أريد فقط أن أجد بعض الفروق بيني وبين الخروف... أرشّ العطر بينما أنا جائع

السبت 16 أبريل 202210:55 ص


"لا أدخن السجائر غالية الثمن إلا عندما أكون مديوناً"؛ تَحمِل ذاكرتي هذا القول منذ سنين طويلة، كما أتذكّر أنه يعود لكاتبٍ غربي، من دون أن يحضرني اسمه. ليس مهماً اسم القائل ومكانته وقيمته الأدبية أو العلمية، فالقول هنا يعود في النهاية إلى إنسان يمارس العيش ويبحث عن حاجاته كأي إنسان آخر على هذه الكرة الأرضية.

سأل صديقي مرةً خاله الذي يعمل بائع فواكه على عربة جوالة حين التقاه صدفةً، إذ نظر مندهشاً إلى فخامة التفاح والدراق التي تحملها العربة، ثم قال له بلهجة تعليمية ناصحة: "خال... أنا مستغرب ليش عم تبيع هون قدام باب المرفأ. كلن عمال آكلن الفقر، هيك فواكه تقيلة لازم تعرضها بشي حارة غنية". ضحك الخال ورد كخبير ومجرّب: "يا خال أنا بضاعتي كلها بجيبها تقيلة لأنها خاصة بجماعة 'الـ‘لأيـ...'". صدمت الفكرة والمصطلح صديقي، وظهرت الدهشة على حاجبيه، فأكمل الخال شارحاً النظرية: "شوف... هون بيكون العامل مشتغل من الصبح ومطلعلو كم ليرة حلوين. لمن بدو يشتري شي ياخدو ع بيتو بنقّي أحسن شي... أحسن تفاح وأحسن الأصناف ولو كان سعرها أغلى بينقّي وهو عم يقول بقلبو ‘لأيــ...’ عمرو ما حدا يورت".

يبدو أن ترف الفقراء، مجرد استعادة بدل من ضائع لحالة طبيعية سُلبت منهم، فمن الطبيعي أن يأكل الإنسان أصنافاً جيدةً وممتازةً من الثمار، ومن الطبيعي أن يسكن منزلاً مريحاً ويركب آليةً تخدمه في التنقل بعيداً عن ذل الانتظار والزحام الخانق، وبعيداً عن الطبقية الحادة في تقسيماتها. الأمر الأكثر إدهاشاً وألماً من الحرمان، هو أن يفرح البشر حين يحصلون على حقوقهم الطبيعية!

كان يجب أن أنتظر وصول المال إلى محفظتي، كي أفاجئ صغيري الذي اعتاد أن يطالبني بالدخول إلى مطعم بحري على كورنيش المدينة، كأي طفل طبيعي في مدن هذا العالم، وكنت أتدبر ألف حيلة خبيثة لا تخطر ببال أبخل بخلاء الجاحظ، كي أتهرب من طلبه الطبيعي -أكرر هنا مفردة طبيعي قصداً- 

تجارب الشعوب تقول الكثير في هذا الأمر، ومن بينها: "الله وقت بدو يفرّح الفقير بيضيعلو حمارو وبيخليه يلاقيه". ليس ثمة زيادة واقعية تحصل هنا، وكل ما في الأمر أنه استعادة للضائع والمسلوب؛ فرحي في الحصول على أسطوانة غاز منزلي، أو مقعد في حافلة مختنقة بالبشر الذين يحملون وجوهاً مقتولةً... كل هذا يزيد منسوب الذل والقلق... وحين أصفن قليلاً، يتحول الفرح المزيّف إلى طعم مرّ ولاذع.

كان يجب أن أنتظر حتى يتراكم أجر مقالات عدة أكتبها، ويصلني بعد متاهة التحويل المالي الذي جعلته ظروف سورية القاتلة يتحول من عمل بسيط لا يستحق سوى بيانات عدة إثباتية وكبسة زر في عصر العولمة، إلى متاهة محفوفة بالمخاطر. كان يجب أن أنتظر وصول المال إلى محفظتي، كي أفاجئ صغيري الذي اعتاد أن يطالبني بالدخول إلى مطعم بحري على كورنيش المدينة، كأي طفل طبيعي في مدن هذا العالم، وكنت أتدبر ألف حيلة خبيثة لا تخطر ببال أبخل بخلاء الجاحظ، كي أتهرب من طلبه الطبيعي -أكرر هنا مفردة طبيعي قصداً- ثم فجأةً ما أن وصل المال حتى "باغتّه" بقبول طلبه الطبيعي. كان أكثر ما يؤلمني حينذاك فرحه بينما يجلس على طاولة المطعم، وفي يده "مينو" يختار منه ما يطيب له من أصناف بكل طبيعية.

يبدو أن ترف الفقراء، مجرد استعادة بدل من ضائع لحالة طبيعية سُلبت منهم، فمن الطبيعي أن يأكل الإنسان أصنافاً جيدةً وممتازةً من الثمار، ومن الطبيعي أن يسكن منزلاً مريحاً ويركب آليةً تخدمه في التنقل بعيداً عن ذل الانتظار والزحام الخانق، وبعيداً عن الطبقية الحادة في تقسيماتها.

على صفحات فيسبوك، استوقفتني بوستات عدة كانت تطرح أفكاراً غريبةً وصادمةً بالنسبة إلي، منها مثلاً بوست لبروفيسور سوري مقيم في الخارج، ويبدو من خلال الصور أنه يعيش في ظرف مادي جيد جداً، وهذا حقه الطبيعي. يكفي أنه خارج جدران الزنزانة والمحرقة السورية، لنقول إن ظرفه جيد بل رائع أيّاً يكن المستوى المعيشي الذي ينضوي تحته، فأيّ مقارنة مع الوضع السوري محسومة النتيجة سلفاً. جاء البوست حاملاً نغمة الملامة التي يصبّها على رأس السوريين داخل المقتلة، عادّاً بعض سلوكياتهم الاستهلاكية، السبب وراء ما هم فيه من سوء حال لا مثيل له. يقول: "حاج بقى تنقّوا ع الظروف المعيشية والأكل يا أخي اتركوا الدخان والأركيلة". بوست آخر لصبية تعمل في مجال جمعيات الدعم الإنساني والإغاثة والمساعدات، تعرض فيه استنكارها لموقف حصل معها في أحد البيوت الذي كانت تقدّم لأصحابه بعض المعونات البسيطة وهم ممن يستحقون الدعم والإغاثة. تستنكر الصبية بكل دهشة أن ربة المنزل وبالرغم من الفقر المدقع الذي تعيشه أسرتها، تملك موبايلاً حديثاً نسبياً. قرأتُ التعليقات القاسية التي انهالت على ربة المنزل، وجميعها تجرّم حاملة الجهاز بسخرية تصل إلى حد اتهامها في بعض التعليقات ببيع عرضها: "بيكون هدية من الحبيب بآخر مرة كانت عندو بالشقة"، ثم ينهي تعليقه بـ"أستغفر الله". كثيرة هي البوستات التي تطرح الطروحات نفسها...

في عالم اليوم، حيث تمت تربية الثقافة الاستهلاكية على نطاق عالمي، وعلى مدى عقود، بجعل الكماليات حاجات أساسيةً لتحقيق الذات والشخصية (راجع آلاف الإعلانات التي تربط بين أهم صفات الشخصية وقيمها عند الإنسان وبين ماركة المكياج الذي يجب أن تستعمليه سيدتي أو الشامبو أو السيارة أو الموبايل أو نوع العطر التي يجب أن تستعملها سيدي)، كيف يمكن أن نعيد "فرمتة البشر"، ونأتي اليوم ونقول لهم احذفوا كل هذا من تركيبتكم وبنيتكم، أنتم مجرد كائن يأكل ويشرب فحسب. بعد كل هذا أنا أرى أنه يجب أن يعاد النظر في "هرم ماسلو" الشهير، وهو فكرة تتبع النظرية النفسية التي قدّمها "أبراهام ماسلو"، ضمن ما يُدعى علم النفس التنموي، وتناقش هذه النظرية ترتيب حاجات الإنسان والدوافع التي تحركه، وتتلخص هذه الاحتياجات على شكل هرمي قاعدته الاحتياجات الفيزيولوجية، ثم حاجات الأمان، فالاحتياجات الاجتماعية، والحاجة إلى التقدير، وصولاً إلى قمة الهرم حيث الحاجة إلى تحقيق الذات.

ولأن الإنسان يرعبه أن يرجع إلى الخلف ليصبح مجرد كائن يأكل ويشرب ويتكاثر، ثمة حاجة إلى أن يشعر بفرق ما، أو بفروق عدة بينه وبين الخروف أو الدجاجة. إنه رعب حقيقي يصيب الذات؛ ليس غريباً أن تقول امرأة في مظاهرة لبنانية إنها مستاءة كونها لا تملك كلفة عملية تجميل كانت تريد أن تقوم بها

يجب أن يُعاد النظر في هذا التشكيل الهرمي، إذ يجب برأيي أن نضع الكماليات إلى جانب الأساسيات في الخانة ذاتها من الهرم. ولأن الإنسان يرعبه أن يرجع إلى الخلف ليصبح مجرد كائن يأكل ويشرب ويتكاثر، ثمة حاجة إلى أن يشعر بفرق ما، أو بفروق عدة بينه وبين الخروف أو الدجاجة. إنه رعب حقيقي يصيب الذات؛ ليس غريباً أن تقول امرأة في مظاهرة لبنانية إنها مستاءة كونها لا تملك كلفة عملية تجميل كانت تريد أن تقوم بها، وليس غريباً أن أرى في أحد الفيديوهات أن بعض الشباب في حمص -في فترة الحصار الشديد والخانق وتحت الكثير من الردم حيث الطعام والشراب عملة نادرة- قد قاموا بمبادرة للقراءة، وكان الإقبال كثيفاً حسب روايتهم، وليس عدلاً أن تصرح مسؤولة سورية (رفيعة المستوى)، بأن لا أحد يموت من الجوع، وليس عدلاً أن يطلب البرفسور في بوسته، أن نكفّ عن التدخين والأركيلة، أو تستنكر صبية المساعدات أن تحمل ربة المنزل موبايلاً حديثاً نسبياً، بينما تتلقى الأسرة مساعدات من الطعام والشراب. نعم تزداد المبالغات في البحث عن بعض الترف المفقود في لحظات المآسي وفي عتمة الفقر، فحين أشعر بقليل من الترف مهما كان نوعه، يزداد شعوري بتحقيق ذاتي كإنسان، وربما يُشعرني بأمان وإن كان مزيفاً، أمان أنني لست مجرد أنبوب هضمي. أريد فقط أن ألمح خطاً فاصلاً وبعض الفروق بيني وبين الحمار أو الخروف طبعاً، مع كامل احترامي لأولاد خالاتي في المملكة الحيوانية الكبرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard