أن تستيقظ بعين نصف مغلقة وقلب مفتوح على مصراعيه

السبت 16 أبريل 202201:30 م

أشباح الغربة

بالتعاون مع مسعود حيون، المحرر الضيف لشهر نيسان/أبريل


أن تستيقظ بعينٍ نصف مغلقةٍ، تفتح هاتفك وتضغط على زر الاتصال بالواي فاي، فتبدأ الرسائل والإشعارات في التوافد بنغمةِ تك... تك... تك... لكن ما يحدث بالفعل أن هذه هي ضربات قلبك التي تتسارع مخافة أن تتلقي خبراً سيئاً عن أهلك في البلد الآخر. تك... تك... تك... تك، وكأن أحدهم يمسك مطرقةً ويهوي بها على بطنك على وتيرة واحدة تك... تك... تك... تك، يتقلص قولونك العصبي ويتوحد هو الآخر مع إشعارات هاتفك، تفتح عينيك على اتساعهما لتلقي نظرةً سريعة على صندوق الرسائل، الإيميل، إشعارات فيسبوك، تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت، تهدأ قليلاً وتطمئن أن كل شيء بخير، الجميع آمن، الحياة تسير هكذا، كما هنا كما هناك.

يموت مغترباً

لا يعرف كم الوقت الآن!

وبأي موسمٍ ستتفجر برتقالةٌ من تحت عباءته

يرتعش لو دق هاتفه برنةٍ طويلة

يمعنُ النظرَ في شواهد القبور

ويبحثُ في الموت عن اسمٍ لا يعرفه.

في صباحات الغربة؛ أحضر القهوة وصوت الشيخ امام في الخلفية "حلّوا المراكب مع المغرب وفاتوني" وأبكي، لم أستطع وقتها تفسير بكائي الهيستيري في المطبخ الذي بلا نافذة، في البيت الذي لا صوت فيه، في البلد الذي لم يربطني به شيء. وقتها ربما عللت ذلك بتداعيات الغربة، الغربة المصطلح الذي أتجاهله تماماً، فأنا كثيرة ولا غربة معي.

تحاول أن تتجاهل مفهوم الغربة

تقول أن الأشياء عادية في كل مكان

وهموم منتصف الطريق

تتشكل من تلقاء نفسها

ولابد أن تصير بطلاً لحكايات أمك .

لم أستطع تفسير بكائي الهيستيري في المطبخ الذي بلا نافذة، في البيت الذي لا صوت فيه، في البلد الذي لم يربطني به شيء. وقتها ربما عللت ذلك بتداعيات الغربة، الغربة المصطلح الذي أتجاهله تماماً، فأنا كثيرة ولا غربة معي... مجاز أشباح الغربة

لم أشعر بالغربة إلا حين صرت أماً، تكوّر الخوف على جسدي فأصبح كرةً مصقولةً بالدموع، تتدحرج كلما دفعتها للخارج، بدت الأمومة هكذا: كرة من الخوف تدفعها عصا الغربة لتتضخم كلما انزلقت على جسدي، أنا في بلدٍ غريب أحمل طفلةً رضيعة وأواجه عالماً جديداً، عالم قاسٍ لا يدعم الأمهات الوحيدات، بل يدفعهن دائما للخوف والترقب وسكب المزيد من الدموع داخل الكرات التي غالباً ما تنفجر في وجوههن حين يمرض أطفالهن بالغربة.

أنا فاشلةٌ تماماً

أتيقن منها حين تستيقظ ابنتي في جوف الليل

وتطلب مني أن أطمئنها فأبكي،

أبكي لأني في حاجةٍ لجيشٍ كاملٍ يجلس تحت سريري ليطمئنني

 أو أحتاج لأمي وحدها.

اخترقت الغربة عقلي الباطن وتشكلت في مناماتي، صارت شبحاً علي أن أطارده كل ليلة (تيه، ضياع، غربة) كل صباح أصحو على هذه الكلمات، مرةً أضيع ومرة أُضيع، وبين المرتين؛ بلادٌ لا أعرفها، قطارات تفوتني، طائرات لا تحلق، هواتف خارج التغطية، أسواق وأنهار ومعسكرات تفتيش وجوازات سفر بلا تأشيرة، وأنا أسير بلا انقطاع، أملاً في وصول لا أدركه.

توحدت الغربة مع الأمومة، ضاعت بناتي مراراً في البلاد التي اختلقتها في المنامات، بلاد ليس لها موضع على الخريطة ولا تحاكي بلاداً حقيقية، تعبتُ من السير في المنامات، السير المعلول المتواصل الذي يتضاعف ولا ينفذ، حتى صرت أستيقظ في الصباح على آلام ركبتي ونداءاتي المتكررة على أسماء بناتي اللاتي فقدتهن في المنامات، لأجدهن بجواري على نفس السرير.

تركتُ عاماً يمر

والتهيتُ بطولِ المسافة

وانقطاع الأمل

تركتُ وطناً

ولأن الحياة قاسية

زرعتُ أماً لي في كل جهة

الأمهاتُ يجدن استعمال الحياة.

تماهيت مع الغربة وتقبلت الرياض، هذه المدينة البعيدة الوحيدة، أحببت هذا الخواء الذي يعوي في شوارعها، هذه الوحشة التي ترعى على بناياتها، الهدوء الذي يجعلني أئتنس بخمشة قطة تحك قدميها على الرصيف، الصمت الذي يجعلني أمشط الطرقات بصوتٍ عالٍ على سيدةً تلوح لي من شرفتها، سيدة وحيدة قطعاً ستحبني حين تراني ستفتح بيتها لي وتقدم لي القهوة والتمر وتخبرني عن أطفالها الذين هاجروا، وحين تنتهي الحكاية تعيدها مرة أخرى.

تركتُ عاماً يمر
والتهيتُ بطولِ المسافة
وانقطاع الأمل
تركتُ وطناً
ولأن الحياة قاسية
زرعتُ أماً لي في كل جهة
الأمهاتُ يجدن استعمال الحياة

أردت أن أغامر وأن أسير وحدي ذات يوم، فكنت الوحيدة السائرة على قدمي في هذا الحي وكأنما رحل كل أهل المدينة وبقيت وحدي، شتاء الرياض شتاء مهرول، لا يجعلك تنتظره ولا تفرح بقدومه، شتاءٌ خفيف كضيفٍ لا يترك أثرا على موائد الطعام، في الحقيقة أنني أقمت علاقة جديدة مع المدينة، ولكنها كانت علاقة بلا ثبوت، كمن ينتمي لبيتٍ لم يؤسس فيه حجراً، ولم يحرق على موقده وجبةً واحدة.

الثانية صباحاً بتوقيت الرياض

والطائراتُ فوق رأس ابنتي

 لا تكف عن المناورة

لماذا لا تراني أبراج المراقبة

وترسل الصواريخ لتغني معي

"نام نام وادبحلك جوزين حمام"

ولماذا لم يرني العالم فيهتم بتقليم أغصانه

لنعيش معاً في عقلةٍ واحدة.

قد لا تغريك الرياض للكتابة عنها، ولكنها المدينة الأكثر تحريضاً على الكتابة، في الرياض رأيت نفسي البعيدة المجردة، في الرياض أحببت نفسي وكرهتها وروضتها وحاولت أن أرضيها، في الرياض أنا غريب الحي يا وديع، وكانت الغربة ليالي طويلة تأكلني دون أن تتورط معي، كنت غريب الحي ووحيده يا وديع.

أنا في بلدٍ غريب أحمل طفلةً رضيعة وأواجه عالماً جديداً، عالم قاسٍ لا يدعم الأمهات الوحيدات، بل يدفعهن دائما للخوف والترقب وسكب المزيد من الدموع داخل الكرات التي غالباً ما تنفجر في وجوههن حين يمرض أطفالهن بالغربة... مجاز أشباح الغربة

الثانية صباحاً بتوقيت الرياض

وفيروز تدلف بسؤالها الناعم

"وليش بنتلفت خايفين"

أنا خائفة يا فيروز

 أخاف الناس وأخاف الوحدة

 أخاف المسافة وأخاف الخطوة

أخاف الثانية صباحاً

 وأخاف المرأة التي تحدثت طيلة ست ساعات

 عن أنها تغسل الدجاجة سبعين مرة

 في نفس الوقت الذي يقسم زوجها

 أن امرأته تغسل الدجاجة سبعين مرة

أكتب الرقم جيداً

أردده كثيراً بصوت خائف

سبعون /الدجاجة /سبعون مرة/تغسلها

أسأل نفسي ما ذنب الدجاجة

وماذا سيفيد العالم غسلها سبعين مرة

وماذا فعلتِ أنتِ يا آلاء لتفيدي العالم!

الغربة تشبه أن تبقى وحيداً في حجرة كل أضلاعها مرايا، فتكشف جسدك من كل الزوايا، هكذا تستطيع أن تفكك ذاتك بمعزلٍ عن الآخر، الآخر الذي يتدخل للحكم عليك أو للوصاية أو للتشويش.

هنا أنت حر وطليق تجرب بلا رهاب الفشل، تطرق الأبواب بلا ملامة، وتركض للمناطق القصوى دون أن تُردع أو يتم وصمك، وأخيراً يمكنك الغوص في سراديب روحك الداخلية لتلتقط ما هو محرض على الابداع. في الغربة يبزغ السؤال ويتكاثف، تنمو حولك العوالم التي أنشأتها، تتفحص العلاقات الخفية وراء الأحداث، تفكك أقدار الله لمقدمات ونتائج ودوائر متداخلة، تنعزل فيجيء الشعر كنجمٍ يلوح لك في سماءٍ غائمة، تحاول الإمساك به فتغوص أكثر في غربتك.

أسمع العالم يتدفق من حولي

 أرى الأشياء تتغير

 كلٌ يُبدل موقعه على الرقعة

 وأنا لا أفعل شيئاً

 سوى مراقبة الأيام وهي تسقط تحت عجلات العدم.

هكذا جاءت الكتابة حرة وعميقةً وداخليةً ممتزجةً مع الذات التي عرتها الغربة وكشفت عن ضعفها وقلقها الدائم. كانت الغربة في مدينةٍ صامتة كأن تقف وجهاً لوجه مع نفسك فتقرأ عذاباتك بصوتٍ عالٍ، صوتٍ يصدح في فضاء هذه المدينة. نعم، صنعت للمدينة صوتاً آخر عالياً ومدوياً، صوت لا يشبه صوت المآذن العالية ولا صوت همهمة الجموع في الأسواق التجارية، ولا حتى صوت الطائرات التي ترفرف في سماء المدينة كل ليلة، كان صوت الشعر الذي تدفق بكثافةٍ على أرض المدينة الصامتة.

لا تُغريك ناطحات السحاب

ولا وجهك الشاحب على مراياها

أنت دائماً منشغلٌ ببرتقالة الشمس

وهي تعصر نفسها على الطرقات

انظر

هو نفسه العصير

الذي سكبته مراراً على سطح جدتك

لتضيء عشاً من الأمنيات .


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard