شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
الدولمة والكباب والبرياني... أكلات شعبية عراقية على مائدة الأجانب

الدولمة والكباب والبرياني... أكلات شعبية عراقية على مائدة الأجانب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الأربعاء 20 أبريل 202204:00 م

قاربت الساعة الثامنة والنصف مساءً. جلستُ قرب نافذتي أراقب حركة الشارع. يظهر أمامي مباشرةً مبنى كبير يحمل اسم "إسطنبول مول". سرحتُ في أضوائه، إلى أن سمعتُ ألحان أغنية آتيةً من عربةٍ متحركة. لم أعرف ماذا تبيع، فقررتُ اكتشاف المدينة.

مشيتُ وحيدةً في حيّ قديم وسط مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، أنا الفتاة السورية الباحثة عن عربةٍ تبيع قهوةً ساخنةً. كيف سأجدها في بلاد الشاي واللحوم؟ رأيت من بعيد شابين أشقرين يجلسان أمام عربة متوقفة قرب الرصيف.

عربة الكباب العراقي المتنقلة

سرّعتُ خطواتي واقتربتُ أكثر، فاتّضحت الأغنية: "قل لي يا حلو منين الله جابك؟ خزّن جرح قلبي من عذابك...". الدخان المتصاعد لا يمكن أن يكون لصنع كوب قهوة، والرائحة هي ذاتها التي شممتها عند وصولي قبل يومين. إنها رائحة الكباب!

كان الشابان منشغلين بتناول الكباب، أما البائع فيحمل مروحةً ورقيةً ويحركها فوق اللحم كي لا يحترق. إذاً لا عربات لبيع القهوة في هذه المدينة، جلست بالقرب من الشابين وسألتهما بالإنكليزية: "مرحباً... أتسكنان هنا؟".

بعدها، أدركتُ أن ثمة اعتقاداً راسخاً لدى الأوروبيين بأن انفتاحهم على العوالم والثقافات البعيدة، أدى إلى إثراء منظومتهم الغذائية، وطوّر أذواقهم ونوّعها. وبالرغم من طغيان الوجبات السريعة، فإنّ هذا لم يمنع الأجانب من الاندماج مع الثقافات الغذائية الأخرى.



البرياني تجربة رائعة حقاً

أكسل رودي، صديقي النروجي، القادم من بلاد الثلج والضباب والبيتزا، إلى بلاد الشمس والحرّ واللحوم، واجه مشكلات غذائيةً في أربيل، لكنه أحبّ الأرز العراقي. يقول: "أقمتُ مع صديق عراقي كان يصنع الأرز الرائع مع الدجاج يُسمّى "البرياني"... هذا ما نفتقده في النروج، الطبق الرئيسي هو البيتزا، أما هنا فالطعام المنزلي المطبوخ متوافر دائماً. هذا أمر جيّد حقاً".

يرى رودي أن موضوع الغذاء مرتبط بالثروة والتوافر: "إذا ذهبت إلى إيران أو سوريا أو لبنان، ستلحظ ثقافة طعام ثريّةً، لكن موارد كردستان الغذائية كانت قليلةً لفترة طويلة. إنها منطقة جبلية، لذا فإن صناعة المطبخ اعتمدت فيها على ما ينتجه ذلك المزارع في الجبال، وتالياً تصدرت لحوم الأغنام والدجاج أطباقهم".

الطعام يعكس تقاليد العراقيين

خلف كل طبق عراقي حكاية، وارتباط المطبخ العراقي باللحوم يعكس الكثير عن طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع الواحد، والأوضاع الاقتصادية، ويمكن القول إن مستوى دخل الفرد في العراق يحدد طبيعة الطعام الذي يتناوله، ويعكس عادات هذا المجتمع وتقاليده، واحتفالاته الشعبية المختلفة.

الدخان المتصاعد لا يمكن أن يكون لصنع كوب قهوة، والرائحة هي ذاتها التي شممتها عند وصولي قبل يومين. إنها رائحة الكباب!

يقول الاعلامي العراقي محمد خليل كيطان، الذي يطلَق عليه سيّد الفيلم الأنثربولوجي القصير، إن أفضل المشاريع الاستثمارية الناجحة في العراق هي المطاعم، إذ اقترب عددها من خمسة آلاف مطعم في بغداد، وتجاوز النشاط الاقتصادي للمطاعم حاجز الـ70 في المئة من الأنشطة الاستثمارية العراقية. فالعراقيون يتعاملون مع الطعام بأولوية مُلفتة، فإذا تزوّج أحدهم ينحر عدداً من الذبائح، وإذا أنجب مولوداً يقدّم وليمةً فاخرةً لطرد العين، وكذلك الأمر في غيرها من المناسبات كطهور الأولاد أو شراء دار جديدة أو العودة من الحج، أو الترقية في العمل، والشفاء من المرض، والنجاح في الدراسة، وصولاً إلى ولائم المآتم التي يستمر خلالها تقديم الطعام لأيام عديدة.

هذا ما ظهر واضحاً في تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، فخلال رحلة قصيرة مع صديقي الهولندي باويل فان، ضحكتُ عندما أخبرني بأن صديقاً بريطانياً نباتياً، زار أحد مطاعم أربيل، فسارع النادل إلى تقديم الكباب، ليخبره الشاب بأنه نباتي ولا يأكل اللحوم، فيسعفه النادل مباشرةً بطبقٍ من الدجاج!

يقول باويل: "السكّان المحليون في العراق يجدون صعوبةً في إدراك أن شخصاً ما على هذه الأرض لا يأكل اللحوم، فهم يعتمدون عليها في موائدهم، وهذا ما يجعل الحياة هنا مهمةً صعبةً لأي شخص نباتي، فهم حتى الأطباق النباتية يضيفون إليها القليل من اللحوم!".

عندما وصلنا إلى مكان عمله، أشار باويل بإصبعه إلى أحد الأبواب، وقال لي: "إنه المطبخ!". دُهشتُ من مساحته الكبيرة ومن الثلاجة الضخمة الممتلئة بالطعام، والطاولة التي تتسع لأكثر من عشرة أشخاص. قال باويل: "أنا أيضاً دُهشتُ في البداية من وجود مطبخ كبير في مكان مخصص للعمل! في العراق تعتمد الوجبات على الأرز واللحوم، أما في هولندا، فلا نأكل الأرز إلا عندما نحاول تجربة وجبات من شرق آسيا. الهولنديون يستهلكون وجبات صغيرة، فيجلبون السندويشات إلى المكاتب. أما هنا، فيوجد مطبخ كامل في مكان العمل، يقدّم وجبة طعام منزليةً كبيرةً".

هذا ما ظهر واضحاً في تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، فخلال رحلة قصيرة مع صديقي الهولندي باويل فان، ضحكتُ عندما أخبرني بأن صديقاً بريطانياً نباتياً، زار أحد مطاعم أربيل، فسارع النادل إلى تقديم الكباب، ليخبره الشاب بأنه نباتي ولا يأكل اللحوم، فيسعفه النادل مباشرةً بطبقٍ من الدجاج!

الپاچة العراقية

خلال شهر رمضان، تكثر إعلانات المطاعم في أربيل: "منسف ربع خروف محشي أرز ومكسرات"، و"دولمة عراقية مع لحم الضأن اللذيذ"، و"كباب عراقي مشوي على الفحم مع المخلل والخبز العراقي الشهي"، و"تُمّن ومُرق على الطريقة العراقية مع لحم الغنم المسلوق"، و"الپاچة العراقية رأس الخروف وأرجله والكرشة".


إذاً هناك أطباق لا بد من اكتشافها، والوُجهة حيّ الدركه القديم في أربيل المكتظّ بمطاعم الكباب والپاچة. رأيتُ شاباً يقطّع اللحم بسكين كبير، نظر إليّ، وابتسم ابتسامةً عريضةً، وقال: "تريدين تصوير الپاچة؟ اقتربي"، كنت مترددةً، فالرائحة قوية ومنظر اللحمة طاغٍ على المكان، لكنه عاد إلى الابتسام وقال: "پاچة فرهاد لا يستطيع أحد مقاومتها".

بعد حديث قصير، أدركت أنني لستُ الصحافية الوحيدة التي زارت مطعم فرهاد لاكتشاف طبق الپاچة العراقي، فقد سبقني إليه عدد كبير من الصحافيين الأجانب للتصوير في المرّة الأولى، قبل أن يصبحوا زواراً دائمين لفرهاد. يقول بلهجته العراقية لرصيف22: "يجون من أوروبا وأمريكا، يسألون شنو هذي الپاچة؟ أقول لهم إني أسولفلكم عنها بس بعد ما تجربونها!".

حضرتني فوراً التجربة الأولى لصديقي الهولندي باويل مع الپاچة: "هذا الطبق العراقي المسمّى پاچة شهيّ يحتاج إلى التعوّد عليه. أكلته مرات عدة، لكن ليس من السهل على الأجانب أن يعتادوا على أكل دماغ حيوان وأقدامه!". ويضيف: "عندما أتيتُ إلى كردستان، أُصبتُ بالتسمم الغذائي مرات عدة، لأن النظام الغذائي كان مختلفاً عمّا هو في هولندا. هناك بكتيريا جديدة يحتاج إليها جسمك ليعتاد عليها".

نظر إليّ، وابتسم ابتسامةً عريضةً، وقال: "تريدين تصوير الپاچة؟ اقتربي"، كنت مترددةً، فالرائحة قوية ومنظر اللحمة طاغٍ على المكان، لكنه عاد إلى الابتسام وقال: "پاچة فرهاد لا يستطيع أحد مقاومتها"

أما عن طريقة صناعة الپاچة، فيقول فرهاد يوسف، الذي ورث هذه المهنة عن والده: "لا بدّ من تنظيف رأس الخروف وأرجله والكرشة جيّداً وهذه أصعب مرحلة. ثم نغليه بالماء حتى يصبح أبيض ناصعاً، بعدها نضيف التوابل والبهارات. أما الممبار (أمعاء الخروف)، فننقعها مع الخلّ الأبيض والملح، ونغسلها مرّةً أخرى، ويتم حشوها بالأرز واللحم المفروم والبهارات".

الدولمة عراقية أم تركية؟

بالرغم من أن صديقةً تركيةً تُثني على أكلة الدولمة العراقية، وتجدها في غاية اللذة والإتقان، إلا أنها تصرّ على أنّ أصولها تركية، وليست عراقيةً. في جلسة غداء جمعت أطباقاً تركيةً وإيرانيةً وعراقيةً وسوريةً، قلت لأصدقائي إن الدولمة تُسمّى في سوريا ولبنان "محاشي"، وتقدَّم مع شوربة معجون البندورة، فما الفرق بين الدولمة العراقية وتلك التركية؟

تُجيب ريهان صديقتي التركية: "إن الدولمة موجودة في تركيا من أيام العثمانين، وتتكون من الباذنجان والكوسا والبصل والبندورة وورق العنب المحشو بالأرز مع اللحم المفروم، إلا أن العراقيين أدخلوا عليها بعض التعديلات، منها زيادة اللحم المفروم وغزارة السمن مع لحم الخروف وأضلاعه، أو الزند الذي يوضع في قعر القدر".


ويبدو أن كل بلد متعصّب لأطباقه، فالبعض يرى أن العديد من الأطباق العراقية جاءت من المطبخ الفارسي والتركي، بينما يتمسّك العراقيون بأصول مطبخهم، وينسبونها إلى حضاراتهم الأولى التي كانت في بلاد ما بين النهرين، كالآشورية والبابلية والكلدانية.

أشهر خمس أكلات شعبية عراقية

1- الكباب

أضلاع الخروف وأضلاع البقر البالغ، مع الليّة التي تُسمى في العراق "الدهن"، مع اللحم البقري، ويتم فرمها وإضافة الملح إليها، وبعد ربع ساعة يتم شيّها على الفحم.

2- الدولمة

الباذنجان والكوسا والبصل والطماطم المحفورة والمحشوة بالأرز مع اللحم المفروم والبهارات.

3- الپاچة

رأس الخروف وأقدامه والكرشة والأمعاء المحشوة بالأرز والمغليّة بالماء والتوابل، بعد تنظيفها.

4- البرياني

طبق اللحم والخضروات المطهوّة مع الأرز، مضافة إليه بهارات البرياني الهندية.

5- التُمّن والمُرق

التُمّن هو الأرز، يسموّنه في أربيل باللغة العربية "تُمّن"، وفي اللغة الكردية "برنج"، ويتم تقديمه مع شوربة الفاصولياء الحمراء، أو البامية الحمراء المطهوة مع لحم الخروف أو الدجاج المسلوق. 


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard