بنغازي تخرج من تحت الركام

الخميس 7 أبريل 202204:01 م

خمس سنوات مضت على انتهاء الحرب الشرسة التي عاشتها مدينة بنغازي، في شرق ليبيا، وهي ثاني أكبر مدن البلاد، ودارت رحاها وقتها بين قوات الجيش الذي يقوده خليفة حفتر وتحالف من الكتائب المسلحة المعارضة لها، وامتدت لثلاث سنوات وسط بعض الأحياء السكنية الكبيرة، وتركتها حتى يومنا هذا خاليةً على عروشها ومدمّرةً بشكل شبه كامل.

وبالرغم من الجهود التي بُذلت والخطط الحكومية الكثيرة التي أُعلن عنها لإعادة إعمار بنغازي، إلا أن كل هذه الخطط ظلت حبراً على ورق، ولم تسفر عن بناء مبنى واحد من المباني المتضررة جراء الاشتباكات الدامية التي دارت على مقربة منها.

ملف إعادة إعمار بنغازي عاد إلى النور منذ منتصف العام الماضي، بعد انطلاق محادثات ليبية مع الكثير من الدولة الراغبة في نيل حصة في هذا المشروع الضخم، الذي سيدرّ مليارات الدولارات على شركات هذه البلدان، ما أشعل منافسةً شرسةً للظفر به بين مصر وعدد من الدولة الأوروبية تتقدمها إيطاليا وإسبانيا واليونان.

تحرّك مصري

وفي محاولة مصرية للتحرك بسرعة وحسم المنافسة مع الدولة الأوروبية الراغبة في الفوز بالحقوق الكاملة لتولّي مشروع إعادة إعمار بنغازي وعدد من المدن الليبية الأخرى مثل درنة، أُعلن في القاهرة، قبل أسابيع، عن إقامة مؤتمر دولي للبناء والتشييد في ليبيا خلال الفترة من 16 إلى 20 أيار/ مايو المقبل، في مدينة بنغازي الليبية، بمشاركة شركات مصرية راغبة في إعادة إعمار ليبيا، وبحضور ممثلي مجتمع الأعمال من ليبيا ومصر.

بالرغم من الجهود التي بُذلت والخطط الحكومية الكثيرة التي أُعلن عنها لإعادة إعمار بنغازي، إلا أن كل هذه الخطط ظلت حبراً على ورق، ولم تسفر عن بناء مبنى واحد من المباني المتضررة جراء الاشتباكات الدامية التي دارت على مقربة منها

وأُعلن عن هذا المؤتمر ضمن فعاليات الملتقى التمهيدي للإعلان عن المعرض والمؤتمر الدولي للبناء والتشييد، الذي شارك فيه ممثلون عن القطاع الرسمي، ومجتمع الأعمال المصري والليبي.

وحسب هذ الإعلان، من المقرر أن يضمّ المؤتمر الدولي للبناء والتشييد نخبةً من ممثلي مجتمع الأعمال الليبي والقطاع الرسمي مع لفيف من مجتمع الأعمال المصري والغرف التجارية والصناعية والمكاتب الاستشارية الهندسية والإدارية والمالية وتمثيلاً قوياً لقطاع المقاولات والتطوير العقاري ومنتجي مواد البناء.

وأكد أشرف عبد الرحيم، المدير التنفيذي للمعرض الدولي للبناء والتشييد، في بيان، "أهمية التعاون المصري الليبي، خاصةً أن الموقع الجغرافي وتنوع الموارد البشرية والمواد الأولية والخبرات المتراكمة للجانبين المصري والليبي، يبرهن على أنه يمكن تبادل المنافع، بالإضافة إلى أنه يعزز خطواتنا نحو المستقبل".

وأضاف عبد الرحيم أن "الملتقى التمهيدي شهد الإجابة عن العديد من التساؤلات عن الخطط الموضوعة لإعادة إعمار ليبيا، وكشف عن نوع الاحتياجات وحجمها، سواء العاجلة منها أو المخطط لها على المدى القصير أو طويل الأجل".

من جانبه، أكد رئيس نقابة المهندسين في مصر طارق النبراوي، أن "نقابة المهندسين إحدى أذرع الدولة المصرية والاستشاري الهندسي الأول لها، ترحب بأي دور مستقبلي في مشروعات إعادة إعمار ليبيا وخططها ومساعدة الشعب الليبي على الوصول إلى حالة الاستقرار التي يستحقها بعد سنوات من الحرب والتدمير".

"بنغازي لا تزال تعاني من تدمير في حدود 25% من مساحتها، وخصوصاً في أحيائها القديمة ذات التراث والنسق المعماريين الإيطاليين، فضلاً عما لحق ببنيتها التحتية ومرافقها من محطات مياه وكهرباء وجسور، ما يرفع من تكلفة مشاريع إعادة الإعمار والتنمية فيها"

وقال النبراوي: "لدينا كل الخبرات الهندسية المتميزة من استشاريين وشركات هندسية متخصصة قادرة على المشاركة الإيجابية الكبيرة في إعادة إعمار ليبيا عموماً، وبنغازي ودرنة على وجه الخصوص".

في انتظار الوعود الحكومية

وحسب الأرقام الصادرة عن بلدية بنغازي، فإن أكثر من ثمانية آلاف أسرة ليبية وقرابة ثلاثة آلاف عائلة أجنبية من أهالي وسط المدينة، ما زالت تنتظر تنفيذ الوعود الرسمية لإعادة الإعمار ودفع التعويضات والعودة إلى مساكنها.

ومع أن بعض الجهود الشخصية والرسمية أسهمت في عودة الحياة تدريجاً إلى المناطق المدمرة، إلا أن الأزمات السياسية المتتالية لم تسمح ببدء مشروع الإعمار الشامل.

وحذر رئيس المجلس التسييري لبلدية بنغازي، الصقر بوجوراي، من أن "ينصبّ الاهتمام على الصراعات السياسية، على حساب ملف الإعمار سواء للمناطق القديمة التي دُمرت خلال الصراعات المسلحة، أو للمناطق الجديدة".

وأعرب عن أمله بأن "تشهد الفترة المقبلة حرصاً على التقدم في مسار الإعمار الذي تجمد طوال الفترات السابقة، إلى جانب الاهتمام بالوضع السياسي"، لافتاً إلى أن الجميع استبشروا خيراً بما أعلنته حكومة الوحدة في شأن "توفير الأموال المطلوبة لاستئناف عمل المشروعات المتوقفة منذ 2011، وعودة الشركات الأجنبية لمباشرة أعمالها".

وبيّن بوجوراي، أن "بنغازي لا تزال تعاني من تدمير في حدود 25 في المئة من مساحتها، وخصوصاً في أحيائها القديمة ذات التراث والنسق المعماريين الإيطاليين، فضلاً عما لحق ببنيتها التحتية ومرافقها من محطات مياه وكهرباء وجسور، ما يرفع من تكلفة مشاريع إعادة الإعمار والتنمية فيها".

وتختلف تقديرات المجموعة الاقتصادية في الحكومة بخصوص تكلفة إعادة الإعمار، ففيما يذهب وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، سلامة الغويل، إلى أنها تحتاج إلى قرابة 500 مليار دينار (نحو 110 مليارات دولار)، يرى وزير الاقتصاد محمد الحويج أن التكلفة الإجمالية المتوقَّعة لإعادة الإعمار تيلغ 200 مليار دولار.

الحفاظ على الهوية المعمارية

تُعدّ منطقة وسط المدينة، قلب بنغازي وأقدم أحيائها من أكثر المناطق تضرراً من الاشتباكات التي شهدتها المدينة بين عامي 2014 و2017، ولا تقتصر الخسائر في هذه المنطقة على تضرر البنية التحتية فحسب، بل تتعاظم بفقدان الكثير من المباني ذات الطابع التاريخي التي شُيِّدت في العهدين العثماني والإيطالي، والتي تضرر الكثير منها بشكل جزئي أو كلي.

وتحاول السلطات المحلية في المدينة إنقاذ ما يمكن انقاذه من المباني والمعالم التاريخية التي شوّهتها الحرب، وفي هذا السياق كشف عضو جمعية الصداقة الإيطالية الليبية، عبد القدير رمضان، عن توقيع بروتوكول بين شركتَين إيطاليتَين وشركة محلية في بنغازي لإعادة إعمار المدينة.

وأضاف رمضان أن "الشركتين الإيطاليتين وكليهما من مدينة رافينا، الواقعة في منطقة إميليا رومانيا، ستعملان على ترميم بعض المباني التاريخية في وسط المدينة".

وأشار إلى أن "هذا التعاون ثمرة للمؤتمر الذي عُقد الأسبوع الماضي في بنغازي، بهدف تحفيز الشراكة الوثيقة بين المنظمة الإيطالية والسلطات الليبية لتسهيل إعادة إعمار المدينة القديمة".

وكانت إيطاليا قد أبدت اهتماماً كبيراً بملف إعادة إعمار بنغازي منذ منتصف العام الماضي، حين كشفت غرفة التجارة والصناعة والزراعة في المدينة، أن "ائتلاف 120 شركةً إيطاليةً أبدت استعدادها للمشاركة في إعادة إعمار المدينة والدخول إلى السوق الليبي بالتعاون معها".

وفي بيان لها، قالت الغرفة إن "ذلك جاء في اجتماع عُقد عبر تقنية الدائرة المغلقة في مقرّ الغرفة ضمّ ممثلين عن المجلس البلدي في بنغازي ووزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة الوحدة الوطنية، وغرفة التجارة والصناعة والزارعة وعدداً من رجال الأعمال وأصحاب المصانع والشركات الكبرى  بحضور ائتلاف يضمّ مجموعةً من كبرى الشركات الإيطالية".

وأوضحت أن "الشركات الإيطالية متخصصة في مجالات عدة، وتمت في الاجتماع مناقشة إقامة معرض دائم للمنتجات والصناعات الإيطالية في مدينة بنغازي، والمشاركة في إعادة الإعمار ودخول السوق الليبي بالتعاون مع الشركات الليبية المتخصصة".

رؤية جديدة

في السياق، كشف مدير مكتب المشروعات، المهندس أسامة الكزة، عن "تجهيز دراسة ورؤية جديدتَين للمخطط العام لمدينة بنغازي بالكامل".

وقال إن "المدينة القديمة جزء منه، وسيشمل صيانتها وتغييرها إلى مدينة مهتمة بالثقافة والترفيه وستكون مخصصةً من الداخل للحركة الراجلة فحسب".

وشدد على أن "للمحافظة على المدينة القديمة الأولوية في البلدية، نظراً إلى أهميتها التاريخية وتأثيرها في تشكيل الهوية العامة لمدينة بنغازي"، نافياً أن "تكون المناطق الحيوية المستحدثة التي نهضت أخيراً هي البديل عن المدينة القديمة".

الحاجة إلى الخبرات الأجنبية

وأكد مدير مكتب المشروعات في بلدية بنغازي، أن "إعادة إعمار المدينة القديمة ووسط البلاد بحاجة إلى خبرات خارجية لتأمين الجودة".

وأشار الكزة، إلى أن "هذا لا يمنع مشاركة الشركات المحلية التي أجرت أعمال الصيانة والترميم في بعض المباني، ومنها منارة بنغازي ومقر إدارة المراسم في وزارة الخارجية والتعاون الدولي"، مشيداً في الوقت ذاته بـ"تواصل أعمال الترميم في بيت بنغازي الثقافي المعروف باسم حوش الكيخيا".

وبيّن أنه "تم تخصيص مبلغ 250 مليون دينار ليبي (نحو 52 مليون دولار)، من لجنة إعادة الاستقرار بعد قرار صادر عن رئاسة البرلمان، يشمل إزالة الركام ورصف الشوارع وشبكات الصرف الصحي، وإعادة الكهرباء بالكامل والنظافة وتنسيق الحدائق".

وتعجّ المدينة القديمة في بنغازي بالمباني التاريخية ذات القيمة الثقافية والروحية الكبيرة، مثل الكاتدرائية الكاثوليكية التي تُعدّ من أبرز معالم المدينة وهي الأكبر في شمال إفريقيا، وقد طالها بعض الضرر من الاشتباكات التي دارت في محيطها.

وبدأت بلدية بنغازي بصيانة الكاتدرائية منذ بداية العام الماضي، وتستهدف البلدية أيضاً المبنى التاريخي الذي استُخدم سابقاً كمقر للاتحاد الاشتراكي في سبعينيات القرن الماضي، ليكون مقرّاً لمكتب مشاريع بلدية بنغازي في المستقبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard