تمويل اقتصاد الحروب الإيرانية يعود قريباً

السبت 9 أبريل 202212:42 م

لا تزال التصريحات الغربية والإيرانية متضاربةً حول قرب التوصل إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، بعد طلب إيران إزالة الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية الأمريكية.

ونقل موقع "أكسيوس" الإخباري، على لسان مسؤول أمريكي لم يسمِّه، أن الوسطاء الأوروبيين لم ينجحوا بعد في تسوية الخلاف على تصنيف الحرس في قائمة الإرهاب، وأن طهران رفضت عرض رفع الحرس الثوري من القائمة السوداء، مقابل التزامها علناً بخفض التصعيد.

أضيف الحرس الثوري الإيراني إلى قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية عام 2019، تحت حملة الضغط القصوى التي مارسها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، على إيران، وهو أيضاً يخضع لعقوبات مفروضة عليه منذ عام 2007، تمنع الشركات والبنوك الأمريكية من التعامل معه أو مع الكيانات التابعة له.

رفضت طهران عرض الوسطاء الأوروبيين الذي يقضي برفع الحرس الثوري من القائمة السوداء، مقابل التزامها علناً بخفض التصعيد

وفي حديثه إلى موقع "سي إن إن"، قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران، روبرت مالي، إن الاتفاق النووي "ليس قريباً وليس أمراً محتوماً"، مضيفاً خلال مشاركته في منتدى الدوحة، في 27 آذار/ مارس الماضي، أن الحرس الثوري سيبقى ضمن العقوبات، وهي مسألة لا تتصل بالاتفاق النووي.

على ضفّتَي الاتفاق

وقال وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، في حديثه إلى قناة "خبر" الإيرانية، بالتزامن مع منتدى الدوحة وتصريحات المسؤول الأمريكي، إن "إسقاط التصنيف الإرهابي عن الحرس الثوري من القضايا المهمة في المفاوضات"، لكنه في الوقت نفسه، أشار إلى أن "عدداً من قادة الحرس طلبوا من وزارة الخارجية القيام بما هو ضروري توافقاً مع المصالح الوطنية للبلاد، وألا تكون مسألة الحرس الثوري عقبةً أمام التوصل إلى اتفاق"، واصفاً الخطوة بأنها "تضحية".

هذه التصريحات، عدّها حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان المقربة من المرشد الإيراني، غريبةً وغير متوقعة، وأضاف أن الوزير ليس لديه إحاطة كافية بشأن القضايا الجارية في نطاق مسؤولياته، وأنه "أخطأ حين سمّى الاستسلام تضحيةً، والأسوأ أن ينسب الاستسلام إلى قادة الحرس".

في المقابل، انتقد كبار المسؤولين الديمقراطيين في الولايات المتحدة، خطوة إزالة الحرس الثوري الإيراني من قائمة الإرهاب، ووصف ثلاثة من كبار مسؤولي الأمن القومي السابقين في إدارة ترمب، في بيان مشترك، هذه الخطوة، بأنها استسلام خطير، فيما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن مسؤولين أميركيين، أكدوا أن "عدم رفع الحرس الثوري الإيراني من قوائم الإرهاب قد ينسف المحادثات النووية مع طهران".

ضجيج إعلامي

يشير مدير برنامج الأمن والدفاع في مركز صنع السياسات، اللواء الركن ماجد القيسي، إلى أن "ما يجري لا يعدو كونه ضجيجاً إعلامياً، فالاتفاق قادم وواشنطن ستذعن للشرط الإيراني الخاص برفع الحرس الثوري الإيراني من قوائم الإرهاب، قياساً على رفعها حركة أنصار الله اليمنية "الحوثيين" من قوائم الإرهاب".

ويضيف القيسي في حديثه إلى رصيف22، أن "ما يجري هو للضغط في مكان آخر، من خلال استخدام ورقة الحرس للتنازل فيها، وقد تكون المقايضة في مسألة الحرس الثوري في السياسة الخارجية لطهران، أو في نقاط معيّنة من الاتفاق النووي، غير محسومة حتى الآن".

من جهته، يُرجح الخبير الأمني والعسكري، العقيد حاتم كريم الفلاحي، لرصيف22، "فرض إيران شرطها الخاص برفع الحرس الثوري عن القائمة السوداء، لتقوم بعدها بتقديم التزام بعدم التصعيد"، متسائلاً عن معنى هذا الالتزام بعد سيطرة إيران على أربع عواصم عربية، وعما ترتب سابقاً من عقوبات أو استهداف للحرس الثوري بعد وضعه على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، قياساً على ما تم اتخاذه تجاه غيره من التنظيمات الإرهابية مثل "داعش و"القاعدة" و"بوكو حرام".

الاتفاق قادم وواشنطن ستذعن للشرط الإيراني الخاص برفع الحرس الثوري من قوائم الإرهاب، قياساً على ما فعلته مع جماعة الحوثي

ويسأل أيضاً، "هل غيّر الحرس الثوري سلوكه أو تراجع نفوذه الداخلي أو الخارجي بعد وضعه على قوائم الإرهاب، من دون اتخاذ خطوات جدية لردعه؟"، ويضيف: "الحكومة الإيرانية الحالية، والتي تضم تسعة وزراء من الحرس الثوري، بالإضافة إلى فرض تحول في قواعد الاشتباك بعد قصف أربيل، بمثابة إجابة واضحة على هذا الأمر".

برأي الفلاحي، القضية شكلية وواشنطن ماضية في تنازلاتها لإيران، بعد أن حسمت خياراتها الإستراتيجية في الخروج من المنطقة، مستذكراً مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، إن "الخلاف مع العرب لا يضرّ، والخلاف مع إيران يضرّ، والاتفاق معها مفيد، بينما الاتفاق مع العرب قائم في جميع الأحوال".

تطمينات باردة

يرى الباحث المشارك في مركز تحليل السياسات الإيرانية، مصطفى النعيمي، أن "إزالة الحرس الثوري من لائحة الإرهاب الأمريكية ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة، فبمجرد إعلان واشنطن نيتها دراسة الطلب الإيراني بدأت ملامح التصعيد، إذ استهدفت إيران السفارة الأمريكية المزمع إنشاؤها في محافظة أربيل العراقية، وهي المرة الأولى التي يتم فيها تنفيذ هجوم إيراني من الأراضي الإيرانية، كما استهدفت ميليشيا الحوثي، الحليفة لإيران، شركة أرامكو السعودية بصواريخ ومسيّرات إيرانية".

وفي ظل البحث عن مظلة حماية لدول المنطقة، بعد الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، تأتي قمتا شرم الشيخ والنقب لتفتحا التكهنات عن تحالف عربي إسرائيلي لمواجهة إيران، إذ التقى وزراء خارجية مصر والإمارات وإسرائيل في شرم الشيخ، والتقى بعدها بأيام وزراء خارجية أمريكا وإسرائيل ومصر والبحرين والإمارات والمغرب في النقب، في لقاء نظر إليه البعض كنواة لتأسيس تحالف إقليمي لمواجهة طهران.

يشير الفلاحي إلى أن "المنطقة مقبلة على تحولات كبيرة في المواقف، في ظل مساعيها إلى البحث عن بديل لواشنطن يشاركها حماية أمنها الوطني، وتأتي مسألة التطبيع مع إسرائيل كأحد أبواب البدائل المطروحة، بالإضافة إلى اتفاقيات عقدتها بعض دول المنطقة مع كلٍ من الصين وروسيا".

ستتدفق السيولة النقدية إلى إيران نتيجة الاتفاق، مما سيوفر لها دعم اقتصاد الحرب وابتزاز دول المنطقة ويمكن ملاحظة ذلك من التموضع الجديد للميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن

ويضيف أن "التطمينات التي قدّمها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، للحلفاء الإقليميين، خلال لقائه عدداً من وزراء خارجية المنطقة في النقب والرياض، بأن الاتفاق القادم لن يكون على حسابهم وأن واشنطن ملتزمة بالدفاع عنهم، لا تعدو أن تكون نقشاً على سطح الماء، بالنظر إلى الموقف الأمريكي من قصف منشأة أرامكو السعودية بعد الوعود المقدمة".

أما في ما خص إسرائيل، فهي ترى نفسها غير معنية بأي اتفاق أمريكي مع إيران، وأن عملياتها مستمرة حتى ابتعاد الخطر الإيراني عن حدودها، حسب النعيمي، وفي انتظار مؤتمر مديري الأمن القومي الإسرائيلي الأمريكي الروسي، والذي قد يحمل توافقاً على إبعاد الميلشيات الإيرانية المتمركزة في الجنوب السوري، عن الحدود الإسرائيلية.

ويضيف النعيمي: "تدفع الجغرافيا السورية والعربية ثمن المناكفات الإسرائيلية الإيرانية قبل إزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب، وستكون النتائج كارثيةً بعد إزالته، وقد تشهد المنطقة تصعيداً تدريجياً في العمليات العسكرية الإسرائيلية حال زيادة عدد عناصر المليشيات الإيرانية، كمحصلة لتدفق السيولة النقدية إلى إيران نتيجة الاتفاق، مما يوفر لها دعم اقتصاد الحرب وابتزاز دول المنطقة عن طريق الميليشيات الولائية، ويمكن ملاحظة ذلك من التموضع الجديد للميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن".

أفادت وكالة "إرنا" الإيرانية، مؤخراً، نقلاً عن "مسؤول إيراني مطّلع، بأن جزءاً من الأرصدة الإيرانية المجمّدة سيتم الإفراج عنه قريباً

توافقات سرية

أفادت وكالة "إرنا" الإيرانية، مؤخراً، نقلاً عن "مسؤول إيراني مطّلع، بأن جزءاً من الأرصدة الإيرانية المجمّدة سيتم الإفراج عنه قريباً، وأن تحرير هذه الأموال يأتي وفق اتفاق جديد خارج الاتفاق النووي".

في هذا السياق، يشير الفلاحي إلى أن طهران تستغل الظروف الإقليمية والدولية، ومنها الحرب الأوكرانية لفرض شروطها في المفاوضات النووية، ونظراً لاضطراب الأسعار في سوق الطاقة العالمي وارتفاعها، نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من عقوبات على روسيا أصابت قطاع الطاقة، لذا تدرك طهران حاجة واشنطن إلى الاستفادة من النفط والغاز الإيرانيَين في السوق العالمية لضبط الأسعار فيه.

ويخشى الفلاحي نتيجة ذلك، توافقات سريةً أسوةً بما تم التوصل إليه بالتزامن مع مفاوضات اتفاق 2015، مستشهداً بصفقة الإفراج عن السجينين البريطانيين من أصل إيراني، نازنين زاغري وآنوشه أشورى، اللذين أفرجت عنهما طهران مقابل الإفراج عن 520 مليون دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة.

ولأن الحرس الثوري جزء من المؤسسة العسكرية الوطنية، من وجهة النظر الإيرانية، فإنها لن تتراجع عن طلبها برفعه عن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، حسب القيسي، مرجحاً التقاءها مع واشنطن في منتصف الطريق، في ظل رغبة الطرفين في التوصل إلى اتفاق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard