"أفضل صداقة تشبه الوقوع في الحب"... عن جوهر الصداقة الحقيقية

الخميس 23 ديسمبر 202103:18 م

بالنسبة للكثيرين منّا، ساعدت جائحة كورونا على كشف جوهر الأشخاص، وتحديد من هم الأصدقاء الأقرب الذي يمكن الاعتماد عليهم عند المحنة.

ففي ظل القيود المتبعة والحرمان من التفاعل الاجتماعي المباشر لفترة طويلة، أصبحنا نعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على مجموعة صغيرة من الأفراد المقربين، في حين أن الوضع كان أكثر صعوبة بالنسبة للأطفال، خاصةً بالنسبة لمن هم أصغر من أن يستمتعوا بالمكالمات التي باتت تحدث وراء الشاشة.

في الحقيقة، إن الأصدقاء المقربين ليسوا مجرد أشخاص نستمتع بالتسكع معهم، بل هم أفراد نثق بهم تماماً، نميل إلى معاملتهم كأعضاء في عائلتنا الممتدة، ونعلم أنه يمكننا الاتصال بهم في أي وقت، ففي نهاية المطاف الصديق الحقيقي هو من يكون بجانبنا عندما يرحل العالم كلّه عنّا.

لكن هل البشر مبرمجون فطرياً ليكون لديهم أصدقاء؟

التوق إلى بناء الصداقات

تظهر الأبحاث أن هناك فوائد تطورية قوية تفسر سبب اختيارنا لتشكيل مثل هذه الروابط الاجتماعية الوثيقة مع الآخرين. ومع ذلك، يمكن أن تختلف الطبيعة الدقيقة لتلك الصداقات بشكل كبير وفهم هذا التنوع يمكن أن يوفر الكثير من الراحة والأمل لأولئك الذين يتوقون إلى صديق/ة مقرب/ة، ويكافحون من أجل العثور على هذا الشخص.

تقول ليديا دينورث، مؤلفة كتاب Friendship: The Evolution, Biology, and Extraordinary Power of Life’s Fundamental Bond: "لقد اعتقدنا تقليدياً أن الصداقة مسألة ثقافية، لكنها أعمق من ذلك وأكثر جوهرية"، مشيرة إلى أنه من خلال النظر إلى الكائنات الأخرى، مثل قردة البابون والدلافين، نرى مدى أهمية الصداقة الوثيقة.

إن الأصدقاء المقربين ليسوا مجرد أشخاص نستمتع بالتسكع معهم، بل هم أفراد نثق بهم تماماً، نميل إلى معاملتهم كأعضاء في عائلتنا الممتدة، ونعلم أنه يمكننا الاتصال بهم في أي وقت، ففي نهاية المطاف الصديق الحقيقي هو من يكون بجانبنا عندما يرحل العالم كلّه عنّا

واللافت أن هذه الصداقات ليست بالضرورة حصرية، بمعنى اختيار صديق واحد يكون أكثر أهمية من كل الأصدقاء الآخرين، بل يمكن أن تتكون من روابط تم تشكيلها مع عدد من الأفراد الداعمين.

على غرار البشر، تشكّل الدلافين صداقات من خلال الاهتمامات المشتركة، تتفاعل ذكور الدلافين التي تتغذى في المياه العميقة، وهي ممارسة تُعرف باسم "الإسفنج"، بشكل أساسي على ذكور الإسفنج، وفقاً لدراسة أجريت في العام 2019. يمكن أن تستمر هذه الروابط القوية لعقود من الزمن، وهي ضرورية لنجاح كل ذكر في التزاوج، كما تشير الباحثة في جامعة زيورخ والمؤلفة الرئيسية للدراسة، مانويلا بيزوزيرو.

تظهر الأبحاث أن قردة البابون يشكلون أيضاً علاقات قوية لمساعدتهم على التغلب على محن الحياة المبكرة.

مهارة تستغرق بعض الوقت

يعد العثور على الأصدقاء الحقيقيين والاحتفاظ بهم بمثابة مهارة قد تستغرق بعض الوقت لتطويرها.

من سن الرابعة تقريباً، يطور الأطفال فهماً أن الآخرين قد تكون لديهم أفكار واهتمامات ومشاعر مختلفة عن أفكارهم واهتماماتهم. هذه القدرة الناشئة، تساعد الأطفال على تكوين صداقات، كما تقول إيلين كينيدي مور، أخصائية علم النفس الإكلينيكي ومؤلفة كتاب Growing Friendships: A Kids' Guide to Making and Keeping Friends: "يصبحون أفضل في تخيّل منظور الآخر وهذا يغذي صداقات أكثر حميمية".

غالباً ما يكون لدى الأطفال وجهة نظر براغماتية عن الصداقة، ويشكلون روابط وثيقة مع أقرانهم في الملعب أو خلال الفصل الدراسي، وبحسب إيلين فإن "الشيء الذي يتمتع به الأطفال أكثر من البالغين هو تواجدهم في الغرفة مع 25 شخصاً آخر في مرحلة حياتهم، أما في مرحلة البلوغ، يتطلب الأمر جهداً مدروساً للعثور على الصداقات وتنميتها".

وفي هذا السياق، كشفت إحدى الدراسات، أنه يجب أن يقضي البالغون حوالي 50 ساعة معاً للانتقال من مجرد التعرف على الشخص الآخر بشكل عابر إلى اعتباره صديقاً عادياً، و 90 ساعة معاً قبل أن يفكرا في بعضهما البعض، وأكثر من 200 ساعة ليصبحا صديقين مقربين.

يقول علماء النفس إن أفضل الصداقات يمكن أن تساعد الأطفال في الاستعداد للعلاقات الوثيقة، بما في ذلك العلاقات الرومانسية في وقت لاحق.

تعليقاً على هذه النقطة، تقول كينيدي مور: "أفضل صداقة تشبه حقاً الوقوع في الحب. الصداقات الوثيقة في مرحلة الطفولة تساعد الأطفال على ممارسة المهارات التي يحتاجون إليها في العلاقات الحميمة طوال حياتهم. ويتعلمون عن الآخرين وحول أنفسهم للتعامل مع مشاعر مثل الوحدة والغيرة والإحباط".

الفوائد الصحية والنفسية

يمكن أن تكون مساعدة الأطفال على تكوين صداقات قوية أمراً مفيداً لناحية تحسين الصحة النفسية والجسدية.

تظهر الأبحاث أن الحفاظ على الصداقات الوثيقة له تأثير إيجابي على صحة القلب والأوعية الدموية وصحة الغدد الصماء العصبية، فضلاً عن جهاز المناعة.

وفقاً لمراجعة عامة أجريت في العام 2010 لـ 148 دراسة، توفّر الصداقات القوية فوائد صحية أكبر من الإقلاع عن التدخين أو فقدان الوزن أو ممارسة الرياضة. يظهر التحليل أن وجود مجموعة من الأصدقاء المقربين والروابط الأسرية القوية يقلل من خطر وفاة الأشخاص بنسبة 50%، في حين أن الشعور بالوحدة له نفس التأثير على حياة الشخص مثل تدخين 15 سيجارة في اليوم، وفقاً لمسح شمل 20000 أميركي.

وجدت دراسة هارفارد أن رضا الناس عن علاقاتهم خلال الخمسينيات من العمر كان مؤشراً أفضل على صحتهم الجسدية في وقت لاحق من حياتهم.

توضح هذه النتائج أهمية التعامل مع الصداقة على أنها "مسعى يستمر مدى الحياة"، كما تقول ليديا دينورث: "لم يفت الأوان أبداً لتكوين صداقات جديدة، ولكن من الجيد أن تبدأ مبكراً".

بينما تعرف بعض الدراسات أن أفضل صداقة تشمل صديقاً واحداً فقط، تشير النتائج عموماً إلى أن الجودة والمعاملة بالمثل في العلاقة هي العامل المفيد، وليس عدد الأصدقاء المعنيين.

في حديثها مع رصيف22، شددت المعالجة النفسية والأخصائية في علم نفس الأطفال، علا خضر، على أهمية الصداقة في مرحلة الطفولة، لكونها تساعد الطفل على تعزيز ثقته بنفسه وتقوية استقلاليته، كما تعلّمه معنى الوفاء واحترام الآخر.

بالإضافة إلى ذلك، أوضحت خضر أنه ومن خلال الصداقة التي تجمعه بالآخر، يحسّن الطفل من تصرفاته وسلوكه ويتعلم كيف يكون جزءاً من المجموعة، ما يمنحه شعوراً بالانتماء: "يشعر الطفل بأنه لديه جهة داعمة بمعزل عن عائلته الصغيرة، فيتشارك مع الصديق/ة يومياته".

وأضافت علا: "الصداقة تجعل الولد يكتشف نفسه واهتماماته أي النشاطات التي يحبها، كالرياضة والموسيقى، ومن خلال الصداقات التي ينميها، يشعر الطفل بأنه بات لديه مكانة مهمة خارج حدود عائلته".

لم يفت الأوان أبداً للعثور على صديق تتقاسمون معه هموم الحياة ولحظات الفرح، بغض النظر عن الظروف والمسافات التي قد يعتبرها البعض عائقاً، فالأصدقاء الحقيقيون كالنجوم، التي قد لا نراها دوماً، لكننا نعلم أنها موجودة في السماء

في هذا الإطار، أظهرت الأبحاث أن مثل هذه الروابط الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً حيوياً في مساعدة الأطفال على مواجهة التحديات في حياتهم والتغلب على المحن. يميل الأطفال الذين لديهم صديق مقرب إلى الشعور بوحدة أقل وتقدير أكبر لذاتهم. وجدت إحدى الدراسات أن وجود أصدقاء مقربين وداعمين يمكن أن يساعد الأطفال من خلفيات منخفضة الدخل على التكيّف بشكل أفضل مع الظروف الصعبة.

إذن، بالنسبة للبعض، تبدأ علاقة الصداقة في مرحلة الطفولة، في حين يعتبر البعض الآخر أن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول للعثور على صديق مقرّب، ولكن بمعزل عن الاختلاف في وجهات النظر، فإن الصداقة تستحق المثابرة، وللأشخاص الذين لم يعثروا بعد على من يدخل قلبهم دون استئذان ويكون سنداً لهم في دروب الحياة ومشقاتها، نقول: لم يفت الأوان أبداً للعثور على صديق تتقاسمون معه هموم الحياة ولحظات الفرح، بغض النظر عن الظروف والمسافات التي قد يعتبرها البعض عائقاً، فالأصدقاء الحقيقيون كالنجوم، التي قد لا نراها دوماً، لكننا نعلم أنها موجودة في السماء. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard