هل انقرض الفرح اللبناني؟ ما رأي "سفير السعادة"؟

السبت 9 أبريل 202209:00 ص
Read in English:

Has Lebanon’s happiness vanished? What the Happiness Ambassador Thinks

تتنافس الدول العربية في التعاسة. يحاول المغرب اللحاق بتونس، لكنّ "الخضراء" تبدو أتعس، فتسبقه بعشرين مرتبةً من الحزن. حتى مصر "البهيّة" تعيسة حسب التقرير العالمي للسعادة 2022، الصادر مؤخّراً عن الأمم المتحدة. فالمصريّون هم الشعب الثامن عشر على سلّم التعاسة العالمية، يسبقهم اليمنيون والموريتانيون والأردنيون، لتبقى الصدارة للبنان، حسب التقرير.

في أقلّ من ثلاث سنوات، انقلب الدهر على اللبناني، هو المعروف بشغفه بالحياة وبحبّه للسهر والطعام والسفر والأناقة، هو المشهور بكَرَمِه وضحكته وإبداعاته في المجالات كافّةً.

ليس مفاجئاً تصنيف الشعب اللبناني ثاني أتعس شعب عالمياً بعد الشعب الأفغاني، والأوّل عربياً، لا بل هو أمر متوقع ومبرر نظراً للمصائب التي حلّت باللبنانيين خلال السنوات القليلة الماضية: انهيار مالي هو من الأفظع في التاريخ، قضى على العملة الوطنية وعلى مدّخرات الناس، وغلاء غير مسبوق في الأسعار، وازدياد مطّرد في نسبة الفقر، وفوق ذلك كله تفجير في قلب العاصمة بيروت سلبَها وناسَها النبض.

أبسط ما كان يُسعد اللبناني اختفى، أو على الأقلّ لم يعُد بمتناول الغالبية الساحقة من اللبنانيين.

5 أسباب كانت تصنع سعادة اللبناني

1- "السُفرة الممدودة"

أي المائدة العامرة التي تبدأ بالتبّولة والحمّص والمقبّلات على أنواعها، ولا تنتهي بالمشاوي والأرزّ بالدجاج والكبّة... "السفرة" اللبنانية التي كانت تمتدّ من أوّل الدار إلى آخره مهدّدة اليوم بالزوال بفعل الارتفاع الخيالي في أسعار المواد الغذائية، بدءاً بالخضروات مروراً بالحبوب وليس انتهاءً باللحوم والفاكهة.

2- "الكزدورة"

أي المشوار أو الرحلة في السيارة التي نعرف متى تبدأ ولا نعرف متى تنتهي. وقفات في مناطق لبنان وقُراه الساحرة، وزيارات للأقرباء والأصدقاء، أو ربّما فقط جولة طويلة في السيارة لمجرد الترفيه عن النفس.

"الكزدورة" كلمة تكاد تختفي من القاموس اللبناني، بسبب غلاء صفيحة البنزين التي تَضاعف سعرها خمس عشرة مرّة عن تسعيرة ما قبل الأزمة.

3- "السهرة"

لا ينتظر اللبنانيون إجازة نهاية الأسبوع ليتأنّقوا ويخرجوا لقضاء السهرة في المطاعم أو الملاهي أو المسارح أو المقاهي. هذا الطقس شبه اليومي صار صعب الإحياء لأسبابٍ عدّة، منها ارتفاع الأسعار وإقفال عدد من المؤسسات بعد الانهيار الاقتصادي وتفجير مرفأ بيروت، ولا ننسى أنّ "جَمعة" الأصدقاء باتت ناقصةً بعد أن هاجر كثُرٌ منهم.

4- "الشوبينغ"

بين اللبنانيين والتسوّق ما يُشبه الإدمان. قبل الأزمة، كانت زيارة المحال والمجمعات التجارية شبه أسبوعية لشراء قميصٍ جديد أو حقيبة من ماركة عالمية أو قطعة أثاث للبيت. اليوم، حتى زيارة السوبر ماركت لشراء الحليب ومسحوق الغسيل وسائر الحاجيات اليومية، صارت أَقرب إلى فيلم الرعب بسبب نار الأسعار.

5- "السياحة والسفر"

خلال سنوات ما قبل الأزمة، ومع اقتراب كل إجازة عيد، وعطلة الصيف، كانت إعلانات مكاتب السفر تملأ الطرقات وصفحات التواصل الاجتماعي. من الوجهات القريبة كتركيا وقبرص وجورجيا، إلى تلك الأبعد كبلاد غرب أوروبا، أو جزر المحيط الهادئ وغيرها. كان يخطّط اللبنانيون لرحلاتهم كلٌ حسب قدرته.

وبما أن السفر بالدولار، وهي العملة الصعبة المنال بالنسبة إلى البنانيين حالياً، أضِف إلى ذلك إيقاف بطاقات الائتمان اللبنانية عن العمل في الخارج، صارت السَفرة حلماً بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين. 

أنطوني رحيّل يمشي عكس التعاسة

لا يوافق الجميع على التصنيف الذي أطلقه تقرير الأمم المتحدة، فالبعض يعترض قائلاً إنّ ما نراه على صفحات التواصل الاجتماعي وتحديداً إنستغرام، يوحي بأنّ اللبنانيين لم يغيّروا شيئاً من عاداتهم؛ "السهرة ولعانة"، و"كل يوم بيفتح مطعم جديد"، و"الكل لابس أحلى تياب"... فيجيب البعض الآخر بأنّ ما نرى يعكس صورة عشرة في المئة من المجتمع اللبناني، لا أكثر.

من جانبه، يعترض أنطوني رحيّل على التصنيف. أنطوني المعروف باسم No Garlic No Onions على منصّتَي إنستغرام ويوتيوب، هو أحد أهمّ المؤثّرين في مجالَي الأكل والسياحة الداخلية. لا يوفّر صورةً ولا فيديو ولا حلقة تلفزيونيّة إلا ويضيء على الجانب المشرِق للبنان. صنع أبطالاً من خلال صفحته: كريكور صاحب فرن المناقيش الذي تخطّى الثمانين عاماً، وأبو شادي "معلّم الفول والحمّص" الذي لم يكن معروفاً على السوشال ميديا، هذان وغيرهما من الحِرَفيّين واللحّامين وسيّدات المنازل اللواتي حولن مطابخهن إلى مطاعم صغيرة، كلّهم "أبطال أنطوني".




"أردتُ البحث عمّن ليس لديهم صوت لأساعد بلدي وناسه على طريقتي"، يقول أنطوني لرصيف22، ويضيف: "فتحت لهم أبواب صفحاتي وجعلتهم يسوّقون لمنتجاتهم ومؤسساتهم من دون أي مقابل مادي، هم الذين لا يملكون الإمكانات ولا الخبرات التسويقية. كانت رغبتي في أن أترك إرثاً موثّقاً عن هؤلاء الحرَفيّين وأصحاب المطاعم والمشاريع الصغيرة، أو عن مزارع الزيتون أو صانع الأجراس أو غيرهم ممن اشتهروا من خلال منصّتي وبعضهم ما عاد بيننا اليوم".

صنع أنطوني أبطالاً من خلال صفحته: كريكور صاحب فرن المناقيش الذي تخطّى الثمانين عاماً، وأبو شادي "معلّم الفول والحمّص" الذي لم يكن معروفاً على السوشال ميديا، هذان وغيرهما من الحِرَفيّين واللحّامين وسيّدات المنازل اللواتي حولن مطابخهن إلى مطاعم صغيرة، كلّهم "أبطال أنطوني"

ينتقد أنطوني وضع لبنان في المرتبة الثانية للتعاسة، رافضاً هذا التصنيف، ويضع اللوم على بعض الإعلام الذي يسوّق لتلك التعاسة: "أؤمن بتسويق السعادة وجمال لبنان بعيداً عن كل ما هو سلبي". يقرّ مؤسّس NGNO، بأنّ الوضع استثنائي وقد يطول، وهو يلمس يومياً معاناة الناس خلال تجواله في القرى اللبنانية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، لكنّه مصرٌّ على مقولته: "أحلى بلد بالعالم ما بيموت".

"أسعد لبناني بلبنان"

ترك أنطوني رحيّل كل شيء وتَبِع حبّه للبنان. فمن طبيب أسنان تحوّل إلى ما هو عليه اليوم. يقول إنّه انتقل من مداواة آلام الأسنان إلى مداواة الوطن بأسلوبه الخاص. بعد تسع سنوات من ممارسة المهنة، وضع لقب "دكتور" جانباً، وحمل الكاميرا لتصوير "أحلى بلد بالعالم"، وها هي الرحلة تبلغ عامها العاشر وتتوسّع إلى عدد من الدول كالإمارات ومصر والعراق والأردن وفرنسا. 


يرفض أنطوني اتّهامه بأنّه منفصل عن الواقع، فيردّ قائلاً إنه يتعاطى معه بواقعية: "لكلّ محنة نهاية. لم أشعر لحظةً بأنّ ما أقدّم لم يعد له مكان في ظل الأزمة، لأني عرفت كيف أتأقلم مع الوضع. كلمة السرّ هنا هي "التكيّف"، إلى جانب عدم الاستسلام وترك السلبية تغلبنا. أنا مثلاً لا أتابع الأخبار السياسية، وأحاول أن أرى النصف المليء من الكوب". يضيف: "مش ضروري نسهر كل ليلة، ولا ناكل لحمة كل يوم... بدل ما نروح على الشغل كل واحد بسيارته، نعمل مجموعة ونروح مع بعض ونتقاسم كلفة البنزين!".

5 معلومات من أنطوني رحيّل لمحاولة استرجاع بعض السعادة

1- جرى افتتاح أكثر من 250 مصنعاً لبنانياً منذ بداية الأزمة

2- ازداد تصدير المونة اللبنانية إلى الخارج

3- ازدهرت صناعة المنتجات المحلية البديلة عن المستوردة

4- جرى زرع الأراضي المجاورة للبيوت والتي كانت متروكةً ومُهمَلةً

5- صار الطعام الصحي المنزلي بديلاً عمّا هو مصنَّع وغير صحّي



لقاءاته اليومية مع أبناء الأرض والفلاحين والمزارعين وكل حِرَفيّ أو طاهٍ بسيط صنع نجاحاً وانتصاراً صغيراً بالمثابرة والشغف، ربما أضافت إيجابيةً إلى إيجابية أنطوني، فاستحقّ لقب "أسعد لبناني بلبنان". تعليقاً على اللقب، يقول: "بالرغم من كل ما نمرّ به، أصرُّ على أن أقابل الناس بالبسمة والإيجابية. لا يهمّني عدد المتابعين ولا عدد المشاهدات والإعجابات وهذا واضح من خلال صفحتي، بقدر ما يهمّني التفاعل الواقعي مع الناس والقدرة الفعلية على دعمهم. أن أراهم ينجحون بمساعدتي أو أن تزداد نسبة مبيعاتهم، هذا ما يجعلني الأسعد".


بعد تسع سنوات من ممارسة المهنة، وضع لقب "دكتور" جانباً، وحمل الكاميرا لتصوير "أحلى بلد بالعالم" 

قد تشكّل المبادرات الفردية والتكافل الاجتماعي علاجاً للشعب العربي "الأكثر تعاسةً"، فيقترب لبنان من جديد بفعل المحبة والتضامن والإيمان بالأرض والطاقات المحلية، من مراتب السعادة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard