عندما نداري الفضيحة ونلوم ضحية الاعتداء الجنسي... مراجعة لرواية "الأشياء الإنسانية"

الثلاثاء 5 أبريل 202205:35 م

يتفق الجميع على أن خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت تعرفنا وتعرف ميولنا أكثر منا. ويبدو أن اهتمامي بالسينما والمواضيع الجندرية جعل خوارزميات يوتيوب تمطرني بإعلانات فيلم "الأشياء الإنسانية" المأخوذ عن رواية كارين تويل، عندما اقترب موعد عرضه في صالات السينما في المدن الفرنسية. 

كنت قد قررت ألا أشاهد الفيلم قبل قراءة الرواية، ولكنني لم أعرف أن المشهد الأول في الإعلان سيفسد حبكة الفيلم والرواية. منذ المشهد الأول، ندرك أن شابًا يعتقل بتهمة اغتصاب فتاة، وأن والده، منذ اللحظة الأولى، يفترض كذب الفتاة فيما يتنازع أمه الشك. 

هل نستطيع أن نحلم بيوم تنتفي فيه جريمة الاغتصاب من الوجود؟ هل يأتي يوم ينعدم فيه رجحان كفة القوة لصالح الذكر بحيث لا يستطيع إجبار امرأة على فعل لا ترغب القيام به؟

حصلت على نسخة من الرواية، وبدأت بقراءتها. ورغم أنها ليست رواية قليلة الصفحات لم أستطع تركها حتى أنهيتها في أيام قليلة لشدة تشوقي لمعرفة ما سيجري. لا يظهر الحدث الذي ينطلق منه إعلان الفيلم إلا في القسم الثاني من الرواية، فيما تفرد الكاتبة الجزء الأول كاملًا لتعريفنا إلى الشخصيات وماضيها. ويبدو ذلك غريبا لأن قصة الرواية الأساسية هي قضية تهمة الاغتصاب. إلا أننا نفهم لاحقاً سبب إفراد الكاتبة كل هذه الصفحات لهذا الحدث، فكل ما يبدو لنا بداية غير مرتبط بموضوع الرواية يصبح في عمق المحاكمة ذا صلة بشكل أو بآخر بالقضية نفسها وتداعياتها. 

تبدو الحادثة التي تعالجها الرواية، كما كل حكايا الفتيات اللواتي يتعرضن للاغتصاب، مرتبطة فقط بالشخصين المعنيين، ميلا وألكسندر، وبتضارب الرواية التي يرويانها عن الحادثة. ولكن الخطوط تتوسع، فميلا هي ابنة آدم، عشيق كلير، أم ألكسندر، التي تركت زوجها الإعلامي المرموق جان فاريل كي تعيش مع حبيبها الذي ترك زوجته وبناته ليعيش معها. 

تدافع كلير في قضية التحرش بنساء في مدينة كولن الألمانية من قبل مهاجرين، عن حق المرأة في التحدث عما تتعرض له وإن كان اليمين سيستخدم تلك القضية لمهاجمة سياسة ميركل في استقبال اللاجئين

أما حادثة الهجوم الإرهابي في مدرسة ميلا في مدينة تولوز، عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، فتؤدي إلى تشكيل شخصيتها وتحول العائلة من عائلة يهودية عادية إلى عائلة ملتزمة دينياً، وتدفع أمها إلى التشدد والانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي النقطة التي يركز عليها محامي الدفاع عن ألكسندر، إذ يشرح أن البيئة المنغلقة التي تنحدر منها ميلا قد تفسر الفعل نفسه تفسيراً مختلفاً عن تفسير ألكسندر له بسبب انتمائه لبيئة منفتحة. يبدو الحديث عن علاقة جان الأب طويلة الأمد مع عشيقته فرانسواز غير ذي صلة بالقضية، ولكننا أثناء المحاكمة نعرف أن الطفل ألكسندر اكتشف الحياة المزدوجة لوالده منذ أن كان في التاسعة من عمره، واضطر لإخفاء معرفته بها حتى لحظة المحاكمة. كما  يبدو خلال ذلك  هوس جان بمهنته جلياً من خلال محاولاته المستمرة في سبيل المحافظة على مكانه في القناة التلفزيونية في ظل غزو شاب يهدد استمرار مهنته، إلا أن تفاصيل المحاكمة تكشف أن غياب الأب المستمر وصرامته الشديدة وحتى عنفه، شكلت الشخصية الاكتئابية لابنه وكرست رغبته الدائمة بالتفوق التي قد تشرح تلك الرغبة الدفينة باستخدام المفردات النابية التي تجتاحه خلال ممارسة الجنس. 

قبل الحادثة، تدافع كلير في قضية التحرش بنساء في مدينة كولن الألمانية من قبل مهاجرين عن حق المرأة في التحدث عما تتعرض له وإن كان اليمين سيستخدم تلك القضية لمهاجمة سياسة ميركل في استقبال اللاجئين، مما يعرضها لهجوم عنيف من قبل جمعيات معاداة للعنصرية والتهم بالإسلاموفوبيا. بعد اعتقال ابنها، تجد كلير نفسها أمام امتحان حقيقي لكل ما تؤمن به وتدافع عنه وتفشل في الامتحان فشلاً ذريعاً، إذ تتخلى عن مبادئها وحبيبها وقناعاتها لتدافع عن ابنها. 

درامياً، يبدو ضرورياً سياق الليلة التي جرت فيها الحادثة، إذ تتحول ليلة تكريم جان في قصر الإليزيه إلى كارثة تفضح الكثير من التفاصيل العائلية، وتوضح لألكسندر حجم التدخل الذي يقوده والده في حياته الشخصية، مما يملؤه غضباً، ليضاف إلى كل ذلك، تحد سخيف يقترحه أحد أصدقاء ألكسندر في السهرة، يتلخص في أن يحصل كل شاب على الملابس الداخلية للفتاة التي تختارها المجموعة لكل منهم، مما يزيد من شعور ميلا بالإهانة والقهر بعد الذي تعرضت له.  

تركز الرواية على إصرار ألكسندر أنه ربما تمادى مع ميلا إلا أنه واثق أنه لم يغتصبها. وهنا تستكشف الرواية مفهوم الموافقة والقبول في الممارسة الجنسية.

في اليوم التالي تتقدم ميلا بشكوى ضد ألكسندر بتهمة الاغتصاب ويعتقل الابن على عجل خوفاً من مغادرته الأراضي الفرنسية. ويطول انتظار المحاكمة سنتين، تتفكك فيهما حياة الشخصيات وتنهار العلاقات التي تجمعها وتجد الشخصيات كلها نفسها أمام أصعب امتحان يمكن أن تمر به في حياتها. 

أثناء المحاكمة، ترصد الرواية أثر ما جرى على ميلا أولاً، ومن ثم على بقية الشخصيات، وتركز على إصرار ألكسندر أنه ربما تمادى مع ميلا إلا أنه واثق أنه لم يغتصبها. لا تهرب الكاتبة كارين تويل من الأسئلة الصعبة، إذ تستكشف الرواية مفهوم الموافقة والقبول في الممارسة الجنسية. يعتقد ألكسندر أن كل ما هو أدنى من كلمة "لا" واضحة وصريحة أو دفعة تبعده عن الفتاة هو موافقة، فيما تشرح ميلا أن رعبها وخوفها كانا أكبر من قدرتها على التعبير والفعل. وعندما يظهر شاهد وحيد لصالح ميلا، يتضح أنه مشتبه فيه بصلات بأشخاص ينتمون لجماعات إسلامية متشددة، مما يسهل على محامي ألكسندر دحض صدقيته. 

لا تطرح الرواية أسئلتها من خلال دروس أخلاقية أو أحكام تطلقها على الشخصيات، بل تترك الشخصيات تروي قناعاتها، وتفرد للدراما والصراع كل المجال، مما يشرح بعمق ووضوح العالم الذي نعيش فيه اليوم، عالم تنتفي فيه التفاصيل في قضية مليئة بالتفاصيل، عالم منافق يتنازل فيه الجميع عن مبادئهم مقابل الغايات. ولا يظهر الجانب الأخلاقي للشخصيات إلا بتمسك ميلا المخلص بحصولها على محاكمة عادلة واعتراف حقيقي بما جرى في تلك الليلة.

ولا تفرد الكاتبة كل تلك الصفحات لشخصية ألكسندر لتبرير جرمه وإنما لتوضيح أن كل الرجال يمكن أن يرتكبوا فعلاً مشابهاً في السياق واللحظة التي يشعرون فيها أنهم قادرون وأقوياء، وأن الضحية ضعيفة ذلك الضعف الذي تظهر عليه ميلا منذ اللحظة الأولى.

تتوسع دائرة المعنيين بالقضية تباعاً، لنكتشف أن المجتمع كله معني بالقضية، ولترتبط كل القضايا بعضها ببعض، فانتماء ألكسندر وميلا لطبقتين وبيئتين مختلفتين يصبح أداة في القضية، وبذلك لا يبدو هدف الرواية معالجة موضوع الاغتصاب وحده، بقدر ما ترغب في تقديم رؤية بانورامية للمجتمع المعاصر الذي نعيش فيه اليوم، مجتمع قائم على الحيوات المزدوجة، على الصورة التي نعكسها للآخرين عن أنفسنا خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، على عالم يركز فيه على الفضيحة أكثر بكثير من التركيز على الضحية، عالم يحكم الرأي العام فيه على القضايا بحسب انتماءات الأشخاص المتورطين فيها وليس على أساس الحساسية التي يجب النظر بها إلى الضحايا. 

فإن كان هذا حال الضحايا في الدول الأوروبية، فكيف هي حال الضحايا في البلدان العربية، حيث نداري الفضيحة ونلوم الضحية

تخوض الرواية في أسئلة صعبة لم تزل الدول الأوروبية تواجهها رغم وجود قوانين تحمي ضحايا الاغتصاب والتحرش ابتداءً من التردد في الإبلاغ عن الجريمة، إلى التشكيك الذي تتعرض له الضحية خلال عمليات الاستجواب والفحص الطبي والمحاكمة، إلى النبش في ماضيها وعلاقاتها وثقافتها ودينها، والتشكيك بروايتها للأحداث وبتقدم رؤية وحقيقة ثانية للأحداث من وجهة نظر المعتدي. فإن كان هذا حال الضحايا في الدول الأوروبية، فكيف هي حال الضحايا في البلدان العربية، حيث نداري الفضيحة ونلوم الضحية وندفعها، درءاً للضرر إلى عدم الإبلاغ عن الجريمة. هل نستطيع أن نحلم بيوم تنتفي فيه هذه الجريمة البشعة من الوجود؟ هل يأتي يوم ينعدم فيه رجحان كفة القوة لصالح الذكر بحيث لا يستطيع إجبار امرأة على فعل لا ترغب القيام به؟ لا أعلم ولكن من حقنا أن نحلم، وفي الانتظار، لا أجد حلاً أفضل من مناقشة كل هذه الأفكار علناً بدلاً من تركها خلف الأبواب المغلقة. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard