عندما قابلت سلفادور دالي في مصياف

السبت 16 أبريل 202211:03 ص

على الرغم من عدم فهمي لمعظم لوحات الرسام الإسباني، سلفادور دالي، إلا أنني مفتون بفنونه وبطريقة رسمه، وربما بشخصيته الجدلية المجنونة.

التحق دالي بالحركة الفنية السوريالية في عام 1928، ولفت انتباه سيغموند فرويد -الذي قامت على نظرياته بخصوص الأحلام واللا وعي حركة السوريالية عام 1917- بل وفضَّل أعماله على بقية السورياليين. كيف لا يحدث هذا، وكان دالي قد صرح في أكثر من مرة أنه يترجم أحلامه الغريبة إلى لوحات فنية؟

من شدة تعلّقي بهذا الرسام، رحت أقرأ كثيراً عنه، وشاهدت مقابلات عدة معه، وأنشر على صفحتي على فيسبوك قصصاً عنه بعد أن أترجمها. هذا الرجل المهووس بشاربيه الغريبين، ترك أثره عليَّ بشدة، حتى بت أخاف أن أُصاب بهوس جديد اسمه سلفادور دالي، ويبدأ بمطاردتي في الأحلام.

من سوريا إلى ألمانيا، كل قصص سلفادور دالي رافقتني أينما ذهبت.

تعرفت على أشهر لوحاته "إصرار الذاكرة The Persistence of Memory"، عندما كنت في سوريا، تلك اللوحة المشهورة بالساعات الذائبة، وتمنيت لو كان بإمكاني امتلاك واحدة من تلك الساعات، أولاً لشكلها الفريد المميز عن بقية كل الساعات، وثانياً بسبب خوفي من الوقت وأمنيتي أحياناً بعدم الشعور به.

من سوريا إلى ألمانيا، كل قصص سلفادور دالي رافقتني أينما ذهبت. ففي عام 2015، وبالصدفة، أتت ساعة ذائبة من ساعات دالي إلى المنزل الكبير الذي كنت أقطن فيه في مدينة فايمر الألمانية، مع ثلاثة عشر شخصاً، جميعنا من سوريا وننتظر قدوم إقامات اللجوء إلى صندوق بريدنا. في ذلك اليوم، كنت في غرفتي عندما سمعت شركائي في المنزل، يقولون إنهم سيرمون هذه الساعة التي وجدوها في الطريق في القمامة، لأنها "عاطلة ومائلة وشكلها غريب". في الحال ارتسمت أمامي لوحة دالي وساعاته الذائبة وخرجت من الغرفة لأعاين ما تبادر إلى سمعي. بالفعل كانت هي: ساعة صُنعت على طريقة دالي، مكسورة قليلاً، ولربما كان هذا سبب رميها من قبل صاحبها في الشارع. قلت لهم: أريد الساعة، فقالوا لي: أنت غريب الأطوار، ستحتفظ بساعة مكسورة ومائلة؟ لم أجِب أبداً، لكن حبي لسلفادور دالي جعلني أحمل الساعة إلى غرفتي بجنون وابتسامة عريضة وكأنني حصلت على شيء ثمين، وإلى الآن أينما انتقلت إلى سكن جديد، أول ما أقوم به، هو إيجاد مكان مناسب للساعة العاطلة، والمائلة، والذائبة!

أُصبت بخيبة أمل لمدة دقائق فقط، وبعدها بدأت بالتبرير له. ربما كان يريد العيش بأمان في إسبانيا، ولا يريد معارضة الديكتاتور الدموي، أو ربما لم يكن يريد العيش في المنفى كما كان حال بيكاسو المعارض لفرانكو، أو الموت في معتقل من معتقلات فرانكو، خاصةً أنه تحدث في كثير من مقابلاته عن خوفه الشديد من الموت، وحبه العظيم للحياة

بعد أن انتقلت إلى مدينة برلين، وبدأت بالدراسة الجامعية فيها، طلبت الآنسة في أحد صفوف اللغة الإسبانية من كل طالبة وطالب التكلم عن شخصية إسبانية يحبها في الأسبوع القادم، وسرعان ما اخترت سلفادور دالي.

بعد أن انتهيت من التقديم، جادلتني طالبة بسبب اختياري لسلفادور دالي، وقالت لي إنه كان يدعم فرانكو، الديكتاتور الذي حكم إسبانيا من عام 1939 إلى عام 1975، مسبباً الحرب الأهلية الأسبانية الشهيرة. تلقيت المعلومة بصدر رحب، واكتفيت بالقول لها إنني وبصدق لم أكن أعلم بذلك. عندما عدت إلى غرفتي، بدأت بالبحث عن الموضوع، ولم أجد معلومات دقيقةً جداً عن ذلك، إنما تبين فعلاً أنه كان داعماً للديكتاتور من خلال مقالات عدة، ونقلاً عن صحافيين وأصدقاء مقربين إليه. أُصبت بخيبة أمل لمدة دقائق فقط، وبعدها بدأت بالتبرير له. ربما كان يريد العيش بأمان في إسبانيا، ولا يريد معارضة الديكتاتور الدموي، أو ربما لم يكن يريد العيش في المنفى كما كان حال بيكاسو المعارض لفرانكو، أو الموت في معتقل من معتقلات فرانكو، خاصةً أنه تحدث في كثير من مقابلاته عن خوفه الشديد من الموت، وحبه العظيم للحياة. مع كل هذه التبريرات، لم أستطع نكران حقيقة أن حبي لدالي تأثر بعد هذه المعلومة، واحترامي له قلّ ولو بنسبة ضئيلة.

حدث ذلك في عام 2019، حين كنت نائماً. رأيت سلفادور دالي في منزلي في مصياف، وعلى ما يبدو كانت تربطنا صداقة وطيدة، فقد قال لي: "أريد المكوث عندك ليلةً واحدةً في مصياف، لأنني مسافر إلى حمص في الصباح الباكر، والمكان الأفضل عندك صديقي العزيز". استيقظت في الصباح لأسأل الخادمة التي كانت في المنزل: "هل استيقظ سلفادور؟"

وبالحديث عن سلفادور دالي، وريادته لحركة السوريالية، المستمدة بشكل رئيسي من نظريات فرويد عن الأحلام واللا وعي، حدث وقابلت دالي مرةً، على الرغم من أنه توفي في عام 1989، وقبل أن أُخلق أنا بأشهر عدة. حدث ذلك في عام 2019، حين كنت نائماً. رأيت سلفادور دالي في منزلي في مصياف، وعلى ما يبدو كانت تربطنا صداقة وطيدة، فقد قال لي: "أريد المكوث عندك ليلةً واحدةً في مصياف، لأنني مسافر إلى حمص في الصباح الباكر، والمكان الأفضل عندك صديقي العزيز". استيقظت في الصباح لأسأل الخادمة التي كانت في المنزل: "هل استيقظ سلفادور؟"، فأجابتني: "لقد سافر، لكنه ترك لك رسالةً". حزنت قليلاً لأنني لم أستطع رؤيته قبل سفره، وفتحت الرسالة، وإذ مكتوب فيها: "آسف لأنني لم أقل لك وداعاً، ولكن كان عليَّ الرحيل، وشكراً لاستضافتك لي. إلى اللقاء صديقي العزيز علي". حينها، استيقظت من الحلم فرحاً مبتسماً، فقد قابلت فناني المفضل، وسمعته يتحدث بالعربية، وربطتني به صداقة متينة، الشيء الذي لم أكن أتخيل حدوثه حتى لو كنت حياً في زمنه.

الحلم يحدث في ثوانٍ فقط في أثناء النوم، وتنتج عنه أشياء جميلة أحياناً، وأشياء مؤلمة أحياناً أخرى، وسوريالية الأحلام تنتج فنوناً وإبداعات. ربما لو كنت رساماً، لابتدعت لوحةً جميلةً عن حلمي مع سلفادور دالي. الخادمة التي لم أرَها قط، ودالي الصديق، والمنزل الفخم الذي لم أعش فيه أبداً، وطريق مصياف/ حمص المطبوعة في الذاكرة. ما كنت خائفاً منه حول ملاحقة دالي لي في الأحلام حدث، ولكن بصيغة جميلة، بصيغة صديق يزور صديقه. والآن أريد قول ما لم أستطع قوله لدالي في الحلم: "إلى اللقاء صديقي العزيز سلفادور!".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard