"من يشتري لوحة تفوح منها رائحة الخبز؟ "… عن بيوتنا وأصدقائنا وغربتنا

السبت 16 أبريل 202201:17 م

لكي أنضج كان علي أن أتوقف عن رسم شامتكِ على كل النوافذ، وأن أرتدي بدلةً رسمية عوضاً عن الغيوم. هل فقدتُ الشعر وأنا أركض خلف الرغيف؟

هناك جدار سميك بيني وبين نفسي، جدار شفاف، لا أراه. ما عدتُ أصطاد الجَمال. صار علي أن أطارد لقمة العيش والطريق إليها لا يتسع لي ولأحلامي.

الناس يتصرفون بشكل مختلف عندما يخافون، عندما لا يوجد ما يكفي من الوقت أو المال أو الطعام. هذا تلخيصٌ مناسب لكل ما أمر به تقريباً. تختلف الحياة في أوروبا عن تلك التي كنا نحياها في بلادنا. ولأننا أتينا إلى هنا هاربين استغرق فك ألغاز المكان الجديد الكثير من الوقت. نحاول المضي قدماً عوضاً عن الالتفاف مرات ومرات حول محور الفقد والترومات المتعلقة به.

على قلقٍ كأن الريح تحتي

 سأبدأ بالحديث عن الخوف والقلق. فالأزمة الأكبر في حياة اللاجئين الجدد في السويد هي الحصول على عمل، بالأدق على عقد عمل دائم.

بحسب موقع مكتب العمل السويدي، هناك شكلان للتوظيف في السويد، التوظيف حتى إشعار آخر (وظيفة ثابتة). ويعني هذا أن التوظيف مستمر حتى تطلب أنت الخروج من العمل أو تتّم إقالتك أو إحالتك إلى التقاعد (المعاش). ولا يوجد تاريخ محددّ لانتهاء هذا التوظيف.

"في المحصلة، من لا يملك المال يدفع ثمن ما يريده مرتين"

 أما الوظيفة المؤقتة التي يُطلق عليها أيضاً توظيف لمدّة محدودة. فمن يعمل في وظيفة مؤقتة لمدة تتجاوز السنتين يصبح من حقّه الحصول على وظيفة ثابتة حتى إشعار آخر. إلا أن شبح البطالة يخيم على دائرة واسعة من اللاجئين ويقف عائقاً بينهم وبين الاستقرار. لا يقتصر السبب على الأمان الاقتصادي فقط بل كذلك على ما يترتب عليه، إذ يرتبط نوع عقد العمل بنوع الإقامة. ومعظم المشكلات في الحياة الجديدة تنتهي عندما ننجح في الحصول على عمل.

بيوت نسكنها ولا تدفئنا

هناك مجموعة أزمات أخرى غير أزمة العمل، فعلى سبيل المثال هناك أزمة السكن . لن تمنحك أية شركة سكن عقد إيجار من دون أن تثبت حصولك على راتب ثابت كافٍ ومستمر، مما يضطرك للبحث عن حلول أخرى تمتص منك الكثير من الطاقة والوقت والمال. كأن تستأجر من مستأجر لا من شركة سكن لأنه لا يشترط وجود عقد العمل. وهنا عليك أن تدفع مبلغاً أكبر من بدل الإيجار الحقيقي، بالإضافة إلى مبلغ التأمين و"الكمسيون".

في المحصلة، من لا يملك المال يدفع ثمن ما يريده مرتين.

علاقتي كلاجئ بالبلد الجديد مثل طفلٍ يتعلم المشي لأول مرة ثم يُلقى به في مضمار سباق للجري مع أبطال عالميين. لا أزال أحاول الوقوف متمسكاً بكل ما حولي. انتصب بضع ثوان، أقع، وأحاول من جديد. خلال ذلك تعصف بي  الأزمات الجديدة، الكورونا أو الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب الروسية في أوكرانيا. يركض الجميع ويكون علي أنا أيضاً الركض لأنجو.

ألهث وسط جبال ترتفع حولي من ثقل الالتزامات، والفواتير، والضرائب، ونسخ السيرة الذاتية المعدلة بعد كل خطوة. العمر يمضي سنة تِلو سنة أدفعه تقسيطاً ثمناً للحياة، ثمناً لأنظمة رأسمالية في الاغتراب، وديكتاتوريات عسكرية في البلاد سممتنا وزرعت الفقر في جيوبنا.

"علاقتي كلاجئ بالبلد الجديد مثل طفلٍ يتعلم المشي لأول مرة ثم يُلقى به في مضمار سباق للجري مع أبطال عالميين"

لكلِّ رغيفٍ ثمنه

كتبت مرةً أني لم أزل أرسم خبزاً لأطعم أطفال اليمن، وكان هذا أثناء الحصار على اليمن وأنا أرى أطفاله على الشاشات يموتون جوعاً على مرأى من العالم الأخرس.

كم يمناً هناك؟

وكم رغيفاً علي أن أرسم؟

من يشتري لوحةً تفوح منها رائحة الخبز؟

لكل رغيفٍ ثمنه!

للخبز أشكال أخرى غير الذي نأكله. فالأمان رغيف، الحرية والجنس رغيف، وحقي في أن أكون من أنا دون سلطة العادات والدين، وجواز السفر أيضاً رغيف!

في طفولتي كان هناك نوع واحد من الخبز، هو الرغيف المتعارف عليه. وكان هناك الخبز الصمون أو الإفرنجي نشتريه فقط للرحلات لأن ثمنه أغلى. فهل كانت تلك نبوءة لكل الرحيل الذي أتى بعد ذلك، ولارتفاع ثمن الرغيف فيه؟

لطالما ردد النظام السوري على لسان حكومته أن الخبز خطٌ أحمر، بمعنى أنه تحت دعم الدولة ولن يتم استخدامه كأداة ضغط على المواطنين. لكن بعد ذلك رفعت الدولة يدها عن الخبز كدلالة بأنه لا خطوط حمراء  هنا، كل الأسلحة متاحة. حتى اللقمة قد تغدو رصاصة في بلاد الخوف، فاحذر!

 للخبز أشكال أخرى غير الذي نأكله. فالأمان رغيف، الجنسية، الحرية، حقي في أن أكون من أنا دون سلطة العادات والدين، والعائلة، والجنس، وجواز السفر أيضاً رغيف! هناك من لا يزال صائماً منذ سنوات ولم يذق طعم أي خبز، ومنا من فاضل بين الأرغفة فاختار ما يمكنه دفع ثمنه فقط واضطر لترك البقية.

 من سرقني وسرق الأصدقاء؟

أذكر ليلة من ليالي عام 2015 في دمشق أمضيتها وأنا أنتظر أن تأتي المياه المقطوعة لكي أستطيع دخول الحمام. في الحرب تخلع الأشياء أسماءها وترتدي الانتظار. انتظرت حتى السادسة فجراً، ست ساعات في بيتي لا أستطيع استخدام الحمام، كما أنني لم أقم بشيء خلال ذلك الوقت سوى الانتظار. وأيام أخرى قبلها وبعدها أنظم كل وقتي على ساعتين من الكهرباء بين كل ست ساعات من الانقطاع. أرتب كل علاقاتي وعملي وفقاً لجدول مؤسسة الكهرباء غير المنتظم معظم الوقت، كالسجين تماماً لكن دون قيود. فأي إنسان يمكن صناعته في ظروف كهذه. منذ أن اشتعلت الحرب فقدت الأمل بالغد أو التخطيط له. صرت آلة لتلبية حاجات الحاضر محاولاً النجاة بأن أكمل يومي بالحد الأدنى من الخسائر.

"هناك من سرق وجهي في المرآة، من سرق نظرتي وصوت ضحكتي. ومن سرق أصدقائي أيضاً. كل منا في مدينة أو بلد. بيننا الكثير من الكيلومترات والتذاكر الغالية الثمن"

بعد اللجوء ومغادرة البلاد التي ما عادت بلاداً وقعت بدايةً رهيناً للصدمة مبهوراً بالعالم الجديد والتطور الذي فيه، ثم صرت من أهله أحاول النجاة مرة أخرى لكن من خطر جديد. البطالة، الإقامة المؤقتة، سنوات جديدة دون فرصة للم الشمل وتكوين أسرة، وسنوات مثلها بعيداً عن والديّ. فأنا أكبر وهما يكبران. أنا في قارة وهما في قارة. الفرق في المكانين هو الوحدة والبرد الكثير. هنا لا أتحدث عن الجسد، بل عن جليد الروح.

أخيراً أمضيت خمس ساعات في القطار لأزور صديقي المصور، الذي يعمل في دار رعاية للمسنين. هناك أخبرني كيف نجح في الحصول على قرض مالي ليزود منزل والدته في اللاذقية بمرايا للطاقة الشمسية، فيستطيع الاطمئنان عليها دائماً. وساعدني عن طريق صديق له في تأمين المازوت لوالديّ في دمشق أيضاً. فهل نجونا من لعنة المكان ونحن بعيدون؟

المسافة فخ. أجسادنا هنا وأرواحنا هناك، ولعنات الأمكنة تلاحقنا في كل مكان.

نركض في أقفاصنا خلف حقوقنا التي فقدنا منها الكثير. وما فقدناه لا يمكن رده. هناك من سرق وجهي في المرآة، من سرق نظرتي وصوت ضحكتي. والأدهى هناك من سرق أصدقائي أيضاً. كل منا في مدينة أو بلد. بيننا الكثير من الكيلومترات والتذاكر الغالية الثمن وشاشة صغيرة للموبايل أو اللابتوب نتكلم فيها عن معاركنا الجديدة وننام ليلاً معانقين الوسائد، تفصلنا مسافات مستحيلة عن أقرب ما يشعرنا بالدفء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard