كانت مسيحية وأنا مسلم، لكن هذا لم يشكل أزمة كبيرة كان أهلها وأهلي متفهمين. ذهبت معها للكنيسة وكلمت الكاهن. بعد فترة تزوجنا وأنجبنا يوسف. استمر زواجنا أربعة أعوام تقريباً ثم انفصلنا لاختلاف الطباع"

ويقول إنّ داليا كانت مختلفة بالنسبة له، "فهي من الأوتنراج بتاعي"، قاطعته: يعني إيه أوتنراج؟ تعلثم قليلاً وقال: "حرفياً تعني الحاشية لكنها بالطبع كلمة مش لطيفة، نحن نستخدمها بمعنة الصحبة أو الشلة". 

ويضيف: "كانت كل البنات يغرن منها، ويعاملنها على أنها (ماي جيرل فريند) كانت مسيحية وأنا مسلم، لكن هذا لم يشكل أزمة كبيرة كان أهلها وأهلي متفهمين. ذهبت معها للكنيسة وكلمت الكاهن. بعد فترة تزوجنا وأنجبنا يوسف. استمر زواجنا أربعة أعوام تقريباً ثم انفصلنا لاختلاف الطباع".

ويقول: "تزوجت مرة أخرى وانفصلت أيضاً وعشت علاقات كثيرة. لكن إن سألتيني أقول لكِ إنّي لم أحب إلى الآن". وحين سألته عن معنى الحب، قال: "أني أقدر ألمس اللي بحبها دي حتى لو همسك إيدها بس".

الانجذاب للزملاء

بينما كان الكل متشوقاً للجامعة والحب الأول، كانت "م" مختلفة تماماً، إذ التحقت بالجامعة لتدرّس الأدب الإنجليزي الذي أحبته من القراءة والروايات. ثم هجرت الأقاليم التي تسكنها وذهبت إلى القاهرة لتعمل وتستقل، إذ انفصل والداها في المرحلة الثانوية، وهذا ما جعلها تعيد التفكير في الزواج والحب والعلاقات.

تقول: "في الجامعة كان لدي أصدقاء، ولكن لم يحدث بيننا أي شيء. لم أكن أفكر أو أسمح بذلك. كان عندي هدف واحد هو السفر للقاهرة. كنت أنجذب لبعض الزملاء. أنا صريحة جداً مع نفسي. أول ما يجذبني هو الصفات الجسدية ولا أخجل من قول هذا".

وتضيف: "أصل مش فاهمة يعني هو ليه ينجذب لي جسدياً وأنا لا، هو أنا مبحسش؟"

وتردف: "ولكن، في الوقت نفسه كنت حذرة، فأنا واعية تماماً بوضع المجتمع الذي نعيش فيه. ولم أكن أستطيع تحمل فاتورة أن أعيش بحريتي وأدخل تجارب جنسية. كان هناك شاب أتى إلى الكلية مرة مع زميلنا. انجذبت له جداً، خاصة أن يديه كانتا بديعتين، وأنا ضعيفة أمام الأيدي الجميلة. ولكني رأيت أنه فاشل. معه دبلوم وأنا طالبة جامعة، فصرفت النظر عن الفكرة تماماً".

وتختم: "تزوجت شخصاً تقليدياً في السنة الرابعة من الجامعة لظروف عائلية. لم يكن زواجاً ناجحاً. أنجبت ابنتي ثم انفصلنا. أما الحب فجاء بعد الانفصال بسنوات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard