بعد حلّ البرلمان التونسي... محاكمة النواب تثير المخاوف والقلق

الثلاثاء 5 أبريل 202202:50 م

عقدت "اللجنة الوطنية للدفاع عن نواب الشعب"، ندوةً صحافيةً، الثلاثاء 5 نيسان/ أبريل، تتعلق بإحالة سبعة نواب على التحقيق في "قضية التآمر على أمن الدولة" التي وُجّهت إليهم بعد أن عقد البرلمان المجمّد جلسةً افتراضيةً صوّت فيها على إبطال التدابير الاستثنائية التي أعلن عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد. 

ورأى أعضاء اللجنة أن قضية أعضاء مجلس نواب الشعب ليست قانونيةً أو عدليةً، بل هي سياسية وتندرج في إطار تصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين، داعين جميع القوى السياسية والمدنية إلى الوقوف صفاً واحداً ضد هذه الممارسات.

من جهتها، رأت اللجنة الدولية للحقوقيين في بيان لها، أن "القرار القاضي بحلّ السلطة التشريعية في تونس واتهام أعضاء البرلمان بالتآمر ضدّ الدولة يتعارض مع القانون ويجب إبطاله فوراً لحماية البلاد من انحدارها المستمر نحو أزمة دستورية".

في المقابل، يرى "ائتلاف صمود" أن قرار عقد جلسة عامة هو تهديد لأمن البلاد ووحدتها وللسلم الأهلي، ودعا "النواب الوطنيين للإعلان عن مقاطعة هذه الجلسة وعدم الانخراط في هذا المسار الخطير الذي قد يزجّ بالبلاد في منزلقات خطيرة تهدد سلامة ترابها ومواطنيها".

كما دعا الائتلاف في بيان له "السّلطات للقيام بكل ما يخوّله القانون لمنع هذه الاجتماعات التي تمثل تهديداً لوحدة الوطن وخطراً على الأمن القومي".

قضية أعضاء مجلس نواب الشعب ليست قانونيةً أو عدليةً، بل هي سياسية وتندرج في إطار تصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين

من جانبها نشرت رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، شكوى بخصوص إبطال الجلسة العامة، كما شددت على ضرورة اقتران حل البرلمان بالدعوة إلى انتخابات تشريعية في أجلٍ لا يتجاوز الآجال الدستورية.

أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد، في اجتماع مجلس الأمن القومي قبل خمسة أيام، عن حل مجلس نواب الشعب عقب قرار تجميده لمدة ثمانية أشهر في إطار جملة من التدابير الاستثنائية أُقرّت في 25 تموز/ يوليو الماضي. وقد استند رئيس الدولة إلى الفصل 72 من الدستور، الذي ينص على أن "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور".

 وقد جاء قرار حلّ البرلمان رداً على الجلسة العامة الافتراضية التي عقدها البرلمان المجمّد، والتي صوّت فيها 116 نائباً من أصل 217، على مشروع قانون يلغي التدابير الاستثنائية بما في ذلك قرار تجميد البرلمان وتعليق العمل بالدستور.    

"محاولة انقلابية"

رأى رئيس الجمهورية في كلمته أن تونس تعيش على وقع محاولة انقلابية وصفها بالفاشلة، قائلاً: "الواجب الوطني يقتضي اليوم حماية الشعب والوطن بناءً على أحكام الدستور لأن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، وبناءً على الفصل 72 من الدستور أعلن عن حلّ المجلس النيابي حفاظاً على الدولة ومؤسساتها والشعب التونسي".

وقال سعيّد إن الجلسة التي تم عقدها لا شرعية لها، لأن البرلمان مجمّد، عادّاً أن "هؤلاء" يتلاعبون بمؤسسات الدولة ويستهينون بالشعب بعد أن جوّعوه ونكّلوا به، وأضاف أن مؤسسات الدولة قائمة وأن الشعب سيحمي الدولة من هؤلاء الذين لهم فكرة الجماعة لا فكرة الدولة، معلناً عن ملاحقة النواب جزائياً بتهمة التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وعن مبادرة وزيرة العدل بصفتها رئيسة النيابة العمومية بفتح دعوة أمام النيابة.

وحذر سعيّد في كلمته من أن أي لجوء إلى العنف سيواجَه بالقانون وبالقوات المسلحة المدنية والعسكرية، لأن الدولة لن تكون أبداً لعبةً بين أيدي هؤلاء الذين حاولوا الانقلاب عليها وفق تعبيره، داعياً التونسيين إلى أن يكونوا في هذه المرحلة الخطيرة ثابتين، وألا يتركوا للذين لا يتوارون عن ارتكاب الجرائم الفرصة للتسلل إلى صفوفهم، على أن يعبّروا عن إرادتهم في إطار السلم واحترام قوانين الدولة.

وتساءل رئيس الجمهورية: "لماذا يهابون الانتخابات وقد تم تحديد تاريخها؟ لماذا يهابون الاستشارة الإلكترونية وقد تم تحديدها وتعرضت لأكثر من 120 ألف هجوم إلكتروني؟ لماذا يخافون من أن يعبّر الشعب عن إرادته؟ لأنهم يعرفون أنهم فقدوا أي شرعية ومشروعية. السيادة للشعب وهي أعلى مرتبة من الدستور، فلنعد إلى الشعب، ولن يعود إلى الانتخابات من يحاول الانقلاب، وأقول للذين يتحدثون عن الحريات: نحن نضمن الحريات وهم خطر على الدولة والحريات، ومن يعتقد أن المؤسسات يمكن أن يتم التسلل إليها فهو واهم. الدولة قائمة والجمهورية ستسمر".

وخاطب رئيس الجمهورية النواب قائلاً: "ماذا يريدون؟ يريدون حكومة أخرى كما حصل في بعض الدول؟ يريدون الاقتتال؟ يريدون الفتنة؟ لن نترك لهم المجال للتحرك وسنتخذ كل التدابير للحفاظ على الدولة والشعب".

قراءات دستورية متباينة

استند رئيس الجمهورية في قرار حلّ المجلس النيابي إلى الفصل 72 من الدستور، وقد رأى أستاذ القانون العام الصغير الزكراوي، أنه لا يمكن الاستناد إلى الدستور في هذا القرار، لأنه تم تعليق العمل به منذ فترة والإبقاء على البابين الأول والثاني فقط. وأضاف الزكراوي في تصريح لإذاعة محلية، أن حل البرلمان هو مطلب ملحّ لأغلب الأحزاب والمنظمات الوازنة، وأنه قرار صائب، لكن الدستور لا يبرره لأن الفصل 72 تم تعليقه مع جملة الفصول الأخرى.

الفصل 72 من الدستور لا يتضمن أي لفظ صريح يخوّل إلى الرئيس حلّ البرلمان، لكن بإمكانه الاستناد إليه لأن الفصل ينص على وحدة الدولة واستمرارها

من جانبه، بيّن الباحث في القانون الدستوري، رابح الخرايفي، أن الفصل 72 من الدستور لا يتضمن أي لفظ صريح يخوّل إلى الرئيس حلّ البرلمان، لكن بإمكانه الاستناد إليه لأن الفصل ينص على وحدة الدولة واستمرارها إذا ارتأى رئيس الدولة أن الوحدة والاستقرار أصبحا مهددَين باجتماع البرلمان المجمد المنزوع الاختصاصات، والشروع في خلق تنافس شرعيات بإمكانية سحب الثقة من حكومة نجلاء بودن، وإعلان حكومة أخرى، وتصبح هناك حكومتان، واحدة قانونية وأخرى فعلية، ويقع تقسيم البلاد.

وأضاف الخرايفي في حديثه إلى رصيف22، أن الرئيس قيس سعيّد استند إلى الضرورة وحق الدولة في الدفاع الشرعي ودفع الخطر الداهم وكونه المؤوّل الوحيد والرسمي للدستور، ارتأى أن تلك الأفعال تستوعبها الفصول الموجودة في المجلة الجزائية (القانون الجنائي)، والمتعلقة بالاعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي، واتخذ القرار حفاظاً على السلم الاجتماعي وأمن الدولة الداخلي والخارجي.

ورداً على القراءات التي ترى أنه لا يمكن الاستناد إلى الفصل 72، لأن العمل بالدستور معلَّق، قال الخرايفي: "هذه اجتهادات غير صائبة، لأن الأمر الرئاسي عدد 117، ينص على أن الدستور نافذ ما لم يتعارض المبدأ مع الإجراءات المتعلقة بتطبيقه، ويقتضي ذلك تغليب المبدأ على الأشكال والإجراءات والرئيس موجود وموكولة إليه حماية الدولة".

وقد أثار قرار حل البرلمان تساؤلات حول إمكانية تعديل موعد الانتخابات التشريعية التي حددها رئيس الجمهورية في يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر، كون الدستور ينص على إجراء انتخابات في أجلٍ لا يتجاوز 90 يوماً.

قرار حلّ البرلمان غير دستوري، وخطير، واعتداء آخر فاقد للسند طبعا ولا يحتاج الأمر إلى توضيح، ولكنّه سياسياً غير فعّال وواقعياً معدوم

وقال الخرايفي، في هذا الخصوص: "هناك نظريتان، الأولى هي أن حل البرلمان يستدعي إجراء انتخابات من 45 إلى 90 يوماً، والثانية هي وجود تاريخ سابق وهو 17 كانون الأول/ ديسمبر، وتالياً وجب على رئيس الجمهورية أن يخرج ويبيّن لكيلا نبقى في جدل عقيم".

بدوره عدّ أستاذ القانون الدستوري وعضو مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب"، جوهر بن مبارك، أن قرار حلّ البرلمان غير دستوري، وخطير، واعتداء آخر فاقد للسند طبعا ولا يحتاج الأمر إلى توضيح، ولكنّه سياسياً غير فعّال وواقعياً معدوم.

وأضاف بن مبارك، في تدوينة له، أن "قيس سعيّد يتعاطى مع المجلس وكأنه منحل واقعياً منذ بداية انقلابه، وقراره لا يضيف شيئاً. ولكن البرلمان رجع إلى ممارسة وظائفه اليوم، وألغى تدابير الانقلاب وصار بدوره يتعاطى مع سعيّد من خارج إطار منظومة الـ117، بل من منظور الشرعية الدستورية التي لا تتيح له حقّ الحلّ كما أكد هو نفسه".

الجلسة العامة نتيجة أزمة سياسية

أثار قرار عقد جلسة عامة افتراضية تبايناً في مواقف الفاعلين والناشطين السياسيين، كما انتُقِد غياب رئيس البرلمان راشد الغنوشي، ونائبته الأولى سميرة الشواشي، عن الجلسة وتولّي النائب الثاني طارق الفتيتي مهمة تسيير الجلسة.

وقد رأى المحلل السياسي بولبابة سالم، أن تونس تعيش اليوم أزمةً سياسيةً بغطاء قانوني، وأن حل البرلمان يعني انتخابات مبكرة في ظرف 90 يوماً وفق ما ينص عليه الفصل 99 من الدستور.

ورأى سالم في حديثه إلى رصيف22، أن الدولة مؤسسات، ومجلس نواب الشعب من مؤسسات الدولة، وأن عقد جلسة عامة بعد ثمانية أشهر من إجراءات 25 تموز/ يوليو، كان نتيجة أزمة سياسية واقتصادية خانقة تعيشها البلاد، وغياب بوصلة واضحة مع إمساك الرئيس بكل السلطات بين يديه، ما عمّق الأزمة.

كما لفت إلى تراجع مؤيدي الرئيس قيس سعيّد الذي أصبح يسعى إلى تمكين مشروعه الشخصي، ويرفض كل دعوات الحوار، خصوصاً من الاتحاد العام التونسي للشغل، مشيراً إلى أن قرار تتبع النواب جنائياً غير ممكن لأن الفصل 80 يقول إن البرلمان يكون في حالة انعقاد دائم.

تجدر الإشارة إلى أن المكلف بالاتصال والإعلام في رئاسة البرلمان المنحل، ماهر مذيوب، أعلن أنه تقرر تأجيل موعد 5 نيسان/ أبريل 2022، للاستماع إلى النواب، إلى موعد لاحق.

وكان مجلس نواب الشعب المجمّد قد عقد  جلسة حتفاليةً بالذكرى الثامنة لختم دستور سنة 2014، شارك فيها نواب حركة النهضة، ونواب بعض الكتل الموالية لها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard