شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ما بين "إبرة وخيط" و"نسر السين"... هل أصبح يوتيوب منصةً لمن لا منصة له؟

ما بين "إبرة وخيط" و"نسر السين"... هل أصبح يوتيوب منصةً لمن لا منصة له؟

رأي

السبت 9 أبريل 202210:22 ص

عديدة هي النصوص الدرامية التي من الصعب أن تجد لها الدعم الإنتاجي، لتظهر على كبرى القنوات العربية، لأسباب مختلفة أبرزها أنها لا تتوافق مع سياسة القنوات المتنوعة، فلكل قناة أهدافها وحتى أجندتها. وفي هذا الوقت تحديداً، وبعد شبه احتكار للمنتج الفني العربي ضمن دوائر منتجة ومنصات باتت معروفةً، وتوجيه محدد لما يراد عرضه للجمهور، وصل الأمر إلى حد التشابه في الأفكار، والاختلاف فقط في الأسماء التي تظهر على شاشة العمل، ثمة من يحاول أن يُخرج عمله المختلف إلى الملأ، لكن الأبواب التي تحمل أسماء قنوات عربية ذائعة الانتشار تُغلَق أمامه، فلا يجد صانع العمل أمامه فرصةً إلا يوتيوب، وهذا حدث سابقاً مع مسلسل "قلم حومرة"، الذي وصل إلى نسبة مشاهدة عالية على يوتيوب، وهو للكاتبة يم مشهدي والمخرج الراحل حاتم علي، وقد تفوّق حينها في موسم رمضان عام 2014 على مسلسلات عربية عديدة، إذ رُفض عرضه من قبل غالبية القنوات العربية. وبعد انتشار صيته وانتهاء موسم رمضان، تم عرضه على قناة MBC، لكن مقصّ الرقابة كان له بالمرصاد.

المرصاد الرقابي السياسي والاجتماعي، يقف دائماً أمام الإبداع الذي يتعلق بتقديم فكرة تحرّك خلايا الدماغ، وتقدّم المختلف، وهذا تحديداً ستجده في المسلسل السوري "إبرة وخيط"، للكاتب حازم سليمان والمخرج محمد عبد العزيز، والمسلسل المصري "نسر السين" من إخراج كريم مرتضى وكريم الدين الألفي، ويتم عرضهما حالياً على قناة اليوتيوب.

ما يجمع بين العملين، اعتمادهما على بطولة الشخصيات الاجتماعية المهمشة، وتراوح مدة الحلقة بين خمس وسبع دقائق، ويندرجان تحت فئة الكوميديا السوداء، والنقد فيهما سيد الموقف لكل الظروف المحيطة بالمواطن العربي عموماً.

بعد شبه احتكار للمنتج الفني العربي ضمن دوائر منتجة ومنصات باتت معروفةً، وتوجيه محدد لما يراد عرضه للجمهور، ثمة من يحاول أن يُخرج عمله المختلف إلى الملأ، لكن الأبواب التي تحمل أسماء قنوات عربية ذائعة الانتشار تُغلَق أمامه، فلا يجد صانع العمل أمامه فرصةً إلا يوتيوب

"إبرة وخيط"... "رقّع إذا فيك ترقّع"

ضمن 15 حلقةً متصلةً بالمشهدية، ومنفصلة في تناول الموضوع، تكمن أهمية مسلسل "إبرة وخيط"، للكاتب حازم سليمان والمخرج محمد عبد العزيز، في أنه بُني على شخصية خياط بكل أبعادها المتعارفة عن هذه المهنة، فالعمل يعتمد في تصدير نفسه على أداء بطل واحد في مكان واحد هو مشغله الخاص الملوّن بخيوطه، وبأزياء "المانيكان" المتعددة بين لباس بحر ونقاب، وعباءة وعقال، وأزياء جهادي، وقبعة على الرأس ولحية طويلة.

تأخذك الشخصية التي يؤدي دورها الممثل كفاح الخوص، إلى حوار مباشر معه، هو المتحدث الوحيد فيه، وينتقل بين مانيكان وآخر، وتتخلل الحوار أسئلة يتركها عالقةً أحياناً، ويجيب عنها أحياناً أخرى، لكن الأهم أنه يؤدي كل هذه المشاعر مستنداً إلى الفنون السبعة، في مشهد واحد لا يتجاوز الخمس دقائق، فيه الحس المسرحي، والشعر، والرسم، والموسيقى إلخ... وكأن الفنون السبعة باتت هي الملجأ الذي من خلاله تبوح عن المسكوت عنه، وتحديداً إذا اقترن هذا البوح بكوميديا سوداء، قادرة على إيصال الفكرة بسلاسة، وخفة ظل، وغصة متروكة في مكان ما تمت إدارتها من قبل المخرج بطريقة تستحق التقدير.

عمل مصنوع بذكاء، يحمل في كل حلقة عنواناً لقصة عايشناها أو سمعنا عنها، أو غضضنا البصر للحديث فيها، يحكيها الخياط صاحب النظارة المتصلة بلاصق، ولا يبتسم ولا يضحك في العمل إلا قهراً، وهو الخياط الذي يقوم عادةً بترقيع ما يفسُد من أقمشة، وتلك الأقمشة هي الناس، وبينهم من ينفع معه الترقيع، ومنهم من مهما حاولت فلن تخفي رقعة ما ورثته الأنظمة العربية على العقل والقلب.

المرصاد الرقابي السياسي والاجتماعي، يقف دائماً أمام الإبداع الذي يتعلق بتقديم فكرة تحرّك خلايا الدماغ.

عمل جريء في طرحه، حتى أنه في الحلقة الخامسة تحديداً، على سبيل المثال لا الحصر، والتي حملت عنوان "احكي"، وقف الممثل الخوص مطالباً بإنزال الشارة، وقال: "هديك الحلقة ما انخرب بيتنا... هاي الحلقة راح تخرب بيتنا"، وهذه العبارة دقيقة فعلاً، فبعد مشاهدة الحلقة الرابعة التي حملت عنوان "جريمة كاملة"، توقعتُ توقيف العمل على أقل تقدير، فالحلقة حملت توجيه اتهامات مباشرة إلى من يجب أن يحمل لقب صاحب الجريمة الكاملة، ومن سحق شعباً ويتم تصديره كبطل. يقول الخياط: "الزعيم ما بعرف مين، فات على مدينة ما بعرف وينها، قتل فيها 30 ألف شخص... شو بيكون هادا ملاك رحمة، ضروري نسميه بطل؟ ليش ما منسميه مجرم؟".

فالعمل حسب صندوق وصفِه، قائم على "تسليط الضوء على الهمَّين السوري والعربي من خلال زوايا مختلفة، ومن خلال الاشتباك مع الكثير من التفاصيل المسكوت عنها في مسار حياتنا اليومية، وعيشنا، وعلاقتنا مع الواقع، والذات، والآخر، والتاريخ، والسياسة".

"نسر السين" للمهمَّشين تحية

قبل فترة وجيزة، تكلمت ممثلة من الزمن الذي يقدّر الفن، عن واقع توريث مهنة التمثيل التي باتت ملحوظةً، في الآونة الأخيرة، وتساءلت عن مصير طلاب المعهد العالي للتمثيل في غياب الدعم، وفي حضرة تصدير ابن الممثل الفلاني وابنته، وابنة شقيقة الممثلة الفلانية. الإجابة ببساطة ستكمن في مسلسل "نسر السين"، من إخراج كريم مرتضى وكريم الدين الألفي، وتمثيل أسماء لم تشاهدها على شارات الأعمال الدرامية على القنوات العربية، ومن الواضح أنهم واعون بأن لا مكان قد يدعم مواهبهم، لذا قرروا العمل وحدهم والتوجه إلى يوتيوب لنشر فنهم، ضمن ميزانية محدودة لم تؤثر في الكتابة والتمثيل والإخراج.

يتناول العمل الذي لا تتجاوز مدة حلقته الواحدة السبع دقائق، تحديات صعود شاب في عالم موسيقى الراب، يعتقد نفسه أهم "رابر" في محيطه، وهنا تبدأ السخرية، إذ أدرك صاحب العمل أنه من خلال هذه الشخصية سيحكي عن عالم المهمَّشين، ووجد أن الطريقة المثلى في إيصال فكرته، اعتماد فئة mocudrama، التي تمزج بين التسجيلي والدرامي المقترن بالسخرية، وتشغيل الكاميرا وجعل كل من يقف أمامها يدلو بدلوه.

قبل فترة، تكلمت ممثلة من الزمن الذي يقدّر الفن، عن واقع توريث مهنة التمثيل التي باتت ملحوظةً، في الآونة الأخيرة، وتساءلت عن مصير طلاب المعهد العالي للتمثيل في غياب الدعم، وفي حضرة تصدير ابن الممثل الفلاني وابنته، وابنة شقيقة الممثلة الفلانية. الإجابة ببساطة ستكمن في مسلسل "نسر السين"

هو نوع كوميدي من المتوقَّع أن يكون له حضوره في صناعة الدراما العربية، إذا ما قررت شركات الإنتاج الكبرى دعم مثل هذه المواهب التي تعرف من تخاطب، فالفئة التي تشاهد هذا العمل تنتمي بشكل خاص إلى جيل السرعة الذي لا يحتمل الأعمال الطويلة، ويبحث عن الترفيه السريع، وهذا فعلاً ما حققه "نسر السين"، ولا مبالغة إذا تعدت مشاهدة هذا العمل مشاهدات الأعمال الرمضانية القادمة.

اختيار السخرية عن طريق الراب، اختيار ذكي، فهذا النوع من الفنون يتحمل أي نقد، وأي نكتة، وأي سخرية منه، لذلك نقد المجتمع والحياة والمعيشة، عن طريق رابر لا يمت بصلة إلى فن الراب، هو بحد ذاته نقلة نوعية في تطوير النص الكوميدي، وعالم الراب عالم حر حتى في اختيار المفردات، وفي جلب من يريد من شخصيات قديمة وحديثة، ومواجهتها. العمل فيه من الفانتازيا ما يجعله جديراً بالمشاهدة، وحتى نوع الشتائم والحوار فيه بشكل عام يؤكد على ذكاء صانعيه، وقدرتهم على خلق توازن في دقائق معدودة لا تضعه على الأقل ضمن الأعمال التي لن تُتَّهم "ظلماً" بتشويه سمعة مصر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard