"كان يضربني أمام والدتي لأنني أذكّره بوالدي"... البرلمان العراقي يرفض حماية النساء

الخميس 7 أبريل 202203:07 م

زينب (اسم مستعار)، التي تبلغ من العمر 39 عاماً وتعيش في بغداد، واحدة من نساء كثيرات يتعرضن للعنف الأسري من دون أن يتحدثن إلى أحد عن معاناتهن، وإن تجرّأن على الكلام، فهنّ يتهامسن في السر، وفي حلقاتهن الضيقة، خوفاً من عنف أكبر. هي تريد أن تنجو مثلها مثل آلاف غيرها، يدُرن في دوائر من العنف والأذى والخوف.

تعرضت زينب لمختلف أنواع العنف من زوجها الذي كان "يضربها وكأنها متعة لديه". تقول لرصيف22: "لقد عاملني بسوء ووحشية. تعرضت لمختلف أنواع الضرب والسب والشتم، وفي أحيان كثيرة كانت تبقى آثار الضرب على جسدي لأيام طويلة وأنا أحاول تغطيتها وتحمّل أوجاعها".

لم تنفع محاولات زينب أن تستنجد بأهلها. كانوا رافضين لأن يسمعوا ما تعانيه، وإن سمعوا، لم يُحرّكوا ساكناً. أكثر من ذلك، منعوها حتى من أن تُفكر في الطلاق. عاشت سنواتها مع الخوف إلى أن قررت المواجهة، وقليلات هن من يواجهن. تقدمت بشكوى ضد زوجها وطالبت بالطلاق. لم تكن تتوقع أن يصل الأمر بعائلتها إلى أن يقفوا مع زوجها ضدها. أصرّت زيب على حريّتها حتى نالتها، بالرغم من كل شيء.

العنف كثقافة

كشفت الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، عن تسجيل خمسة آلاف حالة تعنيف ضد النساء خلال عام 2021 في بغداد وعموم المحافظات، وقالت مدير عام دائرة تمكين المرأة في الأمانة، يسرى كريم، في تصريح صحافي، في كانون الأول/ ديسمبر 2021، إن "العدد الحقيقي يفوق هذه الأرقام، لعدم تسجيل الكثير من الحالات بسبب بعض الأعراف والتقاليد التي تسود المجتمع".

كشفت الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، عن تسجيل خمسة آلاف حالة تعنيف ضد النساء خلال عام 2021 في بغداد وعموم المحافظات

وتشير منظمات حقوقية إلى أنواع عدة من العنف ضد النساء في العراق، تشمل العنف الجنسي والعنف الأسري والإتجار بالفتيات وزواج القاصرات وجرائم الشرف، كما تؤكد أن الإحصاءات المعلنة لحالات العنف أقل بكثير من الحقيقة، لكن لا يتم تسجيل العديد منها بسبب الخوف من العادات والتقاليد في المجتمع وتهديدات العائلة للمعنَّفات.

عاشت ش. م. (20 عاماً)، من محافظة ديالى، طفولةً مأساويةً لم تتجاوز آثارها النفسية والجسدية إلى الآن، بعد أن تعرضت لمختلف أنواع العنف من قبل زوج والدتها، الذي كان دائماً ما يعنّفها، لأنها تذكّره بوالدها كما كان يزعم في كُل مرّة يضربها فيها. استمرّ على هذه الحال لسنوات طوال.

تقول لرصيف22: "كان يضربني على رأسي ومختلف أجزاء جسدي، ولم يكن هذا هو الألم الوحيد الذي عانيت منه، فوالدتي كانت تقف وتشاهد وتصمت، من دون أن تتكلّم حتى، أو أن تُدافع عني. فوق الألم الناتج عن وحشيته، كُنت وحيدةً بين أنياب كائن ليس لديه أي إحساس"، ابتعدت ش. م. عن ذلك المنزل حين صارت قادرةً على تدبّر أمورها، وهي إلى اليوم ترفض فكرة الارتباط والزواج خوفاً من تكرار المأساة التي لا تزال آثارها تحفر عميقاً في ذاكرتها.

القانون الممنوع

لا تقف حالات التعنيف عند حدّ معيّن أو محافظة دون أخرى، فمن الشمال إلى الجنوب دائماً ما تُرصد حالات تعنيف موثقة لنساء عراقيات من قبل ذويهم وأزواجهن.

في 15 آذار/ مارس الماضي، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لامرأة عراقية تتعرّض للتعنيف من قبل زوجها الذي قام بربطها من عنقها في سلالم الدرج وأخذ يضربها بشكل وحشي. تحرّكت على أثره القوات الأمنية التي قامت باعتقال الزوج، إلا أن هذه الحالة الفريدة لم تكن لتنتج تحرّكاً أمنياً لولا الرأي العام الذي تفاعل بشكل كبير معها.

والحادث هذا هو امتداد لحوادث أخرى مشابهة انتشرت مؤخراً لنساء حُرقن على أيدي أزواجهن، أو تعرّضن للضرب المبرح الذي أدى في حالات معيّنة إلى مفارقتهن الحياة، وهو ما يُظهر، حسب ناشطين، اتّساع ظاهرة العنف ضد المرأة في العراق بشكل لافت وسط ضعف القانون وهيمنة الأعراف العشائرية.

لم يشرّع العراق قانوناً خاصاً للعنف الأسري، ويعتمد على ما ورد من مواد قانونية في قانون العقوبات الذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي والمعمول به إلى الآن في المحاكم. لكن بعد بروز ظاهرة العنف الأسري بشكل كبير، وتسجيل حالات كثيرة في مختلف أنحاء البلاد، أقرّ مجلس الوزراء العراقي في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، مشروع قانون مناهضة العنف الأسري ومرره إلى البرلمان، لكن الأخير لم يوافق عليه حتى الآن بسبب معارضة الأحزاب الدينية له في مجلس النواب، والتي ترى أن القانون مخالف للشريعة الإسلامية ويؤدي إلى التفكك الأسري.

لم يشرّع العراق قانوناً خاصاً للعنف الأسري، ويعتمد على ما ورد من مواد قانونية في قانون العقوبات الذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي والمعمول به إلى الآن

تقول الدكتورة بشرى العبيدي، وهي أكاديمية وناشطة في مجال حقوق المرأة، خلال منتدى خاص بتقديم توصيات إلى مجلس النواب في شأن تشريع قانون مناهضة العنف الأسري، إن "الدفع في اتجاه تشريع هذا القانون هو أولوية، لأن قانون العقوبات العراقي المعمول به حالياً فيه مشكلة كبيرة، لأنه يسمح بارتكاب حالات العنف أو جرائم العنف أو أفعال العنف عندما يكون المعنَّف طفلاً أو امرأةً، وفيه ثغرات كبيرة تسمح بالإفلات من العقاب".

الخلاف الشرعي

يُشير النائب في البرلمان السابق، مثنى أمين، عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، لرصيف22، إلى أن "قانون العنف الأسري من القوانين التي ظلت تتراوح في مجلس النواب بدورات عديدة وإلى الآن ليس هناك اتفاق على تمريره بالرغم من المحاولات المتكررة من الكثير من النواب وبالرغم من وجود دعم دولي له، لأن جوهر الإشكال في العديد من القضايا، في القانون، ومنها ما تخصّ خصوصيات الأسر وتجعل تلك الخصوصيات والأسرار محل نزاع في المحاكم والشرطة، الأمر الذي يطعن الود والتراحم والسلام الموجود في الأسرة، ويتعارض مع القيم المجتمعية الموجودة في العراق".

يعترف أمين أن هناك عنفاً أسرياً بحاجة إلى معالجات قانونية، لكنه في الوقت نفسه يرى أن "الجوهر الذي يتحدث عنه مشروع قانون مناهضة العنف الأسري ليس مستساغاً عند الكثير من كتل مجلس النواب، لأنهم لا يريدون للقانون والشرطة والمحاكم التدخل في التفاصيل الجزئية داخل الأسر وحرمان الأب أو الأم من حق التدخل في تربية أبنائهم".

كان يضربني على رأسي ومختلف أجزاء جسدي، ووالدتي كانت تقف وتشاهد وتصمت، من دون أن تتكلّم حتى، أو أن تُدافع عني. فوق الألم الناتج عن وحشيته، كُنت وحيدةً بين أنياب كائن ليس لديه أي إحساس

ويتضمن مشروع القانون المنسي في أدراج مجلس النواب العراقي، فقرةً حول الحماية التي ستحصل عليها النساء اللواتي يتعرضن للعنف الأسري، ومنها إقامة ملاجئ حكومية لهن بالتعاون مع منظمات حقوقية مختصة بشؤون المرأة، إلا أن أمين يرى هذا الأمر بمثابة السماح لأن "تكون النساء عرضةً للابتزاز والتحرش، ولن تكون آلية مجدية لحمايتهن، وتالياً مشروع القانون لا يخلو من إيجابيات ولكن فيه الكثير من المطاعن والسلبيات التي لا بد أن تتكيف مع طبيعة المجتمع العراقي ومع الشريعة الإسلامية".

وكان النائب السابق عن حزب الفضيلة الاسلامي في مجلس النواب، عمار طعمة، قد رأى في بيانٍ أن "مشروع قانون العنف الأسري يعارض ثوابت الإسلام والدستور العراقي لأنه يتضمن مضامين خطيرةً تنذر بعواقب تخريبية تستهدف استقرار العائلة والمجتمع العراقي وتسلب حق تربية الوالدين وتأديبهم أولادهم، ويجعل كل خلاف عائلي قابلاً لتدخل القضاء".

الوقاية المزعومة

تقول الرائد في وزارة الداخلية، بسمة الزيدي، التي تشغل منصب مديرة الشعبة النسوية في الشرطة المجتمعية، خلال مشاركتها في منتدى نوقش فيه مشروع قانون مكافحة العنف الأسري، إن "حالات العنف الأسري في تزايد يوماً بعد آخر، بسبب عوامل كثيرة منها الطلاق والخلافات بين الزوج والزوجة والتفكك داخل العوائل، كسفر الأم أو الأب وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي خصوصاً على فئة الشباب والمراهقين، ونحن كشرطة مجتمعية دورنا الحد من حالات العنف الأسري ونؤدي دوراً وقائياً استباقياً للحد من هذه الظاهرة".

تزعم الأحزاب الإسلامية وغيرها أن مشروع قانون العنف الأسري يعارض ثوابت الإسلام والدستور العراقي لأنه يستهدف استقرار العائلة والمجتمع

وتؤكد الزيدي على ضرورة وجود قانون يحمي العوائل العراقية، وبرأيها فإن تشريع القانون لا يحمي العوائل فحسب، وإنما يحمي الشرطة المجتمعية ويجعلها تفرض تطبيق القانون على من يريد تعنيف امرأة أو طفل، لأن سيادة القانون تحافظ على المجتمع.

نتيجة تزايد العنف الأسري، قرر مجلس القضاء العراقي تشكيل محكمة تحقيق متخصصة في النظر في قضايا العنف الأسري يكون مقرها في مركز كل منطقة استئنافية، وقال قضاة من خلال بحوث نُشرت في موقع مجلس القضاء الأعلى، وتناولتها الصحيفة الرسمية في العراق، إن "هذه المحكمة تساعد على ‏مكافحة جرائم العنف الأسري ومعاقبة ‏مرتكبيها وتضع آليةً لمساعدة الضحايا الذين تقع عليهم جريمة".

ومن وجهة نظر القضاة، فإن "‏محكمة ‏التحقيق المختصة بالتحقيق في جرائم العنف الأسري، تطبّق القوانين النافذة ومنها قانون العقوبات ‏العراقي رقم (111) لسنة ‏‏1969 المعدّل، وقانون رعاية الأحداث رقم (76) لسنة 1983، ذلك أن ‏المشرّع العراقي لم يصدر قانوناً للحماية من العنف الأسري و‏التحقيق في جرائم العنف الأسري ‏يتطلب الأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقات الزوجية والأسرية (...) ويسعى مجلس القضاء من خلال هذه المحكمة إلى الحد من ظاهرة العنف الاسري والقضاء عليها بالطرق القانونية".

وتنص المادة 41 من قانون العقوبات العراقي، على أن لا جريمة إذا وقع الفعل (الضرب) استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون، ويُعدّ استعمالاً للحق تأديب الزوج زوجته، وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصّر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً، وهذا ما يدفع منظمات المجتمع المدني للمطالبة بضرورة تشريع قانون جديد لمناهضة العنف الأسري.

قلق أممي

تنص المادة 41 من قانون العقوبات العراقي، على أن لا جريمة إذا وقع الفعل (الضرب) استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون، ويُعدّ استعمالاً للحق تأديب الزوج زوجته

دعت الأمم المتحدة السلطات العراقية إلى ضمان استمرار السلطة القضائية في ملاحقة المعتدين وزيادة الاستثمار في خدمات الخط الساخن والخدمات عبر الإنترنت الداعمة للناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ودعم دور منظمات المجتمع المدني وإبقاء أبواب الملاذات الآمنة مفتوحةً للنساء الهاربات من العنف، ومعاقبة مرتكبي أي نوع من أنواع العنف الأسري.

وعبّرت عن قلقها من تصاعد الجرائم، وأكدت على الضرورة الملحة لقيام البرلمان بإقرار قانون مناهضة العنف الأسري الذي من شأنه "ضمان محاسبة مرتكبي جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي في العراق".

ودعا صندوق الأمم المتحدة للسكان، ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، السلطات في العراق لجعل حماية النساء والأطفال من الأولويات.

كما دعت هيومن رايتس ووتش، أكثر من مرة، البرلمان العراقي إلى أن "يراجع على وجه السرعة مشروع قانون مناهضة العنف الأسري لضمان توافقه مع المعايير الدولية، ومن ثم تمريره من دون تأخير"، وقالت: "في غضون ذلك، على الحكومة التشاور مع منظمات حقوق المرأة المحلية لفتح المزيد من الملاجئ لضحايا العنف الأسري، وعلى الحكومات المانحة تمويل الملاجئ الخاصة بضحايا العنف الأسري".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard